قد يبدو ظاهريا أن أسباب المظاهرات التي اجتاحت لبنان مؤخرًا هي تأفف المواطنون من تراكم أكوام القمامة، ولاسيما الخدمات العامة المدمرة في لبنان والتي اتخذت الحكومة سياسة “أخدم نفسك” شعارا لها . لكن بنظرة أعمق قليلا، يبدو أن الأسباب سياسية تتعلق بفساد سياسي، وبنظام الدولة السياسي المثير للجدل، علاوة على التدخلات الخارجية في شئون البلاد الداخلية. نشر موقع فورين أفيرز مقال يتناول الأزمة اللبنانية فيقول الكاتب:

“كانت القشة التي قصمت ظهر البعير” هكذا وصفها تمام سلام رئيس الوزراء اللبناني. معربا عن تأييده للتظاهرات المستمرة التي اجتاحت البلاد ضد حكومته، التي فشلت طوال عدة أسابيع في جمع أكوام من القمامة المتراكمة في شوارع بيروت. جاء البيان سخيفًا، لكن كاشفًا أيضا: فالطبقة السياسية في لبنان هي إما غافلة بشكل مذهل عن مواطن فشلها، أو ربما أسوأ من ذلك أنها بارعة للغاية في تجنب تحمل المسؤولية عن أي مصاعب تمر بالبلاد.

المشكلة ليست القمامة وحدها

ليت المشكلة تقتصر فقط على الصحة العامة، فنصف السكان فقط في لبنان لديهم إمدادات المياه الجارية من خطوط المياه الرئيسية، ومعظمها بالكاد يعمل.الحد الأدنى من الناس يحصلون فعليا على تغطية كهربائية شاملة، والبقية يعيشون على تقنين صارم وتقشف في استخدامهم الكهرباء، أو يعيشون في الظلام. أكثر من ثلث الشباب يعانون من البطالة. والتعليم الحكومي العام هو أضمن طريق للبطالة على المدى الطويل. اللجوء للرعاية الصحية الحكومية هو بمثابة إنتحار، فالتأمين الصحي الخاص الباهظ الثمن أمر لابد منه.

 

الأمن في لبنان بالتأكيد ليس للصالح العام وإنما بمثابة خدمة انتقائية. فكل طائفة كبيرة في المجتمع لها قوات الشرطة الخاصة بها، وكذلك وكالات التجسس الخاصة بها. وبعضها مثل الحزب الشيعي “حزب الله” لهم جيش خاص بهم. ولا عجب أن العديد من الجرائم التي ترتكب في لبنان لا يتم معاقبة الجاني، بل يتم إطلاق سراح المسجونين قبل انتهاء مدة عقوبتهم. ولا أدَّل على ذلك من مثال إغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء السابق  في عام 2005، إذ لم يقدم مرتكبي الجريمة للعدالة حتى الآن. اللاجئون السوريون يشكلون تقريبًا ربع الكثافة السكانية الموجودة بلبنان الآن، وهي أعلى نسبة لاجئين تم تسجيلها في العالم حتى الآن. وتلك النسبة لا تشمل اللاجئون الفلسطينيون المنتشرون في المخيمات في جميع أنحاء البلد، ويشكلون عشر بالمائة من سكان لبنان.

 

فساد الحكومة

سيقول الكثيرون أن المشكلة الجذرية هي تزعزع الإستقرار الناجم عن سنوات الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي المستمر في شئون البلد. وحجتهم في ذلك، أن لبنان كانت دولة مزدهرة و تسيِّر أمورها على ما يرام، إلى أن تآمرت الدول الأجنبية ضد لبنان، واندلعت الحرب على أرضها في عام 1975. لكن المتظاهرون اللبنانيون فاض بهم من كل تلك الأعذار. فهم يعتقدون مثلي أن أزمة القمامة الآن ما هي إلا نتاج النظام الحكومي الفاسد؛ ولا شئ غير ذلك.

الإحتجاجات المستمرة الآن، ليست فقط  بشأن آداء الحكومة، وإنما بشأن الرغبة في طي صفحة من تاريخ لبنان عبر  التخلص من الهيكل السياسي الحاكم للبلاد. ويسوقون حجتهم في ذلك أن النظام اللبناني غير قابل للإصلاح، فهو عبارة عن توليفة من التمثيل السياسي الذي فرضه ثلاثة لبنانيين في أوائل عام 1940، وانتهت صلاحيته. ويضيفون أن كل ما يقوم به النظام هو الحفاظ على الاقطاعيات السياسية، وتشجيع المحسوبية، وتوليد الجمود، ومنع الإصلاح. لذا لم تعد لبنان قادرة على خلق حكومة فعالة أو مؤسسات دولة وطنية أو حتى جيش وطني قوي. وطالما استمر هذا النظام، ستظل لبنان رهينة التدخل الأجنبي محرومة من أي استقلال أو سيادة. لذا، ينبغي أن تنتقل لبنان للديموقراطية غير الطائفية عبر قانون انتخابي جديد يتيح الفرصة أمام السياسيين الصادقين الأكفاء غير الطائفيين للترشح والانتخاب.

عقبات تواجه المتظاهرين:

المؤيدون للنظام

يبدو أن المتظاهرين ينون على شئ ما، لكن يبدو أيضا أن الاحتمالات جميعها تتكدس ضدهم. بداية، في الواقع، ليس واضحا أن الأغلبية في لبنان تريد حقًا إعادة تكوين النظام السياسي، ولعل الائمن هنا القول أنه على الرغم من أن تلك الأغلبية غير راضية تماما عن الحكومة، هم يرغبون في الإصلاح أكثر من رغبتهم في تغيير النظام والحكومة. ويقول البعض أن النظام اللبناني مكَّن الناس من الفرار من الإستبدادية والثيوقراطية. فهو يحمل بين ثنايا بنائه ما يمنع أي طائفة من الهيمنة على أخرى، ويضمن أن تنل كل طائفة جزء من السلطة  السياسية، وبالتالي يتعايشون مع بعضهم البعض. فهناك حكومة مركزية، لكن يضمن النظام أيضا استمرار الحكم الذاتي السياسي والإقتصادي في البلاد، بحيث يمكن أن تُحكَم كل منطقة وفقًا لتفضيلات واختيارات  الدوائر الإنتخابية الخاصة بها.

اللبنانيون المؤيدون للوضع اللبناني الحالي يؤكدون أن النظام  اللبناني يحتاج للإصلاح ليكون أكثر حداثة و جدارة، لكن أي إعادة توجيه جذرية للسياسة في لبنان لن تؤدي إلا إلى الفوضى والصراع. أي باختصار هم يقولون:  نعم للحكم الداخلي الجيد، لا للقواعد الانتخابية الجديدة؛ على الرغم من أن لا شئ أكثر حتمية لسلامة لبنان من القواعد الانتخابية الجديدة . فنظام لبنان الذي يعتمد على الكوتة، ببساطة لا يمكن تحقيقه واقعيًا، فهو نظام يقتل تكوين الدولة ويقسم الأمة بطريقة تحول دون تحقيق الانتماء الإجتماعي، أو الحفاظ على تقدم الدولة نحو ديموقراطية  شاملة، وهو هدف مدون في الدستور اللبناني.

القوى الإقليمية

من العوامل الأخرى التي تواجه المتظاهرين هي القوى الإقليمية التي لها تأثير كبير على السياسات في بيروت. وتفضل تلك القوى الإبقاء على الوضع القائم. ففي حين تحترق العراق وليبيا وسوريا واليمن، إعادة هندسة النظام في لبنان قد تكلف البلاد التوازن الهش الموجود، وقد توسع نطاق الأزمة في الشرق الأوسط. وعلاوة على ذلك، وجود نظام ممثل للشعب ويتمتع بالشفافية ويمكن للبنان الإعتماد عليه، على الارجح سيقوض مصالح العملاء المحليين لتلك الدول الإقليمية. ويسعنا هنا الإستشهاد بمثالين؛ لم يكن حسن نصر الله ،أمين عام حزب الله، وسعد الحريري، زعيم حركة المستقبل، ليصمدوا كل هذا الوقت، لولا تدخل كل من إيران والمملكة العربية السعودية، بتمويلاتهما، فضلاً عن توفير الحماية السياسية. ولا عجب إذًا أن زعماء الطوائف السياسية الرئيسية في لبنان أصدروا الأوامر لمؤيديهم بعدم الإنضمام للمتظاهرين.

 

“صورة تجمع زعيمي أكبر تكتلين سياسين في لبنان: سعد الحريري، حسن نصرالله”

 

حتى إذا لم تكن الأعداد في صالح المتظاهرين، لا يمكن إنكار أن تحركهم تاريخي. في الواقع، منذ أن تأسست الجمهورية، لم تشهد لبنان مثل هذا التحرك الواضح العلني من قبل قطاع عريض من المجتمع، يشكك في النظام السياسي اللبناني أو ينادى بإصلاح شامل. في السنوات القليلة الماضية، عقدت لبنان العديد من الحوارات الوطنية حول جيش حزب الله المسلح واستراتيجية الدفاع الوطني. ولم يكن مثيرًا للدهشة على الإطلاق أن جميعها لم تسفر عن شئ. ولعل السبب في ذلك أن جميعها قضايا عارضة، وليست إلا أعراض لمشاكل أعمق بكثير. فالقضية الأساسية كانت وماتزال النظام السياسي المعيوب.

بالفعل طلبت الحكومة الحالية -دون أي خجل-  المساعدة الخارجية لحل أزمة القمامة. وعلى الأرجح سينال المتظاهرون ما يريدون: عزل وزير البيئة اللبناني ووزير الخارجية من منصبيهما. وربما سينجحوا أيضا في ضغطهم ومطالبتهم بحل البرلمان اللبناني وانتخاب رئيس جديد؛ فالبلاد كانت ومازالت  بلا رئيس ما يقرب من عام كامل. ولكن ربما ما أحدثه المتظاهرون دون قصد هو أعمق بكثير. فهم أجبروا البلد كله، وربما حتى دول الجوار على التعامل مع بعض المسائل السياسية الرئيسية.

وبالنظر لدور لبنان التقليدي كمركز فكري في العالم العربي، ليس هناك مكان أفضل منها تقام فيه مناقشة صادقة حول مستقبل الحكم اللبناني. ولكن من الضروري أيضا أن تقتصر تلك المناقشة على الصراع اللبناني.  ولأن الشرق الأوسط كله يعاني من بعض الصراعات ومشكلات الشرعية السياسية و العقد الإجتماعي، ينبغي على الجميع الاستماع والمشاركة في الحوار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد