في مقال نشره مركز وودرو ويلسون للدراسات، تناولت الكاتبة التركية أمبرين زمان أبعاد العلاقة الحالية بين الولايات المتحدة وتركيا، والسعي الحالي من قبل واشنطن للحفاظ على العلاقات مع أنقرة، وتقديم ما يثبت حسن نيتها لنظام أردوغان، وهو ما يصطدم برؤيتها السابقة في حق الأكراد في الاستقلال والحكم الفيدرالي في الشمال السوري، وهو الوضع الذي وصفته الكاتبة بـ«المهمة المستحيلة» لواشنطن، التي ما زالت تفتقر حتى الآن لرؤية وتصور واقعيين لما بعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية.

الحدث الأبرز في مثلث العلاقات المذكور سلفًا بالنسبة للكاتبة كان في السابع من أبريل/ نيسان الجاري، تمكنت قوات المعارضة السورية المسلحة، بدعم جوي من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، من تحرير مدينة الراعي من قبضة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حيث تعد مركزًا إستراتيجيًّا مهمًّا على الحدود السورية مع تركيا، في الوقت الذي احتفت فيه جميع الأطراف بهذا الانتصار على اعتبار كونه بداية عصر جديد للتعاون بين المعارضة والولايات المتحدة على الشريط الحدودي، الذي يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية بطول 98 كيلومترًا.

بحسب المقال، لم تدم نشوة الانتصار تلك طويلًا، حيث نجح تنظيم داعش في استعادة السيطرة على المدينة، وعلى بقية المناطق التي سيطرت عليها المعارضة خلال الأسبوع الماضي في ظروف غير واضحة، وخاصةً مع سوء الأحوال الجوية، إلا أن ما حدث كان كافيًا ليصفه مسؤولو التحالف بـ«الانهيار الكامل».

ترى الكاتبة أن فشل التحالف والمعارضة في مدينة الراعي هو أكثر من مجرد هزيمة أمام التنظيم الجهادي، بل هي مثال آخر على تضارب الأهداف بين تركيا وواشنطن، ويظهر كيف يعرقل ذلك التضارب الحملة على تنظيم داعش، حيث سعى التحالف على مدار الأشهر الـ18 الماضية جاهدًا لإنهاء سيطرة تنظيم داعش على ذلك الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، والمعروف باسم جيب منبج، أو خط مارع- جرابلس، في الوقت الذي أصبحت الحاجة للقضاء على التنظيم في هذه المنطقة تحديدًا حاجةً ماسةً للغاية بعد هجمات باريس وبروكسل، بعدما ثبت انتقال منفذي هجمات باريس إلى أوروبا عبر منبج وصولًا إلى تركيا ثم أوروبا، في الوقت الذي يدرك فيه الجميع أن الولايات المتحدة هي الهدف القادم للتنظيم.

لغز منبج

خلال الفترة الماضية، بدا تحرير منبج من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية قريبًا للغاية، حيث نجحت وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية -تحالف يضم أكراد وعرب وتركمان- بمساعدة الطيران الأمريكي، من تحقيق انتصارات واسعة في المنطقة ضد التنظيم، قبل أن تقترب القوات بشدة من السيطرة على منبج بعد استعادة سد تشرين.

في تلك النقطة، لم تسمح تركيا بمزيد من التقدم لهذه القوات الكردية وحدها، وأصرت على تدخل قوات المعارضة التي تدعمها، إلا أن الهزيمة الأخيرة لهذه القوات أمام داعش أظهرت بالفعل افتقارها للخبرة اللازمة. وكانت تركيا قد طالبت الولايات المتحدة أكثر من مرة بالتراجع عن تحالفها مع وحدات حماية الشعب التابعة لحزب العمال الكردستاني المطالب بالاستقلال، والذي يُصنف منظمةً إرهابيةً في الولايات المتحدة وأوروبا، وفق ما ذكره التقرير.

تضيف الكاتبة أن ما تحقق حتى الآن، والمناطق التي تم السيطرة عليها كان أمرًا مرضيًا للغاية بالنسبة لأكراد سوريا، فقد حصلوا حتى الآن على ما يريدونه بفضل الضربات الجوية للتحالف، حيث يسيطرون حاليًا على مساحات كبرى في الشمال السوري، إلا أن الهدف الأكبر بالنسبة لهم هو ربط تلك المساحات الواقعة شرق نهر الفرات مع منطقة عفرين الكردية على الجانب الآخر من النهر، وهو ما كان قريبًا للغاية من التحقق في فبراير/ شباط الماضي من خلال دعم الطيران الروسي، حيث نجحت القوات الكردية في التقدم من عفرين تجاه مارع، بعد أن نجحوا في السيطرة على عددٍ من القرى طوال الطريق، قبل أن تقوم تركيا برد فعل عنيف، حيث قصفت المدفعية التركية القوات الكردية عبر الحدود، في الوقت الذي كثفت فيه مجموعات المعارضة المدعومة من تركيا من هجماتها أيضًا، لينتهي المطاف بحرب ضروس بين مجموعات مختلفة مدعومة من الولايات المتحدة، أُجبِر فيها الأكراد على التراجع خوفًا من خسارة خلفائهم الأهم.

موقف حزب العمال الكردستاني

يشير المقال أنه، وردًّا على تراجع وحدات الشعب الكردية، وخسارة بعض المناطق التي قد نجحوا في السيطرة عليها، نفذ تنظيم «صقور حرية كردستان» التابع لحزب العمال الكردستاني عمليتين انتحاريتين ناجحتين في قلب العاصمة التركية أنقرة، ونجحت في قتل وإصابة عددٍ من المدنيين ورجال الأمن.

وفي محاولة لإنقاذ الموقف، حاولت الولايات المتحدة التدخل لصالح حلفائها الأتراك من خلال إرسال أكثر من مبعوث للأكراد يطالب حزب العمال بوقف الأعمال في تركيا، وأنه حال استمرارها ستؤثر بشكل مباشر في دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية. حاولت واشنطن أيضًا تقديم تعاون استخباراتي لأنقرة في تحديد أهداف تابعة لحزب العمال الكردستاني شمال العراق، إلا أن كل تلك المساعي فشلت حتى الآن، ففي الوقت الذي توقف فيه حزب العمال عن عملياته ضد المدنيين، يقوم الحزب حتى الآن يوميًّا بقتل أعداد من الجنود الأتراك، والقوات التابعة لتركيا، بحسب ما أكده التقرير.

وبالحديث عن قيام حزب العمال بوقف إطلاق النار من جانبه، أشار المقال إلى قيام جميل بايك، القيادي الميداني البارز في الحزب، بتحديد ثلاثة شروط أساسية للوصول لهذا الهدف. أول هذه الشروط هو أن تعلن تركيا بالتزامن مع ذلك وقفًا لإطلاق النار من جانبها، وتكون الولايات المتحدة ضامنًا له. الشرط الثاني هو أن تواصل تركيا محادثات السلام مع زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان، مع تنفيذ الإصلاحات الدستورية التي أُعلِنت في فبراير/ شباط 2015، قبل أن يتراجع عنها أردوغان فيما بعد. الشرط الأخير الذي حدده بايك كان تحسين الأوضاع الحالية لسجن أوجلان تحسينًا واضحًا، في الوقت الذي يواصل بايك فيه التأكيد على أن هدف حزب العمال الكردستاني هو إسقاط أردوغان، وهو ما يظهر لنا بوضوح ما إذا كان التوصل لوقف إطلاق نار حالي أمرًا ممكنًا أم لا.

أردوغان يرفض التفاوض

على الجانب الآخر، لا يبدو أردوغان مهتمًا على الإطلاق بوقف إطلاق النار بحسب المقال، حيث يرى أنه لم يعد هناك ما يناقشه مع الحزب الكردستاني، وهو ما أكد عليه مرارًا وتكرارًا، حيث يرى أن الحل العسكري للتعامل مع حزب العمال لا بديل عنه، وأنه على الرغم من كونه أول قيادة تركية تجري محادثات مع الحزب، لم يكن مصير تلك المحادثات سوى الفشل. وبناءً على تلك الرؤية، تتمركز الدبابات التركية في الجنوب حيث المركز الرئيسي لأكراد تركيا. وعلى الرغم من وجود انتهاكات من الجانب التركي خلال تلك العمليات الموسعة، تبقى تلك الانتهاكات بلا حساب، حيث لا تتناول الصحافة التركية الأمر نتيجةً لضغوط الحكومة، في الوقت الذي تواصل فيه الرواية الرسمية التأكيد على أن وحدات حماية الشعب تعمل بالتنسيق مع حزب العمال الكردستاني دون تقديم أدلة دامغة على الأمر.

ترى الكاتبة أن دعم التحالف للمعارضة السورية هو أمر لا بديل عنه بالنسبة لتركيا، وهو ما تقوم به الولايات المتحدة إرضاءً لحلفائها الكبار في أنقرة، كما ترى في ذلك الدعم فرصةً لتخفيف حدة الغضب التركي، وكذلك استعادة منبج، التي يعتقد أنها المركز الرئيسي للهجمات التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية في الخارج.

وتشير الكاتبة إلى أن التغير الحالي للأوضاع مع هزيمة قوات المعارضة المدعومة من قبل تركيا، وضع أنقرة في موقف البحث عن قرارٍ جديدٍ، والذي سيكون في أغلب الأحوال قيام أردوغان بالتعامل مع وحدات حماية الشعب تعاملًا مباشرًا دون مساعدة أحد، وهو ما قد يضرب العلاقة مع روسيا، والمتراجعة بالفعل طوال الفترة الماضية نتيجة لعدد من الأحداث من بينها ما كان احتكاكًا مباشرًا بين البلدين، في حين ستواصل الولايات المتحدة سعيها لدعم قوات المعارضة؛ أملًا في تجنب أي سيناريوهات كارثية. كما واصلت واشنطن محاولاتها لطمأنة الأتراك من خلال رفضها المشروع الفيدرالي شمال سوريا، وقيام حكم ذاتي في المنطقة.

هل الأكراد وسيلة مؤقتة؟

تتختم الكاتبة التقرير بالحديث عن شعور مسؤولي حزب الوحدة الديمقراطي الكردي -الجناح السياسي لوحدات حماية الشعب- بالغضب الشديد نتيجة لأعمال العنف التي يتعرض لها الأكراد على الحدود السورية التركية، وهو ما يتحدث عنه بارزان إيسو، المحلل السوري الكردي، حيث يقول: «الصمت الأمريكي الحالي أمام تلك المعاناة، والرفض المتواصل للاعتراف بنا سياسيًّا، وعدم دعمنا في جنيف، ورفضهم قيامنا ببناء ممر لعفرين، كل هذه الأمور تجعلنا نعتقد أنه بمجرد أن تحقق الولايات المتحدة الانتصار على تنظيم داعش، فسوف يتخلون عنا». ما ذكره إيسو هو معتقد سائد لدى الأكراد في المنطقة عامةً. على الجانب الآخر، ستتواصل تلك الصورة الضبابية لموقف الولايات المتحدة التي تميل لأحد الجانبين من وقت لآخر، وخاصةً مع غياب الرؤية الأمريكية لما بعد داعش.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات