كتبت مها رافي عتال، باحثة في كلية الأعمال في كوبنهاجن، ومتخصصة في الاقتصاد السياسي للشركات، وكاتبة صحفية، تحليلًا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية حول إعلان إدارة ترامب إجراء تحقيق بشأن شركة «جوجل» التي تتهمها وزارة العدل بحماية قوتها الاحتكارية. وتخلص الباحثة إلى أنه من غير المرجح أن تتمكن الحكومات من وضع شركات التكنولوجيا الكبرى في موقف صعب. وفي مستهل مقالها، شدَّدت الكاتبة على أنه من الصعب ترويض شركات التكنولوجيا الكبرى.

كانت قد أعلنت إدارة ترامب مؤخرًا بدء تحقيق موسَّع جديد مع شركة «جوجل»؛ إذ اتَّهَمَت الإدارة شركة التكنولوجيا الأمريكية بأن الأخيرة تحمي قوتها الاحتكارية على نحو غير قانوني. وعلى وجه التحديد، زعمت وزارة العدل أن «جوجل» أبرمت اتفاقيات مع مصنِّعي الأجهزة والبرمجيات – بما في ذلك شركة «آبل/Apple» – لتثبيت محرك البحث الخاص بها مسبقًا بصفته محركًا افتراضيًّا (وأحيانًا المحرك الافتراضي الحصري) على الهواتف وفي متصفحات الويب، مما يجعل من الصعب على محركات البحث الأخرى منافستها.

ويُعد هذا أوسع تحقيق أمريكي مع شركة تكنولوجيا خلال أكثر من 20 عامًا، منذ أن اتخذت الحكومة إجراءً ضد شركة «مايكروسوفت». ومنذ ذلك الحين، خسرت الهيئات التنظيمية الأوروبية والأمريكية بعض القضايا الكبيرة ضد شركات التكنولوجيا، ولم تستطع سوى فرض غرامات قليلة على سوء السلوك في قضايا أخرى. وعلى أي حال، بالنسبة للشركات التي يبلغ رأس مالها مئات المليارات من الدولارات، قد لا تدفعها غرامة قدرها بضعة مليارات من الدولارات إلي تغيير سلوكها.

فهل ستكون الأمور مختلفة هذه المرة؟ يشير البحث الذي أجريتُه إلى أن هناك من الأسباب ما يجعل من الصعب على الهيئات التنظيمية أن تفرض شيئًا على شركات التكنولوجيا مثل «جوجل»، أو أن تجبرها على فعل شيء.

جذور التحقيق مع «جوجل»

تقول الكاتبة: في مقال جديد لي، أجريتُ مقارنة للوقوف على أوجه التشابه بين شركات التكنولوجيا والإله الروماني ذي الوجهين يانوس. وفي الواقع، يمكن أن يكون لشركات التكنولوجيا وجوه عديدة، وهذا يُسهِّل عليهم التسلل من خلال الثغرات في النظام الرقابي. إن قوانين مكافحة الاحتكار تعمل على نحو أفضل عندما تتمكن من تحديد السوق التي تعمل فيها الشركة بدقة. لكن هذه القوانين لا يمكنها بسهولة استهداف منصات التكنولوجيا التي تعمل في عديدٍ من الأسواق.

ويُظهِر بحثي كيف صوَّرت «جوجل» نفسها على أنها شركة بحث، وشركة إعلانات، وشركة إعلامية، وشركة اتصالات في آنٍ واحد. وهذا يُظهِر حجم عمالقة التكنولوجيا على أنه أقل من حقيقتهم. وإذا نظرتَ إليها في سوقٍ تلو الأخرى، وليس إلى حجمها الكلي، يمكن أن تبدو مثل أسماك صغيرة في بِرَك كبيرة.

Embed from Getty Images

وهذه ليست الميزة الوحيدة لشركات التكنولوجيا الكبرى؛ ففي حين أن لدى هذه الشركات مستخدمين في جميع أنحاء العالم، وغالبًا ما تصوِّر نفسها على أنها وسائل إعلام عالمية تعمل على التحول إلى الديمقراطية، فإن مقارَّها عادةً ما تكون في دولتين فقط هما الولايات المتحدة والصين. وهذا يعني أن الحكومات الأخرى التي قد تكون قلقة بشأن تأثير «فيسبوك» في انتخاباتها، على سبيل المثال، يكون لديها سلطة قانونية محدودة لفعل أي شيء.

وعلاوةً على ذلك، على الرغم من أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا محوريًّا في النقاش العام، وتزعم أحيانًا أن إخضاعها للنظم واللوائح سيؤدي إلى تآكل حرية التعبير، فإنها تتحمل مسؤولية قانونية محدودة، إن وُجِدت، عن الصور والمحتوى الذي يُنشَر على مواقعها. وغالبًا ما تستضيف هذه المنصات أسواقًا خاصة بالآخرين، بينما تبيع أيضًا منتجاتها الخاصة، مما يؤدي إلى توليد آثار ارتهان قوية (Lock In Effect: مصطلح يُستخدم عادةً لشرح الممارسة، حيث تجعل الشركة من الصعب للغاية على عملائها تركها، حتى لو أراد العميل ذلك).

آثار الارتهان لدى «جوجل»

إن آثار الارتهان لدى «جوجل» هي التي جذبت انتباه وزارة العدل إليها. وتبنى «فيسبوك» نهجًا مشابهًا، وذلك من خلال استخدام البيانات من خدمته الإعلانية الخارجية الخاصة بمواقع الأخبار لتأمين عقود التوزيع الحصرية مع الشركات الإعلامية. وتجادل لينا خان، أستاذة القانون في جامعة كولومبيا، بأن «أمازون» تستخدم بيانات مشتريات المستهلكين الموجودة على علامات تجارية أخرى على موقعها؛ لكي تصمِّم منتجاتها الخاصة بدقة وتبيعها بكميات أكبر. (مؤسس شركة «أمازون» ورئيسها التنفيذي، جيف بيزوس، هو أيضًا مالك صحيفة «واشنطن بوست»).

وقد أدَّى ذلك إلى أن بعض صانعي السياسات والباحثين دعوا إلى «الفصل الهيكلي»، أو فرض حظر على الشركات التي تنافس غيرها داخل أسواقها الخاصة. قدَّمت الهند مؤخرًا تشريعًا بهذا المعنى لتجارة التجزئة عبر الإنترنت، مما أجبر «أمازون» والمنافس المحلي «فليبكارت Flipkart» على سحب منتجاتهما الخاصة من مواقعهما على الويب. ولا يقترح التحقيق الأمريكي الجديد أي علاج، لكن الفصل الهيكلي يُعد أحد النتائج المحتملة.

تغيُّر قانون مكافحة الاحتكار

وقد يشير التحقيق الجديد إلى تطبيق مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة على نحو أكثر فاعلية، وليس تجاه قطاع التكنولوجيا فحسب. ووثق الباحثون كيف ابتعد القائمون على تنظيم الاحتكار في الولايات المتحدة عن تحدي الاحتكارات القائمة، وأعطوا الأولوية للتدقيق الاستباقي لعمليات الاندماج التي قد تؤدي إلى وجود شركات احتكارية.

Embed from Getty Images

لقد تأثرت المحاكم الأمريكية والمسؤولون عن أنظمة الاحتكارات بعمل الباحثين القانونيين المحافظين، مثل روبرت بورك، الذي كان مرشحًا يومًا ما لتولي منصب رئيس المحكمة العليا، ومن ثم ركزوا على كيفية تأثير عمليات الاندماج المقترحة في الأسعار بالنسبة للمستهلكين، بدلًا من التركيز على قضايا المصلحة العامة الأوسع مثل العدالة، والتي كان قانون مكافحة الاحتكار سابقًا يُعلي من شأنها.

غير أنه من الصعب تطبيق معايير الأسعار هذه على شركات التكنولوجيا؛ لأن منصات التكنولوجيا تتوفر للمستخدمين مجانًا في كثير من الأحيان. وتُحدَّد الأسعار للمعلنين في الأسواق الفردية وفقًا لخوارزميات سرية. وتُظهِر الأبحاث أن شركات منصات التكنولوجيا أكثر قدرة على مقاومة الضغوط من الحكومة؛ لأنها تستطيع الجمع بين تأثيرها في السوق وأشكال أخرى من النفوذ السياسي من أجل المقاومة.

دفع هذا بعض الباحثين إلى القول بأن حقبة جديدة تعني أن الوقت قد حان لاتباع نهج مختلف، بالعودة إلى ادعاء ثيودور روزفلت في عام 1910 بأن شركات السكك الحديدية والنفط في العصر الذهبي شكَّلت تهديدًا للديمقراطية، وليس للاقتصاد فحسب. إن العودة إلى هذا النهج، كما يدعو بعض الباحثين، من شأنه أن يعكس التغييرات التي أحدثها «بورك» وآخرون، مما يجعل من الممكن وضع نظم لمجموعة واسعة من أهداف المصلحة العامة.

غير أن مثل هذه الدعوات لم ترقَ بعد إلى حد تطبيق مكافحة الاحتكار في الممارسة العملية. في حين أن الدعوى الجديدة ضد «جوجل» تمثل تحولًا بعيدًا عن التدقيق المحدود في عمليات الاندماج؛ إذ تقوم على اتهام شركة مهيمنة بإساءة استخدام سلطتها، إلا أنها ما تزال تركز على الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الافتقار إلى المنافسة.

العالم والاقتصاد

منذ 4 شهور
مترجم: لماذا تتسابق «جوجل» و«فيسبوك» على الاستثمار في الهند؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد