نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحليلًا للكاتبة كارين إي يونج، الباحثة المقيمة في معهد أمريكان إنتربرايز (AEI)، تناولت فيه العلاقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، وما يريد كل منهما من الآخر في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، الذي عبَّر مرارًا وتكرارًا عن معارضته لسياسات السعودية داخليًّا وخارجيًّا، مع أن بايدن لا يستطيع أن ينكر دور السعودية وأهميتها في تحقيق الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط.

إعادة ضبط العلاقات السعودية الأمريكية في عهد بايدن

تستهل الكاتبة تقريرها بالتأكيد على أنه حان الوقت لإعادة ضبط شكل العلاقات الأمريكية-السعودية. وكان الرئيس الأمريكي جو بايدن قد كشف عن نواياه بوضوح شديد قائلًا: يجب أن تنتهي سياسة إدارة ترامب وبالتحديد ما يسمى بـ «الشيك على بياض» الذي تمتعت به القيادة السعودية الشاردة والقوية على نحو فريد.

ظلت العلاقة بين البلدين بعيدة عن الأنظار طويلًا إلى درجة أتاحت للبلدين تجاوز الأعراف والمعايير. وكما قال بايدن مرةً أخرى في عام 2019 عندما سئل عن كيفية معالجته للعلاقة مع السعودية: «أريد أن أقول بكل وضوح إننا لن نبيع لهم مزيدًا من الأسلحة. بل إننا في الواقع سنجعلهم يدفعون الثمن، ونجعلهم منبوذين على النحو الذي يستحقونه». وهذا الأسبوع، يبدو أن إدارة بايدن ستفي بهذا الوعد من خلال إيقاف مبيعات الأسلحة وإعادة تقييم صفقات الأسلحة المعلَّقة إلى السعودية والإمارات العربية المتحدة. وبعبارة أخرى، وبعد طول انتظار، يظهر في النفق المظلم شعاع ضوء وستخضع العلاقات الثنائية للبلدين للمراجعة والتدقيق.

Embed from Getty Images

ومن المفارقات إلى حد ما، أن التطبيع هو أيضًا ما طالبت به السعودية. فالسعودية تبحث عن مكان لها على الساحة العالمية. وبصفتها الدولة المضيفة لمجموعة العشرين في عام 2020، كانت تطلعات سياستها الخارجية الأساسية هي السعي وراء الشرعية، واستعادة الحياة الطبيعية، والاحترام باعتبارها وجهة للاستثمار الأجنبي والسياحة الدولية. ويجب على بايدن أن يمنح السعودية ما تريده بالضبط – ونعني بذلك أن تُعامَل مثل أي دولة أخرى عليها مسؤوليات وتُجرى مراجعات خارجية لأفعالها وسياساتها في الداخل والخارج. وسيكون هذا الأمر صعبًا على المدى القصير، خاصة وأن الفرصة تضيق أمامها للعودة مجددًا إلى اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) مع إيران (وهو ما يعرف بالاتفاق النووي الإيراني)، إذ إن اتباع سياسة أمريكية ناجحة مع إيران يتطلب من الولايات المتحدة التوصُّل إلى علاقة ثنائية عملية وتعاونية مع السعودية.

وسيكْمن التحدي في الاعتراف بدور الولايات المتحدة في تسوية الخلافات بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية وغض الطرف عنها داخليًّا وخارجيًّا، ثم إنشاء إطار عمل جديد للتعامل مع دولة ذات أهمية بالنسبة للولايات المتحدة، حتى مع تحول سوق تجارة الوقود الأحفوري إلى وجهة أخرى. وإقناع أعضاء الكونجرس والمواطنين الأمريكيين بأن وجود علاقة ثنائية صحية بين الولايات المتحدة والسعودية يصُب في مصلحة الولايات المتحدة سيكون محورًا ضروريًّا لإدارة بايدن إذا أرادت تحقيق أجندتها السياسية المحدودة في الشرق الأوسط.

نهاية شهر العسل السعودي-الأمريكي

تشير الكاتبة إلى أن الولايات المتحدة تعاملت مع السعودية على أنها حالة خاصة طوال عقود من الزمان، وتغاضت عن سياساتها الداخلية الوحشية في الوقت الذي كانت تحاول فيه الحفاظ على شراكة ترتكز على النفط والأمن. وفي الآونة الأخيرة، ساعدت الولايات المتحدة المملكة في بناء واحد من أفضل الجيوش تجهيزًا وأسوئها أداءً في العالم على نحو ما أظهرت بوضوح الضربات الجوية غير الكفؤة التي شُنَّت في جميع أنحاء اليمن. وفي عام 2015، وبالتحديد في ظل إدارة أوباما، ساعدت الولايات المتحدة السعودية في شن عملية عسكرية في اليمن تحولت فيما بعد إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم. ولا تزال القنابل الأمريكية تسقط على رؤوس المدنيين في اليمن. 

عربي

منذ 4 شهور
هل يكون 2021 عام انتهاء الحرب اليمنية؟

وفي ظل إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، ترسخت الطبيعة الشخصية للعلاقة السعودية الأمريكية. وأدَّى النفوذ السعودي الذي ظهر في اختيار المفاوضين الأمريكيين، وتمثل تحديدًا في تجاوز وزارة الخارجية الأمريكية لصالح إنشاء خط اتصال مباشر مع صهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر، أو ترامب نفسه، إلى تقليص المشاركة الدبلوماسية الأمريكية، ما أسفر بدوره عن تخلٍ كامل عن المبادئ الأمريكية فيما يتعلق بمقتل صحفيين، وابتزاز رجال أعمال، وخطف رئيس وزراء.

وترى الكاتبة أن الطريقة الأمريكية القديمة المتمثلة في غض الطرف عن تصرفات السعودية يجب أن تنتهي. ورغم أن أنماط التعامل هذه كانت موجودة منذ سنوات، إلا أن سياسة ترامب زادت الأمر سوءًا.

تحولات جذرية في السعودية

وتشير الكاتبة إلى أنه من المفيد أن نذكر أنه، في الوقت الذي كانت فيه العلاقات الأمريكية-السعودية تتأرجح، كانت السعودية تمر بتغييرات كبيرة. فمنذ عام 2015، بدأت في تقليص قوة المؤسسة الدينية، وفتح الفرص الاقتصادية أمام النساء، وفتح حدودها أمام الزوار والمستثمرين الأجانب، وتنظيم أسواقها وفقًا لمعايير العمل الدولية.

وتريد الدولة وجيلها الجديد من القيادة في عهد ولي العهد محمد بن سلمان أن تكون بلادهم قوة إقليمية من العيار الثقيل في السياسة الخارجية، وأن تكون القوة الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. وتستطيع المملكة أن تكون كذلك بفضل حجمها وأصولها الاحتياطية واستثماراتها ومعداتها العسكرية وقدرتها على التدخل في الاقتصادات السياسية للاعبين إقليميين آخرين مثل السودان ومصر وباكستان وإثيوبيا. وفي هذا الشأن، أصبحت البلاد بحاجة إلى أن تؤخذ على محمل الجد.

Embed from Getty Images

وبالطبع لا يزال هناك النفط. إذ تمتلك السعودية قدرًا من أنظف وأرخص مصادر إنتاج النفط على وجه هذا الكوكب. وستظل السعودية منتجًا رئيسًا للنفط إلى أن يتوقف العالم عن استخدامه – وهذا أمر بعيد المنال. وقد عززت السعودية ومنتجو النفط والغاز الآخرون في الخليج العربي شراكتهم الاقتصادية مع الصين، مما يعني أنه إذا كانت مواجهة الصين من أولويات الأمن القومي الأمريكي، فإن الولايات المتحدة يجب أن تبدأ هذه المواجهة في الشرق الأوسط وفي السعودية على وجه الخصوص.

أولويات إدارة بايدن في المنطقة

تلفت الكاتبة إلى أن إدارة بايدن حددت بعض الأهداف المحدودة للشرق الأوسط أملًا منها، وهي مخطئة فيما ذهبت إليه، في تقليص أهمية المنطقة على جدول أعمالها خلال الولاية الأولى للرئيس. لكن يظل للشرق الأوسط طريقته في كسب الأهمية لذاته.

وعلى وجه الخصوص في زمن التعافي الاقتصادي العالمي من جائحة فيروس كورونا المُستجد، سيكون الشرق الأوسط معرضًا على نحو خاص للتحديات المقبلة وأبرزها: ارتفاع مستويات الديون السيادية، والعوائق الهيكلية التي تحول دون خلق فرص عمل في القطاع الخاص، وشبكات الأمان الاجتماعي المثقلة بالأعباء التي لا تكاد تفي بدفع مرتبات القطاع العام، ناهيك عن توفير الرعاية الصحية، وتحفيز الشركات الصغيرة، والتدريب على الوظائف، ومساعدة الفقراء. وكل ما أشرنا إليه يشكِّل وصفة مثالية لحدوث اضطرابات مدنية ويمثل تحديات جديدة للأنظمة السياسية، لا يزال كثير منها يغلي منذ اندلاع الربيع العربي. 

Embed from Getty Images

ثانيًا، اقترحت إدارة بايدن إعادة التوازن في المشاركة الدبلوماسية الأمريكية والمشاركات الأمريكية الرفيعة المستوى في الشرق الأوسط، باعتبار ذلك بالتأكيد تصحيحًا لسنوات كوشنر المليئة بتصرفات الهُواة. لكن ربما تمثل خطط بايدن أيضًا تصحيحًا مفرطًا بمعنى أن إدارة ترامب حققت بعض المكاسب هناك، بما في ذلك تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات.

ثالثًا، وهو الأهم، تعهدت إدارة بايدن بإعادة الانضمام إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، التي انسحب منها ترامب في عام 2018. ولن تمثِّل العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة عودة سريعة إلى وضع عام 2015، بل ستكون بمثابة مجموعة معقدة من المفاوضات التي يجب أن تأخذ في الاعتبار الآن الوجود الإقليمي المتزايد لإيران في اليمن وسوريا وتطور برنامج الصواريخ الباليستية الخاصة بها. إن إعادة الدخول في اتفاق مع إيران، حتى لو كان «هدفًا محدودًا»، سيكون في الواقع أمرًا معقدًا على نحو لا يُصدق ويتطلب مشاركة إقليمية وتعاونًا مع السعودية والإمارات على الأقل.

عربي

منذ 3 شهور
«نيويورك تايمز»: «ذا لاين» و«نيوم».. الحقيقة المظلمة وراء أحلام السعودية الطوباوية

وتخلُص الكاتبة إلى أن معاملة السعودية باعتبارها دولة طبيعية وقوة إقليمية لها نفوذ ومصالح يعني أن الرياض ستضطر أيضًا إلى تحسين أدائها الدبلوماسي. إذ سيتطلب الأمر مزيدًا من الشفافية في تقاريرها الخاصة بأدائها العسكري في اليمن، فضلًا عن إمكانية المحاسبة وإمكانية الاطلاع على تفاصيل عملياتها القضائية محليًّا. وإذا أرادت السعودية تمييز نفسها عن إيران وتقديم نفسها باعتبارها شريكًا في مواجهة أنشطة إيران الخبيثة في المنطقة، فعليها أن تسمح بالتدقيق في اتهامات الإرهاب التي توجِّهها ضد مواطنيها.

وتختم الكاتبة بالقول إن الولايات المتحدة يمكن أن تقبل بفكرة أن السعودية تمر بمرحلة تحوُّل، وأن محمد بن سلمان سوف يصعد ويبقى في السلطة لبعض الوقت في المستقبل. ويمكن لإدارة بايدن أن تضع بعض الحواجز على هذه العلاقة، وفي الوقت نفسه، تمنح السعودية ما تشتهيه. إن الولايات المتحدة في حاجة إلى البدء في معاملة السعودية على أنها قوة إقليمية على النحو الذي تأمل فيه الأخيرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد