نشرت صحيفة «نيويوركر» الأمريكية تقريرًا للكاتبة ريتشل أفيف، المشهورة بكتاباتها عن الطب النفسي والتعليم والرعاية البديلة والتشرد، والتي مُنحِت زمالة «روزالين كارتر» لكتاباتها عن الصحة النفسية، تناولت فيه متلازمة غريبة تؤدي إلى دخول الأطفال في حالة أشبه بالغيبوبة لأشهر، أو لسنوات. تُسمّى هذه المتلازمة بمتلازمة «اللامُبالاة»، أو عدم الرغبة في الحياة، وتظهر على الأطفال اللاجئين في السويد فقط. وقد أوردت الكاتبة أن الأطفال يصابون بهذا المرض عندما تُرفض طلبات لجوئهم ويعلمون أنهم سيرُحلون. جدير بالذكر أن هذا المرض ليس له علاج طبّي حتى الآن، وأن علاجه الوحيد هو الحصول على الإقامة الدائمة في السويد.

تحكي الكاتبة في تقريرها عن طفل يُدعى جورجي، وهو لاجئ روسيّ ذهب إلى السويد عندما كان في الخامسة من عمره، وصفه طبيبه بأنه الأكثر شبهًا بين عائلته بالسويديين، وكان من بين أكثر الطلاب المحبوبين في فصله. وصفه صديقاه بأنه حيويّ، ومرِح، وسعيد دائمًا، وإنسان جيد وودود، ومدهش في كرة القدم.

«اللامُبالاة» متلازمة غريبة تؤدي إلى دخول الأطفال في حالة أشبه بالغيبوبة لأشهر، أو
لسنوات، وتظهر على الأطفال اللاجئين في السويد فقط.

ساهم والد جورجي، سوسلان، في تأسيس طائفة دينية مسالمة في مقاطعة أوسيتيا الشمالية في روسيا، والتي تقع على حدودها مع جورجيا. يقول سوسلان أن قوات الأمن طالبت بحلّ تلك الطائفة عام 2007، بسبب رفضها انخراط الكنيسة الأرثوذكسية في الشئون السياسية، وهددوه بالقتل إذا رفض. لذلك هرب سوسلان إلى السويد برفقة زوجته ريجينا وأطفالهما، وتقدما بطلبٍ للجوء ولكنه رُفض، وذلك لأن مجلس الهجرة السويدي لم يجد إثباتًا بأن سوسلان سيتعرض للاضطهاد إذا عاد إلى روسيا.

عاشت العائلة مختبئة في وسط السويد، ثم تقدموا بطلب لجوء مرة أخرى في عام 2014. في هذه المرة، ذكرت العائلة بأن الترحيل يمكن أن يؤثر على الصحة النفسية لطفلها، مما جعل المحكمة تعيد النظر في الطلب. وقد كتب مدير مدرسة جورجي، ريكارد فلوريدان، رسالة إلى مجلس الهجرة قائلًا «إذا أُجبِر جورجي على مغادرة مجتمعه وأصدقائه ومدرسته وعائلته، سيكون ذلك مدمرًا له»، ووصفه أيضًا بأنه طفل ناضج، وأنه مثال لجميع زملائه في المدرسة، وأنه «يُظهر عرفانًا كبيرًا بفضل مدرسته عليه».

مرض جورجي

في صيف عام 2015، قبل فترة وجيزة من دخوله الصف السابع، علم جورجي أن مجلس الهجرة رفض طلب عائلته مجددًا، وقد جاءه الخبر في رسالة ترجمها لوالديه اللذين لم يتمكنا من قراءة اللغة السويدية. استأنفت أُسرة جورجي حكم المجلس، بينما حاول جورجي التركيز في دراسته منتظرًا أخبارًا جديدة.

بعد ذلك بوقت قليل، علم جورجي بترحيل زميله اللاجئ من أفغانستان مع عائلته «كما لو كانوا مجرمين»، بحسب وصف جورجي. أصبح جورجي حاد الطباع وأكثر انعزالًا، وتوقف عن الحديث باللغة الروسية، وقال إن اللغات هي مجرد أصوات، وأنه لم يعد قادرًا على فهم اللغة الروسية.

انعزل جورجي عن عائلته متهمًا إياهم بعدم فهمه، وانتقدهم لعدم تعلمهم اللغة السويدية، وأصبح شقيقه الأصغر «ساڤْل» مترجمًا للأسرة.

وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، رفض مجلس الهجرة الاستئناف وأخبرت الأسرة بضرورة مغادرتهم السويد، وكان من المقرر ترحيلهم إلى روسيا في أبريل (نيسان) من العام التالي. قرأ جورجي الرسالة في صمت، ثم أسقطها على الأرض وذهب إلى غرفته في الطابق العلوي. يقول جورجي بأنه شعر وكأن جسده سائل تمامًا وأن أطرافه ضعيفة، وشعر بضغط شديد في أذنيه، ثم تحول نحو الجدار وأخذ يضربه بقبضته. وفي الصباح، رفض جورجي الاستيقاظ من السرير وتناول الإفطار، وحاول شقيقه إطعامه لكنه باء بالفشل كذلك.

دعا والد جورجي طبيبة أنف وأذن وحنجرة تُدعى إليزابيث هالتكرانتز، وهي متطوعة بمنظمة «أطباء العالم» الخيرية. وصلت هالتكرانتز إلى منزل جورجي، وهو عبارة عن كوخ خشبي في أراضي بلدية غاربنبرغ، 120 ميلًا شمال غرب ستوكهولم، وكان ذلك بعد مرور ثلاثة أيام على إصابة جورجي بالصدمة. كان جورجي يرتدي قفازات ملاكمة وجوارب رياضية قصيرة وبدا نائمًا، وعند لمس هالتكرانتز له، اهتزت جفونه لكنه لم يتحرك، ولم يتواصل معها بأي شكل.

بعد أسبوع، كان جورجي قد فقد 13 رطلًا –أي نحو ستة كيلوجرامات- لذلك نصحت الطبيبة هالتكرانتز الأسرة بنقله إلى غرفة طوارئ بمدينة فالون والتي تبعد عن منزلهم أربعين ميلًا. لم يأكل جورجي طوال أربعة أيام، ولم ينطق جملة كاملة لمدة أسبوع.

يقول الطبيب المعالج لجورجي أن معدلات النبض وضغط الدم كانت طبيعية، لكنه لم يكن يظهر أي رد فعل. شُخِّص جورجي بمتلازمة الإحباط، أو كما يطلق عليها متلازمة الانسحاب، وهو مرض يُقال إنه موجود فقط في السويد، وفي أوساط اللاجئين فقط. على الرغم من عدم ظهور أي مرض جسديّ أو عصبيّ على المصابين بهذه المتلازمة، إلا أنهم يفقدون الرغبة في الحياة، ويُطلِق عليهم السويديين «de apatiska» أي اللامُبالين.

نظرة إلى تاريخ «اللامُبالاة»

أشارت الكاتبة أن بداية ظهور هذا المرض في كانت في السويد في بداية القرن الحادي والعشرين، وأن عدد حالات الإصابة بالمرض وصل إلى 400 حالة بحلول عام 2005، أغلبهم بين سن الثامنة والخامسة عشر. وقد وصف جوران بوديجارد، مدير وحدة المرضى النفسيين في مستشفى جامعة كارولينسكا، المصابين بهذا المرض في مجلة أكتا بدياتريكا الطبية بأنهم «سلبيون تمامًا، غير قادرين على الحركة، انسحابيون، لا يتكلمون، غير قادرين على تناول الطعام أو الشراب، مصابون بسلس البول، ولا يستجيبون للمحفزات الجسدية أو الألم». جدير بالذكر أن أغلبية الأطفال المصابين بهذا المرض هم مهاجرون من الاتحاد السوفيتي أو دول يوغوسلافيا.

اقرأ أيضًا: كيف دفعت برامج أوروبا اللاجئين نحو الجريمة تجاه عائلاتهم؟

هل السويد جنة اللاجئين؟

وتعتبر السويد ملاذًا للاجئين منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ قبلت عددًا من طالبي اللجوء أكثر من أي دولة أوروبية أخرى، لكن تعريف الدولة للاجئين السياسيين أصبح ضيقًا مؤخرًا، فكان ذلك سببًا في رفض طلبات لجوء الكثير من الأسر الهاربة من بلدان لا تشهد حالة حرب.

وفي رسالة مفتوحة إلى وزير الهجرة السويدي، أكد 42 طبيبًا نفسيًا أن القيود الجديدة على طالبي اللجوء، والوقت الذي يستغرقه مجلس الهجرة لمعالجة طلباتهم، مما يمكن أن يجعل الأطفال في مأزق لسنوات، هو سبب هذا المرض، كما اتّهم هؤلاء الأطباء الحكومة بتعمّد إساءة معاملة الأطفال.

وقد أجمع الأطباء على الرأي بأن المرض ناتج عن صدمتين: تعرّض الأطفال للمضايقات في بلدهم الأصلي، وفزعهم من الترحيل إلى بلادهم بعد تأقلمهم مع المجتمع السويدي، بحسب ما أوردته «نيويوركر». وقد وصف ماجنوس كيلبوم، مدير معهد الطب النفسي للأطفال في ستوكهولم، المرض بأنه بمثابة نوع من الموت المرغوب فيه.

أكد 42 طبيبًا نفسيًا أن القيود الجديدة على طالبي اللجوء، والوقت الذي
يستغرقه مجلس الهجرة لمعالجة طلباتهم، مما يمكن أن يجعل الأطفال في مأزق
لسنوات، هو سبب هذا المرض، واتّهم هؤلاء الأطباء الحكومة بتعمّد إساءة
معاملة الأطفال.

وقد بثّت برامج إخبارية سويدية لقطات لأطفال مرضى يُرحلون على ناقلات. وقد عبّر ملك السويد عن قلقه في تصريح للصحافة عام 2005، إذ قال «إن ما يحدث لهؤلاء الأطفال المساكين أمر فظيع». وقد قام طبيب نفسي بتتبع صبي مصاب بهذا المرض، رُحّل إلى صربيا، ووجده بعد ستة أشهر لا يزال فاقدًا للوعي، بشرته شاحبة، يعيش في بيت لا يصله الماء.

وبحسب نيويوركر، فقد وقّع 160 ألف سويدي عريضة لوقف ترحيل الأطفال «اللامبالين» وطالبي اللجوء الآخرين. كما طالبت خمسة من الأحزاب السياسية السبعة فى السويد بالعفو عن مرضى «اللامبالاة». بالإضافة إلى ذلك، هدد جيليرت تاماس، وهو أحد الصحفيين المعروفين في السويد، الحكومة إن لم تنظر في الأمر قائلًا «لن يستغرق إسقاط الحكومة منّا سوى بضع ساعات». وقد أقر البرلمان السويدي قانونًا مؤقتًا أعطى 30 ألفًا ممن كانت عمليات ترحيلهم مُعلّقة، الحق في إعادة نظر مجلس الهجرة إلى طلباتهم. لذلك، بدأ المجلس في السماح للأطفال اللامبالين وأسرهم بالبقاء.

للثقافة دور

في تقرير مكوّن من 130 صفحة أُجريَ بتكليف من الحكومة، ونُشِر عام 2006، افترض فريق من علماء النفس والسياسة والاجتماع أن المرض هو أحد الأمراض التي ترتبط بثقافة محددة، أي أنه مرض نفسي متوطن في مجتمع محدد. أي أن «كل ثقافة تمتلك مجموعة من الأعراض الجسدية المتاحة للعقل اللاواعِ للتعبير البدني عن الصراع النفسي» بحسب وصف إدوارد شورتر، المؤرخ الطبي بجامعة تورنتو.

وذكر تقرير الحكومة السويدية أن الأطفال «اللامبالين» جاءوا من «ثقافات شمولية» -والتي تعرف بأنظمة المجتمع المغلق، والتي تقيد حرية الفكر- والتي «تجعل رسم الحدود بين المجال الخاص للفرد والمجال الجماعي أمرًا صعبًا». لذلك، يضحي هؤلاء الأطفال من أجل أُسَرهم عن طريق فقدانهم الوعي. وأورد التقرير أنه «حتى لو لم يُقدم أي تشجيع أو توجيه مباشر، فإن العديد من الأطفال الذين نشؤوا بتفكير شمولي يتصرفون وفقًا لقواعد الجماعة غير المعلنة».

اقرأ أيضًا: ثلاث من أغرب قصص اللاجئين السوريين في الهروب

ويبدو أن التقرير تجاهل تأثير الثقافة السويدية على المرض. وأرسلت الحكومة السويدية أطباء وعلماء اجتماع لزيارة كوسوفو وصربيا وأذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان، لتحديد ما إذا كان المرض وسيلة ثقافية معينة للتفاعل مع الصدمة، لكنهم وجدوا أن الأطباء المحليون لم يسمعوا بمثل هذه الأعراض على الإطلاق.

وقد شُخّصت جارة جورجي، وهي فتاة روسية تُدعى ريفيكا، بمرض اللامبالاة قبل ثلاث سنوات من إصابته، وكانت في الـ12 من عمرها حينها بعد أن رفض مجلس الهجرة طلب أسرتها للحصول على اللجوء. وقد تحدثت صديقة للعائلتين، تُدعى إلينا زابولسكايا، إلى الكاتبة وأخبرتها أنها من اليوم الأول لمرض جورجي علمت أنه نفس مرض ريفيكا.

الأمن هو الركيزة الأساسية للفرد

يقول جورجي «لم أعد أملك إرادتي»

قضى جورجي ثلاث ليالٍ في المستشفى بمدينة فالون قبل أن يُسمَح له بالعودة إلى المنزل. اتصل أصدقاؤه وراسلوه عدة مرات، لكنه لم يجب على أيّ منهم.

نصح أخصائي العلاج الطبيعي بالمستشفى والديّ جورجي بإنارة غرفة نومه كل صباح، وبإشراكه في الروتين اليومي للأسرة. زارت هالتكرانتز جورجي بعد شهر من دخوله المستشفى، ولاحظت تحسن حالته، إذ أن وجهه لم يعد يبدو عليه الأسى كما كان في الأيام الأولى من مرضه.

تتعاطف هالتكرانتز مع مرضاها بشكل مفرط، وترى أن الإنسان لا يمكن أن يكون بصحة جيدة إن لم يشعر بالثقة، والانتماء، ويتحرر من الخطر والقلق والخوف. وقد بُنيت مملكة السويد الحديثة على هذه الأفكار، فصرح وزير الشؤون الاجتماعية السويدي عام 1967 بأن «الأمن هو الركيزة الأساسية للفرد».

نشر المجلس السويدي للصحة والرعاية دليلًا لعلاج متلازمة اللامبالاة عام 2013، والذي نص على أن «تصريح الإقامة الدائمة يعتبر العلاج الأكثر فعالية» وأن «نقطة التحول عادة ما تأتي في فترة ما بين بضعة أشهر ونصف عام بعد حصول الأسرة على الإقامة الدائمة».

تعتمد المبادئ التوجيهية لهذا الدليل على مفهوم «الإحساس بالترابط» الذي وضعه عالم الاجتماع الإسرائيلي آرون أنتونوفسكي، الذي يقول بأن الصحة العقلية للفرد مبنية على اعتقاده بأن الحياة منظمة، ومفهومة، ومتوقعة. ويقترح أنطونوفسكي، تمامًا مثل فرويد، أن المرض النفسي يولد عندما تخرج قصة حياة الإنسان عن مسارها.

ترى هالتكرانتز أن دورها الأهم بوصفها طبيبة، هو أن تكون كاتبة جيدة تتمكن من بناء سرد متماسك للأعراض الجسدية لمرضاها، ومنه يمكنها تفسير الأعراض النفسية التي يمرون بها. كتبت هالتكرانتز رسالة إلى مجلس الهجرة لتخبرهم أن «جورجي سقط فجأة في نوم عميق عندما علم أن أمله الأخير للمستقبل قد ضاع منه». وأضافت «إذا كان بإمكان هذا الصبي أن يحصل على إقامة آمنة مع عائلته، فإنه بإمكانه أن يتعافى تمامًا خلال عام واحد. أما إذا لم يحصل الصبي على حياة آمنة، فإنه لن يستيقظ في أي بلد يكون فيه».

نشر المجلس السويدي للصحة والرعاية دليلًا لعلاج متلازمة اللامبالاة عام
2013، والذي نص على أن «تصريح الإقامة الدائمة يعتبر العلاج الأكثر فعالية».

جدير بالذكر أن السويد هي الدولة الأكثر دعمًا للاجئين ولمعاناتهم. يجسّد هؤلاء الأطفال اللامبالين النتيجة الأسوأ لما ستصبح عليه الفئة الأضعف في البلاد إذا تخلت السويد عن قيمها.

كتب المؤرخ السويدي كارين يوهانسون مقالًا عن مرض اللامبالاة لصحيفة داجنس نييتر ذكر فيه «لم يمتلك التعاطف مثل هذه القوة من قبل، والتي يغذيها ذنب تاريخي غامض. هذه هي الصورة الكاملة للسويد: بلد يتمتع بثروة كبيرة، لكنه مستعد لترحيل أكثر الناس احتياجًا».

تقول الكاتبة أن السويد تبدو أنها هي البلد المثالية من حيث الدعم الإنساني. لكن في السنوات الثلاثة الماضية، تقدم نحو ثلاثمائة ألف لاجئ، أغلبهم من سوريا وأفغانستان، بطلبات لجوء وكان هناك شعور متزايد بأن البلاد لم تعد قادرة على أن تقدم الدعم المطلوب.

كان حزب ديمقراطيو السويد، وهو حزب له جذور في حركة النازيون الجدد، قد حصل على تأييد 18% من السكان بأن الهجرة تمثل تهديدًا للبلد. وفي خلال العامين الماضيين، وضعت السويد ضوابط على حدودها ووضعت قيودًا جديدة على طالبي اللجوء، وفقًا لما ورد في تقرير صحيفة «نيويوركر».

منذ ما يقرب من عقدين من الزمان، طُرِح السؤال السياسي «ماذا يجب علينا فعله حيال الهجرة؟» وخصوصًا مع وجود المئات من جثث الأطفال اللاجئين. في عام 2006، انخفض عدد حالات الإصابة بمرض اللامبالاة بعد اتخاذ مجلس الهجرة نهجًا أكثر تساهلًا، لكن المرض لا يزال يصيب عشرات الأطفال. في العام الماضي، فقد قرابة الستين طفلًا القدرة على الحركة والكلام.

جدير بالذكر أن هناك اتفاق في الرأي على أن هؤلاء الأطفال لا يزيّفون مرضهم، لكن لا يزال لا يعلم أحد لماذا يظهر هذا المرض في السويد فقط. تحدثت الكاتبة مع أكثر من عشرين طبيبًا سويديًا إما عالجوا أحد الأطفال المصابين بالمرض أو كتبوا عنه، ولم تحصل على أية إجابة. بينما أخبرها بيورن أكسيل جوهانسون، وهو طبيب نفسي للأطفال في مستشفى سكاين الجامعي في جنوب السويد، والذي عالج 12 طفلًا مصابين بهذا المرض أنه غير مقتنع بأن المرض منتشر في السويد فقط، وقال «ربما تُوثق الحالات وتناقش وتُنشر في السويد فقط».

اقرأ أيضًا: هذه هي الحقوق القانونية التي يحصل عليها اللاجئون في أوروبا

أصبحت ريجينا والدة جورجي عرضة للصداع، كما أصبحت منعزلة ومكتئبة. توقف ساڤل عن الذهاب للمدرسة، وقد فسّر طبيب بمستشفى فالون ذلك أنه بسبب خوفه وقلقه من أن تقبض الشرطة عليه وتقوم بترحيله.

شخصت هالتكرانتز حالة جورجي بأنها غيبوبة، لكنها اعترفت بأن وصفها لم يكن دقيقًا، فقد أجرت عليه اختبارًا يُجرى للتأكد ما إذا كان الشخص في حالة غيبوبة، كما أجرت عليه اختبار التحقق من وجود ضرر هيكلي في الدماغ، لكن تبين أنه لم يكن مصابًا بأي منهما.

بعد أربعة أشهر من مرض جورجي، أجَّلوا ترحيل العائلة بسبب اعتماد جورجي على أنابيب التغذية مما يجعل الطيران خطرًا عليه. وقد لاحظ طبيب بمستشفى فالون أن عضلات ذراعي جورجي وساقيه لم تصدر أي ردود فعل، ووصفه الطبيب بأنه «على قيد الحياة، ولكن بالكاد».

هل المرض مُعدٍ؟

في الخريف الماضي، التقت الكاتبة -بصحبة هالتكرانتز- بشقيقتين من كوسوفو تنتميان إلى غجر الرّوما، كانتا تعانيان من نفس المرض. كانت جينيتا، الفتاة الأصغر سنًا، قد لازمت الفراش طوال عامين ونصف منذ أن كانت في 12 من عمرها. وقد كتبت هالتكرانتز خطابًا إلى مجلس الهجرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 لتخبرهم أن «الشيء الوحيد الذي يمكن أن يساعد الأسرة على الخروج من إحساسهم بالضعف والعجز هو توفير الأمن لهم». بعد مرور عام، رُفض طلب إقامة الأسرة، وفقدت إباديتا، الأخت الكُبرى ذات 15 عامًا، القدرة على المشي.

أثناء مقابلة الأسرة مع مجلس الهجرة في عام 2014، أوضحت والدتهما، وتُدعى نوريي، أن طفلتيها تعرضتا للمضايقات في بلدهما، كوسوفو، لكونهم غجرًا، وقالت «نحن من الرّوما، وليس لدينا بلد، ونُعامل معاملة سيئة». أخبرت الأم مجلس الهجرة أنهم لا يمكنهم العودة إلى كوسوفو لأنهم لا يمكنهم العيش هناك، لكنها لم تمتلك الوثائق اللازمة لإثبات ادعائها، لكن بناتها خير دليل على صدقها.

اصطحبت الأم الكاتبة و الطبيبة هالتكرانتز  إلى غرفة النوم، وقامت هالتكرانتز بسحب الغطاء من على وجه جينيتا، وفتحت جفنيها بأصابعها، وكانت الفتاة تحدّق كشخص ميت. أجرَت هالتكرانتز فحوصات متعددة على الفتاتين، لأنها لم تلاحظ أي أعراض جديدة في حالتيهما.

تساءلت الكاتبة «هل يمكن أن يكون هذا المرض قد انتقل من أخت إلى أخرى؟»، وأشارت إلى أنه حتى الاكتئاب يمكن أن يكون معديًا. رفضت هولتكرانتز السماح للمترجم الروماني الحاضر معها بترجمة السؤال، والتي استبعدت هذا الاحتمال. لكن سرعان ما فهمت الأم ما يدور وأجابت «لقد مرِضَت عندما رأت أختها في هذه الحالة». وقال الوالد، ويُدعى محرّم، أنه عندما قرأت إباديتا جواب الرفض، أخذت في البكاء وقالت أنها لن تستطيع أن ترى أختها معافاة. كانت إباديتا تذهب إلى الأطباء مع أختها، وسمعتهم يقولون إن تصريح الإقامة هو العلاج الوحيد.

في عام 1942، وصف الأمريكيّ والتر كانون، أخصائي علم وظائف الأعضاء، ظاهرة تسمى «موت الفودو» والتي لاحظها في الثقافات البدائية للسكان الأصليين. تحدث هذه الظاهرة عندما ينتظر أحد ما الموت، فيتملكه الخوف مع اقتراب الموعد، وتتدهور حالته البدنية سريعًا ويموت في وقت أقصر. يصف كانون ذلك فيقول «إنها القوة المميتة للخيال، والتي تعمل بسبب الشعور بالذعر الشديد».

بالعودة إلى هالتكرانتز، فإن تفسيرها للمرض يبدو مقنعًا جدًا. لكنها يبدو أنها تعزز من الإصابة بالمرض لدى مرضاها عن غير عمد، فهي تؤثر في تشكيل معتقداتهم حول صحتهم. أي أنها هي والأطباء السويديين قاموا بتهيئة عقول عائلات المرضى لفكرة أن العلاج الوحيد لأبنائهم هو الحصول على الإقامة، والذي من دونه سيفنون.

مرض ليس له علاج

لم تُسجل حالات وفاة لمرضى اللامبالاة، لكن بعضهم ظلّ طريحًا للفراش لفترة تصل إلى أربع سنوات. وقد صرّح رئيس الجمعية السويدية للطب النفسيّ للأطفال والمراهقين، لارس جولسون، بأنهم ليس لديهم علاج لمرضى اللامبالاة. ويعتقد جولسون أن هذا المرض ليس مشكلة طبية وإنما هي مشكلة اجتماعية وهيكلية، لذلك يرى أنها مسئولية الحكومة وليس الأطباء. وقال جولسون أيضًا أن اللاجئين يظنون أنهم ذاهبون إلى الأرض الموعودة، في حين أنهم لم يرتقوا إلى مثلهم العليا.

من المثير للاهتمام أن المواطنين السويديين يقومون بإلقاء اللوم على أنفسهم عن فشلهم في إظهار تعاطفهم مع الآخرين. لذلك، أصبح الكفاح من أجل علاج هذا المرض محاولةً لإعادة إحياء القيم الإنسانية للسويد والتي أصبحت في خطر.

وقد لوحظ في الأوراق الطبية للمرضى أنهم أشخاص مميزين، فأغلبهم كانوا الأذكى والأكثر استيعابًا وإحساسًا بين أشقائهم.

في ثمانينيات القرن الماضي، لوحظت حالات لاجئين أصحاء من لاوس ذهبوا إلى
الولايات المتحدة، كانوا يلزمون الفراش ويبكون أثناء نومهم، ولم يستيقظوا
من نومهم أبدًا، استنتج الأطباء أن كوابيسهم أصابتهم بالذُعر حتى الموت.

في حين أن العلاج الذي يصفه الأطباء غير فعّال، فإن العلاج الكهربائي يُعتبر غير أخلاقي، إذ تقول لوتا سبانجنبرغ، وهي طبيبة نفسية للأطفال في ستوكهولم، «إنها طريقة لإجبار هؤلاء الأطفال على العودة إلى حياة يرفضونها».

في ثمانينات القرن الماضي، لوحظت حالات لاجئين أصحاء من لاوس ذهبوا إلى الولايات المتحدة، كانوا يلزمون الفراش ويبكون أثناء نومهم، ولم يستيقظوا من نومهم أبدًا. استنتج الأطباء أن كوابيسهم أصابتهم بالذُعر حتى الموت. وفي نفس الفترة تقريبًا، في كاليفورنيا، فقدت مائة وخمسون امرأة كمبودية أبصارهن، كُنّ قد شهدن تعرُّض أفراد عائلاتهن للتعذيب على يد نظام بول بوت رئيس وزراء كمبوديا الأسبق. بالعودة إلى الأطفال اللامُبالين، فإن معاناتهم النفسية تبدو متشابهة تمامًا، فهم يشعرون بالعجز، ومن ثمّ يصبحون عاجزين تمامًا.

انتقد كارل سالين، وهو طبيب أطفال في مستشفى جامعة كارولينسكا، الأطباء لتركهم الأطفال في غيبوبة لشهور، انتظارًا لحصولهم على تصريح الإقامة. ورأى سالين أنه ربما نتمكن من إيجاد علاج طبيّ للمرض، لكن المشكلة تكمن في عدم المحاولة. يقول سالين «هناك عدد قليل من الأبحاث التجريبية حول المرض، وهي ضرورية من أجل اكتشاف العلاج. حاولتُ إقناع الناس بالتعاون معي في أبحاثي لكنهم يرفضون فحص دماغ المرضى، والاعتراف بأن هناك نظام بيولوجي يتسبب في المرض. يبدو أنهم بنوا معتقداتهم بأن الحصول على تصريح الإقامة هو العلاج».

كيف تعافى «جورجي» من المرض؟

في أواخر مايو (أيار) 2016، علمت أُسرة جورجي بأن مجلس الهجرة منحهم الإقامة الدائمة في السويد، وذلك «لتوفير بيئة آمنة ومستقرة وظروف معيشية تساعد جورجي على التعافي». أسرع والدا جورجي إلى غرفته على الفور ليخبروه، ولكنه لم يُظهر أي رد فعل، فهو غير مدرك لما يحدث حوله. على مدار أسبوعين، حاولت أسرة جورجي وأصدقاؤه مساعدته على استيعاب الأخبار السعيدة، وأخذوه إلى حلبة تزلج على الجليد حيث كان يلعب أصدقاؤه الهوكي. تقول زابولسكايا أنهم حاولوا أن يظهروا لجورجي أن حالتهم المزاجية تغيرت للأفضل.

كان والدا جورجي على ثقة بأن تعافي ابنهما أصبح وشيكًا. وفقًا لبيورن أكسيل جوهانسون، وهو طبيب نفسي للأطفال في مستشفى سكاين الجامعي، فإن الأمر يستغرق عدة أسابيع أو عدة أشهر ليتفهم المريض أن هناك تغيرًا قد حدث.

وفي السادس من يونيو (حزيران)، أي بعد أسبوعين من حصول الأسرة على الإقامة، فتح جورجي عينيه للحظات ثم أغلقها مجددًا. وقال جورجي عن ذلك في وقت لاحق «كان الضوء مؤلمًا للغاية، لكنني أتذكر أنني رأيت عائلتي». اهتز جسد جورجي، وكأنه بذل مجهودًا رياضيًا يفوق قدرته.

وقد حصلت ريفيكا وعائلتها على الإقامة قبل ثلاث سنوات، واستغرق الأمر ثمانية أشهر إلى أن تعافت، على الرغم من أنها لم تتعاف تمامًا، إذ تقول زابولسكايا أن عقل ريفيكا أصبح بطيئًا، وصارت تفكر قبل أن تجيب. لكن حالة جورجي تحسنت بشكل أسرع، فقد شرب بعض الماء بعد ثلاثة أيام من فتح عينيه. وفي اليوم التالي، أكل بعض الأيس كريم. وبعد يوم آخر، قام بتحريك يده. وفي السادس والعشرين من يوليو (تموز)، استغنى جورجي عن أنبوب التغذية، بعد أن لازمه طوال سبعة أشهر.

يقول بيورن أكسيل جوهانسون، وهو طبيب نفسي للأطفال في مستشفى سكاين الجامعي، إن
التعافي من المتلازمة يستغرق عدة أسابيع أو عدة أشهر ليتفهم المريض أن هناك تغيرًا قد حدث.

مثله مثل غالبية الأطفال اللامبالين، استعاد جورجي قدراته البدنية بالترتيب عكس فقدانها، فبدأ بفتح عينيه، ثم الاتصال بصريًا مع أسرته، ثم بدأ في إطعام نفسه، ثم بدأ في المشي. وأخيرًا، أصبح جورجي قادرًا على النطق بجمل كاملة.

بحلول الخريف، كان جورجي قد أصبح قويًا بما يكفي لعودته إلى المدرسة، لكنه سرعان ما كان يشعر بالتعب من حركات بسيطة، وكان حلّ مسائل الرياضيات ترهق دماغه، لذلك توقف جورجي عن الذهاب إلى المدرسة. في المقابل، استمرت هالتكرانتز في زيارة منزل جورجي، وشهدت تحسنًا كبيرًا في حالته المزاجية.

أصبح جورجي قادرًا على التواصل بالإنجليزية والسويدية مجددًا، بل وبالروسية أيضًا، إلا أن زابولسكايا لاحظت أن براعته في استخدام اللغة تدهورت. وعلقت هالتكرانتز على ذلك عندما أخبرت جورجي «من الطبيعي أن تشعر بالتعب. لكن بعد مرور بعض الوقت، سوف تتعافى بشكل تام، ونحن على ثقة في ذلك». وعلقت هالتكرانتز على بطء تعافيه قائلة «ربما لأن مرضه كان مرتبطًا بأفكاره، ليس بجسده فقط».

وفي زيارة لمنزل جورجي، سألته الكاتبة ما إذا كان يعلم أن أُسرته قد حصلت على الإقامة بسببه. أجاب جورجي «عندما أفكر بشأن هذا الأمر الآن، لا أظن أنني أردت أن أكون مريضًا، لم أرِد أن ينتهي بي المطاف نائمًا هكذا». وأوضح جورجي أنه في البداية أراد أن يظل نائمًا في السرير بسبب غضبه من والديه، إذ يرى أنهما لم يعملا بجدية لإقناع المجلس بأنهم ينتمون للسويد. يقول جورجي «لماذا أذهب إلى المدرسة إن كنت سأرحل من السويد بأكملها؟ لماذا أتعلم شيئًا لن يكون له معنى في المستقبل؟ هذا ما كنت أفكر به. البلد الوحيد الذي أعرفه، والذي يمكنني العيش فيه موجود هنا، في السويد».

تطور احتجاج جورجي، إذ يقول «لم أكن أملك إرادتي، شعرت وكأنني في أعماق الماء. كنت متعبًا جدًا، وفاقدًا للشهية. شعرت بأن جسدي كله كالماء.». وأضاف «الآن أفهم أنه لم يكن حقيقيًا على الإطلاق. لكن في ذلك الوقت، كان من الصعب إدراك ذلك، لأن أية حركة من الممكن أن تقتلك. لقد كنت محاصرًا داخل صندوق زجاجي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد