نشر معهد «بروكنجز» الأمريكي مقالًا للباحثَيْن كورتني فرير، وأندرو ليبر، استعرضا فيه الحضور القبَلي في المشهد السياسي الكويتي وما يتمتع به من مزايا، واستشرفَا فيه آفاق مستقبل المعارضة الكويتية.

ويستهل الكاتبان مقالهما بالإشارة إلى أن الأخبار الأخيرة الواردة من الكويت أظهرت على نحو جلي المعارضة الصريحة التي يحمل لواءَها العضو البرلماني الجريء بدر الداهوم. وكانت المحكمة الدستورية قد أسقطت عضوية الداهوم في البرلمان استنادًا إلى مادة دستورية (تنص المادة 2 من القانون رقم 35 لسنة 1962 فقرة ثانية على: «يحرم من الانتخاب كل من أدين بحكم نهائي في جريمة المساس بـ: أ ـ الذات الإلهية. ب ـ الأنبياء. ج ـ الذات الأميرية») تقضي بحرمان أي شخص أُدين بتهمة إهانة أمير البلاد (وهي التهمة التي وُجِّهت إلى الداهوم في عام 2014) من الترشح للمنصب. ولقد فُسِّرت هذه الخطوة على نطاق واسع على أنها جهد بذلته السلطة التنفيذية في البلاد (وعلى رأسها السلطة الأميرية) لإسكات المعارضة داخل الجمعية الوطنية.

الحضور القبَلي

ولفت الباحثان إلى أن هذه الحالة تشير إلى الوجود المتزايد للشخصيات القبَلية في تحالفات المعارضة التي تضغط من أجل الإصلاحات الانتخابية والبرلمانية، مثل إنهاء نظام الصوت الواحد (نصَّ التعديل على أن يكون لكل ناخب حق الإدلاء بصوت واحد في دائرته الانتخابية بدلًا من أربعة أصوات كما كانت تنص المادة الثانية من قانون الأصوات الأربعة) الذي فُرِض مؤخرًا. كذلك يسلط الضوء على التحدي المتمثل في استمرار هذه التحالفات داخل المؤسسات السياسية الحالية في الكويت.

Embed from Getty Images

ولم يتراجع الداهوم عن المعارضة في الدورة البرلمانية قبل إسقاط عضويته. وطالب (مع أعضاء آخرين من المعارضة في البرلمان) بـ«استجواب» رئيس الوزراء صُباح الخالد الصباح، وهو عضو في الأسرة الحاكمة، بشأن «الانتقائية في تطبيق القانون». والأمر الأكثر أهمية هو أن الداهوم لا ينحدر من دوائر المعارضة الليبرالية العريقة، ولكنه ينتمي إلى دوائر معارضة شتَّى في المناطق الحضرية، بل إنه أحد أبناء قبيلة العوازم الكبيرة «الموالية» تقليديًّا للعائلة المالكة. ولقد انتُخِب في الدائرة الخامسة في البلاد، وهي الدائرة التي كانت لمدة طويلة معقلًا للمرشحين القبَليين، وهو أيضًا عضو في «تجمع ثوابت الأمة» المعارض.

ومن الناحية التاريخية، لطالما عُدَّت الشخصيات القبَلية في السياسة الكويتية شخصيات تابعة وموثوقة للنظام الملكي، ومنهم مَنْ شَغَل مواقع مسؤولية حكومية بالتعيين. ودافع مَنْ يُسمون بـ«نواب الخدمة» عن امتيازات الأسرة الحاكمة مقابل إتاحة الفرصة للتوسط في تقديم الخدمات الحكومية لأفراد القبائل. وفي المدة من عام 1960 حتى عام 1980، نظرت المعارضة التي ألهَمتها النزعة القومية بين السكان الحضريين وغير القبَليين (بما في ذلك أولئك الذين يشار إليهم غالبًا باسم الحضر) في إحداث تغييرات في السياسة لتطبيع المجتمعات القبَلية بوصفهم مواطنين كويتيين. وفي عام 1981، سعت التغييرات التي أُدخِلت على قانون الانتخابات إلى تحقيق التوازن بين أصوات المعارضة في البرلمان والتمثيل القبَلي الهادئ.

المزايا القبَلية

وتابع الكاتبان: يناقش بحثنا الأخير في مجلة «الشرق الأوسط للقانون والحوكمة» المعارضة المتزايدة للحكومة من داخل القبائل الكويتية، ويحلل هذا البحث المزايا التنظيمية للقبائل الكويتية عند خوض الانتخابات. وفي حين أن الأحزاب السياسية الرسمية محظورة رسميًّا في الكويت، نجد أن الهياكل القبَلية قادرة على تيسير بعض وظائف الأحزاب، مثل تنظيم دخول المرشحين إلى الانتخابات وتنسيق أصوات الأعضاء خلف المرشحين المفضَّلين. وبينما تشترك الكتل السياسية القائمة على أساس أيديولوجي، مثل الحركة الدستورية الإسلامية (حدس‏) التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، في بعض المزايا التنظيمية التي تتمتع بها القبائل، فإنها لا تتمتع بميزة توطين ناخبيها الأساسيين في مناطق محددة أو تنوع المؤسسات الاجتماعية غير الرسمية التابعة للقبائل، ذلك أن الأخيرة مرتبطة بروابط عائلية.

Embed from Getty Images

وعلى سبيل المثال، تُحدد ما يسمى بـ«الانتخابات التمهيدية للقبائل» المرشَّحين المفضَّلين لقبائل معينة. وقد أثارت تلك الممارسة انتقادات من بعض أفراد القبائل الأصغر سنًّا، وكذلك من الكويتيين غير التابعين للقبائل؛ لأنها تشكل ميزة غير عادلة تلعب لصالح المرشحين المحددين. ومع ذلك، فإن الجهود الحكومية الأخيرة لتقييد هذه الممارسة، بعد السماح لها لمدة طويلة أو حتى تسهيلها، لم يكن لها تأثير يذكر. لقد وجدت القبائل طرقًا مبتكرة للتحايل على القيود المفروضة على الانتخابات التمهيدية، مثل إجراء الانتخابات التمهيدية على متن الرحلات الجوية التجارية باعتبارها وسيلة لتجنب أفراد الأمن. كذلك تشجع الروابط الأسرية الواسعة النطاق، والروابط الاجتماعية المتكررة على تبادل المعلومات حول المرشَّحين المفضَّلين.

وينوَّه الكاتبان إلى أن الورقة البحثية تشير إلى أن بعض المرشَّحين القبَليين قد استخدموا هذه المزايا التنظيمية، معزَّزين بالروابط الأسرية والاجتماعية والقرب الجغرافي، لمعارضة جهود النظام الملكي الكويتي لتنظيم الممارسات الديمقراطية في البلاد، بدلًا من السعي وراء تحقيق المنافع الفردية لمؤيديهم فحسب. وكذلك تمكَّنوا أيضًا من بناء قواعد دعم تتجاوز أبناء قبيلتهم، الأمر الذي يشير إلى أن الهويات المستندة إلى النَّسَب مثل الروابط القبَلية يمكن أن تكون أساسًا لبناء تحالف سياسي بدلًا من طريق انتخابي مسدود.

دراسة حالة في المناورة السياسية

ويقدم الباحثان لمحة موجزة عن المسيرة السياسية لمسلم البراك، الذي يمثل هذا النوع من بناء التحالف القبَلي، والذي يستقطب الدعم ليس من أفراد قبيلة المطيري، التي ينتمي لها فحسب، ولكن أيضًا من الناشطين الشباب والنقابيين. وبينما كان يُنظر إلى والده على أنه «نائب خدمات» نموذجي إلى حدٍ ما، وبالفعل كان ينظر إلى مسلم نفسه في البداية بتلك الطريقة، انضم مسلم البراك لاحقًا إلى رئيس البرلمان السابق والمعارض منذ مدة طويلة أحمد السعدون، لتشكيل كتلة العمل الشعبي، وهي تنظيم نيابي سياسي أيديولوجي يدعو إلى الإشراف العام على الإنفاق الحكومي واستمرار السياسات الاجتماعية الشعبوية وحماية الدستور في عام 2001.

وبينما أعلن البراك رَفْضه المشاركة في الانتخابات التمهيدية للقبائل على أساس أنها غير ديمقراطية، فقد استفاد على نحو واضح من دعم أبناء القبيلة في تأمين أعلى إجمالي للأصوات داخل الدائرة الرابعة في عامي 2006 و2012، مسجلًا رقمًا قياسيًّا على المستوى الوطني لعدد الأصوات في عام 2012.

الكويت

منذ 3 شهور
فهد سالم العلي.. ماذا فعل الشيخ الكويتي «المعارض» في واشنطن؟

ولسوء الحظ، يوضح نموذج البراك أيضًا صعوبة استمرار المعارضة في مواجهة استخدام النظام الملكي الكويتي لقوانين الذات الملكية، والسياسات الانتخابية لمنع الشخصيات المُعارِضة من المشاركة السياسية وإحباط تشكيل ائتلاف معارض يتمتع بقاعدة عريضة. وفي عام 2013، حُكِم على البراك بالسجن خمس سنوات بسبب خطاب ألقاه خلال احتجاجات عام 2012، خاطب فيه الأمير قائلًا: «لن نسمح لك يا سمو الأمير بممارسة حكم استبدادي»، في إشارة إلى معارضته لفرض الأمير النظام الانتخابي الحالي؛ نظام الصوت الواحد.

وبعد خروجه من السجن في أبريل (نيسان) 2017، حُكِم على البراك في وقت لاحق من ذلك العام بالسجن تسع سنوات لمشاركته في اقتحام البرلمان أثناء احتجاجات عام 2011، ومنذ ذلك الوقت يقيم البراك خارج الكويت. والواقع أن الجهود الرامية إلى التفاوض بشأن عودة البراك، وغيره من شخصيات المعارضة إلى الكويت تشكل إحدى القضايا المثيرة للتوتر التي تُحدِث انقسامًا بين الحكومة والمعارضة حاليًا داخل البرلمان الكويتي (يتمتع وزراء الحكومة الـ15 المُعيَّنون بحقوق تصويت مساوية لـ50 نائبًا منتخبًا، باستثناء التصويت الوزاري بحجب الثقة).

سيرة مماثلة

ولفت الكاتبان إلى أن صورة الداهوم، بصفته شخصية سياسية، تحاكي شخصية البراك؛ فقد كان نشطًا في التعبئة المناصرة للديمقراطية خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وانتُخِب لعضوية البرلمان في الانتخابات الأولى لعام 2012، إذ أثار دعمه للقوانين الصارمة بعض التساؤلات حول التزامه بالإصلاح، وقاطع عدة انتخابات لاحقة بسبب تغييرات أحادية الجانب لقانون الانتخابات، ومُنِع من الترشح في عام 2016؛ بسبب إدانته بإهانة الذات الملكية، وانتُخِب أخيرًا في عام 2020 (حصل على ثاني أكبر عدد من الأصوات في دائرته)، وإن كان قد تجاوز الانتخابات التمهيدية القبَلية الرسمية.

ولم تتخذ قبيلة العوازم والنواب التابعون لها موقفًا موحدًا من إسقاط عضوية الداهوم، وهو ما يعكس استعداد البعض داخل القبائل «الموالية» للحكومة في الماضي لمعارضتها في الحاضر، فضلًا عن تحديات بناء التحالف حتى على أرض مواتية. وفي حين أدان اثنان من نواب العوازم الثلاثة المتبقين من الدائرة الخامسة استبعاد الداهوم، لم يفعل ذلك أيٌّ من نواب العوازم المنتخبين في الدائرتين الأولى والثانية الأكثر مركزية. وهذا يعكس على الأرجح الضغوط ضد بناء الائتلاف السياسي بسبب نظام الصوت الواحد، كما يشير دانيال تافانا. ووجد شيخ قبيلة العوازم، فالح بن جامع، نفسه في موقف حاول فيه التوصُّل إلى حل وسط بين إدانة أعضاء العوازم؛ الذين لم يقفوا إلى جانب الداهوم، والأمل في أن يتصالح الجميع مع العائلة المالكة.

«قَبْلَنة» السياسة

وأوضح الباحثان أن شرائح من السكان غير القبَليين في الكويت يرون أن الحياة السياسية في البلاد أصبحت «قبَلية» في ظل التعبئة السياسية المتزايدة للقبائل، وهذا يعني أن الديمقراطية أصبحت تتمحور حول المعاملات النفعية، وليس حول المبادئ العليا. ومع ذلك، تشير بيانات الاقتراع المتاحة إلى أن المجتمعات القبَلية وغير القبَلية على حدٍ سواء في الكويت تضع قيمة عالية «غير مادية» للديمقراطية، حتى وإن كان نظام الصوت الواحد (الذي يعارضه عديد من نواب القبائل) يعمل على تعزيز الانقسام في الجمعية الوطنية والسياسات النفعية.

Embed from Getty Images

وأضاف كاتبا المقال أن دراسة الانتخابات بين عامي 1992 و2016، تظهر أن المرشَّحين القبَليين لم يحققوا مكاسب ملحوظة في البرلمان الكويتي. ويميل الكويتيون القبَليون إلى الإقامة في الدائرتين الانتخابيتين 4 و5، اللتين (منذ إعادة التوزيع في عام 2006) تضمَّان عددًا أكبر بكثير من الناخبين لكل عضو برلماني، موازنةً بالمناطق الحضرية في الدوائر 1 إلى 3. وقد أدَّت التغييرات التي أُدخِلت على النظام الانتخابي إلى تغيير تركيبة التمثيل القبَلي في البرلمان على نحو أكثر من تغيير العدد الإجمالي للمرشحين القبَليين. إذ إن التحوُّل إلى نظام الصوت الواحد، على سبيل المثال، قوَّض القدرة التنظيمية للقبائل الأكبر بالطريقة نفسها التي يمكن أن نتوقع حدوثها للأحزاب السياسية الكبيرة، ومع ذلك فإن المقاعد التي خسرها مرشحون من قبائل أكبر مثل العوازم أو المطيري كانت تذهب عمومًا لقبائل أصغر حجمًا.

وفضلًا عن ذلك، فإن الفِطنة التنظيمية للقبائل تتحسن مع مرور الوقت. وحتى بعد النكسات الناجمة عن التحوُّل إلى نظام الصوت الواحد، استعاد المرشحون المنتسبون إلى أكبر القبائل مستويات تمثيل سابقة. وقد حدث هذا حتى مع احتفاظ القبائل الأصغر حجمًا ببعض المكاسب، الأمر الذي جعل الجمعية الوطنية المنتخبة في عام 2020، تضم أكبر عدد من أعضاء البرلمان المنتمين إلى القبائل (29 عضوًا) منذ استعادة البرلمان في عام 1992.

مستقبل المعارضة

ويرى الباحثان أن هذه الاتجاهات، وعلى الرغم من أنها ليست حاسمة، فإنها تعزز الفكرة بأن المعارضة المستقبلية للحكومة الكويتية؛ سعيًا نحو تحقيق صالح الحريات الديمقراطية، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالانتخابات والإجراءات البرلمانية، سوف تأتي جزئيًّا على الأرجح من جانب ناشطين ينتمون إلى القبائل مثل الداهوم.

وعلى الرغم من أن الساحة السياسية الكويتية حافلة بالانقسامات، يمكن لهؤلاء المرشحين الاعتماد على الروابط القبَلية لحشد مؤيديهم في صناديق الاقتراع وحشدهم ضد الجهود الرامية إلى استبعادهم من المشاركة السياسية. وحتى مع تبني بعض المرشحين القبَليين أجندة سياسية مختلفة تمامًا عن نظرائهم الحضريين أكثر، أظهرت الانتخابات المتتالية أن الانقسام المزعوم بين البدو والحضر ليس حاجزًا مستعصيًا أمام تنسيق المعارضة.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، ورغم أن نظام الصوت الواحد أثبت أنه عقبة مؤقتة أمام التمثيل القبَلي في البرلمان، فقد استمر في عرقلة تطور الكتل السياسية المنظمة التي تعمل بفعالية كالأحزاب، كما يفضل النظام الملكي بلا شك. وكما يلاحظ لؤي ألاركيا، وحمد البلوشي، فقد انقسمت المعارضة الحالية إلى فصيل أكثر تشددًا بشأن الداهوم (يضم قبيلة العوازم وائتلاف ثوابت الأمة) وفصيل أكثر تصالحية؛ تتودد إليه الحكومة، ويتألف من الكتلة الوطنية، ومنظمة (حدس) الإسلامية، وممثلين عن قبيلة المطيري (التي يميل مرشحوها إلى السيطرة على انتخابات الدائرة الرابعة).

وفي ختام مقالهما، لا يستبعد الكاتبان إمكانية عقد تحالفات بين المجموعات للضغط من أجل سياسات محددة مثل إدخال تغييرات على القانون الانتخابي أو تغييرات في النظام القضائي، رغم العقبة المستمرة التي تُشكلها المؤسسات السياسية والانقسامات الاجتماعية أمام التعاون المستمر للمعارضة. ومع ذلك، ورغم أن ممثلين من داخل القبائل الكويتية يُضْفون ثِقلًا على تحالفات المصلحة من هذا القبيل، فإنه يتعين علينا الانتظار لرؤية هل سيكون بوسعهم الضغط بنجاح من أجل إحداث تغيير مؤسسي؟ أم سيقتصر دورهم على إقالة وزراء الحكومة الأفراد، عندما تسنح الفرصة لهم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد