قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطابه الذي ألقاه مساء الإثنين الماضي، والذي يحدد استراتيجيته الجديدة للحرب في أفغانستان: «لم يعد بإمكاننا السكوت على الملاذات الآمنة الباكستانية للمنظمات الإرهابية وحركة طالبان والجماعات الأخرى التي تشكل تهديدًا للمنطقة وخارجها».

تقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية رأى أن ترامب بهذه الكلمات ربما لم يعبر فقط عن أكبر انتقاد علني من جانب رئيس أمريكي لسياسة باكستان في تلك الحرب، ولكنه أعرب أيضًا عن وجهة نظر واسعة النطاق بين خبراء الأمن القومي الأمريكي. وقال ترامب: «إنّ باكستان لديها الكثير لتكسبه من الشراكة مع جهودنا في أفغانستان. ولديها الكثير لتخسره إذا واصلت دعم الإرهابيين».

لكن التقرير أشار إلى أن باكستان نفسها كانت ضحية للعديد من الهجمات الإرهابية البارزة في السنوات الأخيرة، وسرعان ما أعلنت حكومتها أن التصريحات حول الملاذات الآمنة هي جزء من «سرد كاذب»، مشددة على أنه «لم تعان أي بلد في العالم أكثر من باكستان من ويلات الإرهاب … ومن المخيب للآمال إذن أن يتجاهل بيان السياسة الأمريكية التضحيات الهائلة التي قدمتها الأمة الباكستانية في هذا الجهد».

بحسب التقرير، يفسر هذا التناقض أو الانفصال في المواقف لماذا كانت باكستان حليفًا مزعجًا للولايات المتحدة في حربها ضد أفغانستان وجهودها ضد الإرهاب بشكل أوسع. وعزا التقرير هذا الأمر إلى أسباب جغرافية وسياسية وتاريخية.

اقرأ أيضًا: «نيوزويك»: «طالبان» تحول دون دخول «داعش» إلى أفغانستان

هل كانت باكستان ضحية للإرهاب؟

وعلى الرغم من معاناة باكستان من هجمات متكررة ومميتة من جماعات إرهابية محلية، بما فيها ما يطلق عليه اسم طالبان الباكستانية، إلا أن باكستان ترى إلى حد كبير أن حركة طالبان الأفغانية هي حليف لها. ولعل الأهم من ذلك هو أنه وبينما قد يوافق القادة السياسيون الباكستانيون على مضض على تصور ترامب حول أفغانستان، فإنه ليس من الواضح تمامًا ما إذا كان الجيش، مركز السلطة الحقيقية في البلاد، سوف يمضي مع هذا التصور.

ونقل التقرير عن حسن عباس، وهو زميل في مركز «أمريكا الجديدة» ومؤلف كتاب «نهضة طالبان»، قوله إن تصريحات ترامب تتناسب مع سياق تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان. وقد يكون لها تأثير معاكس مناقض عما أراده ترامب. وقال عباس: «إن هذا … سوف يدفعهم إلى الابتعاد عن أي تعاون هادف مع الولايات المتحدة أو تعاون هادف مباشر مع أفغانستان».

وكانت العديد من الهجمات التي تعرضت لها باكستان نفسها تشمل هجمات شنتها جماعات سنية ضد أخرى شيعية، ولكن أكثرها فتكًا كانت تلك التي أعلنت جماعة طالبان الباكستانية مسئوليتها عنها، وهي الجماعة التي تتقاسم بعض القواسم الأيديولوجية والعرقية مع جماعة طالبان الأفغانية. في السنوات الأخيرة، ضعفت حركة طالبان الباكستانية لأن الجيش الباكستاني شن هجومًا كبيرًا ناجحًا ضد معاقل الجماعة.

ونقل التقرير عن أليسا أيريس، وهي زميلة بارزة في مجلس العلاقات الخارجية وخبيرة في الشئون الباكستانية، قولها: «على صعيد الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة، أعتقد أنه لا أحد يشك في أن باكستان كانت ضحية للإرهاب. المشكلة هي أنهم في الوقت نفسه يتبنون نهجًا انتقائيًا بشكل كبير حول الجماعات الإرهابية التي يحاولون بالفعل استهدافها».

وفقًا للتقرير، يعتبر الجيش الباكستاني أن عدم وجود علاقات ودية مع أفغانستان سيشكل تحديًا أمنيًا كبيرًا؛ تجدر الاشارة إلى أن باكستان كانت في الواقع واحدة من الدول القليلة التي اعترفت بنظام طالبان الذي تمت الإطاحة به في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2011، لأن الجيش الباكستاني اعتبر أن إقامة علاقات مع طالبان هو أمر يتوافق مع مصالحه الخاصة.

ترى باكستان نفسها محاطة إلى حد كبير بجيران يحتمل أن يكونوا معادين – إيران بالإضافة إلى الهند وأفغانستان – وقد تطلعت باكستان إلى الصين في السنوات الأخيرة للحصول على الدعم العسكري والدبلوماسي والاقتصادي.

فيما ترى الولايات المتحدة صورة مختلفة جدًا: فقد رأت في باكستان حليفًا ظاهريًا، وهو حليف تلقى عشرات الملايين من الدولارات من المساعدات والأسلحة الأمريكية التي لم تفعل شيئًا يذكر من أجل تحقيق الاستقرار في أفغانستان. وينظر الكثيرون في الولايات المتحدة إلى باكستان باعتبارها أكبر قوة مزعزعة للاستقرار في أفغانستان.

وقال التقرير إن تصريحات ترامب تعكس بعض هذه المخاوف. لكن الزميل في مركز «أمريكا الجديدة» حسن عباس قال إنه من غير المرجح أن يكون لها أي تأثير على سياسات باكستان.

وقال عباس: «من وجهة نظري فإن باكستان قد كسبت بعض المكاسب من هذه الانتقادات، لأن سياستها تجاه أفغانستان وسياستها الخاصة بمكافحة الإرهاب كانت معيبة وانتقائية، مما أدى إلى مقتل الكثير من الأشخاص في باكستان أيضًا. لكن إذا كنت تعتقد أن تصريحات قوية أو مجرد ضغط من الولايات المتحدة، أو … إلغاء الدعم المادي الذي يحصل عليه الجيش الباكستاني، والذي يبلغ 300 مليون دولار… سيكون كافيًا لإقناع باكستان حقًا بتغيير حساباتها، فإن هذا الاعتقاد سيكون وهمًا بالفعل».

ونقل التقرير عن مايكل كوجلمان، نائب مدير برنامج آسيا في مركز «ويلسون»، قوله إن «باكستان لديها مصالح استراتيجية عميقة ثابتة تستلزم الحفاظ على العلاقات مع طالبان».

اقرأ أيضًا: «ذا دايلي بيست»: طالبان.. جهاديو روسيا الجدد

تنافس باكستاني هندي

وفى الوقت نفسه قال كوجلمان: «إن فكرة أن الهند لها بصمة كبيرة في أفغانستان هي فكرة مقلقة للغاية»، وهو الأمر ًالذي رحب به ترامب في خطابه. وهذا -كما يؤكد كوجلمان- هو أحد الأسباب التي تدفع باكستان لتقديم الدعم لحركة طالبان الأفغانية والتنظيمات التابعة لها في المقام الأول. خشية أن تستخدم الهند أفغانستان باعتبارها قاعدة للتدخل في باكستان، بما في ذلك دعم المتمردين الانفصاليين في مقاطعة بلوشستان، تدعم باكستان مجموعات أخرى «تساعد في تعزيز مصلحة باكستان في كبح جماح الهند في أفغانستان».

وبالنسبة للهند، فقد دعا ترامب البلاد إلى «مساعدتنا بشكل أكبر في أفغانستان، وخاصة في مجال المساعدات الاقتصادية والتنمية». إن أفغانستان هى بالفعل جزء رئيسى من سياسة الهند الإقليمية. وقد قدمت البلاد المساعدة في الإطاحة بنظام طالبان في عام 2001، ومنذ ذلك الوقت اضطلعت بدور هام في بناء المؤسسات والهياكل الأساسية الأفغانية: وهي بالفعل أكبر مزود لتقديم المعونة إلى أفغانستان في المنطقة. وقد استثمرت عشرات المليارات من الدولارات في البلاد، وقامت ببناء مشاريع بنية تحتية ضخمة، وتشارك في قطاع التعدين، وتدرب الشرطة الأفغانية، والموظفين المدنيين، والدبلوماسيين.

وقالت الزميلة البارزة في مجلس العلاقات الخارجية، أليسا إيريس: «لقد فعلت الهند الكثير، ويمكنها أن تفعل المزيد. يمكن أن تقدم الهند النصح لدعم حكومة الوحدة في أفغانستان. لدى الهند الكثير من الخبرة في الائتلافات السياسية والمعارضة ومواجهة العقبات. لا أقول إن الديمقراطية الهندية مثالية – لا ديمقراطية – ولكن الهند لديها خبرة أكبر بكثير في كيفية إدارة هذه المشاكل من أي دولة أخرى في المنطقة».

ولكن التقرير ذكر أن دور الهند في أفغانستان يعتمد إلى حد كبير على من يتولى المسؤولية في البلاد. وقد دعمت نيودلهي الحكومة خلال الثمانينيات، والتي كانت مدعومة من الاتحاد السوفييتي، وتخلت عن دعمها للحكومة بعد صعود طالبان. وعلى الرغم من أن الهند قد ترحب بدعوة ترامب، إلا أنها أيضًا حذرة للغاية من اعتبارها أداة للسياسة الخارجية الأمريكية.

الهند، على الرغم من ميلها نحو الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة وعلاقاتها الحميمة مع الولايات المتحدة الآن، إلا أنها ترى أن سياستها الخارجية سياسة مستقلة وتحكمها مصالحها الخاصة. يدرك صناع السياسة في الهند أن الولايات المتحدة سوف تغادر المنطقة في وقت ما، وتترك البلدان المحيطة بأفغانستان، والجهات الفاعلة غير الحكومية داخل البلاد، لملء الفراغ.

واختتم التقرير بقوله: «في نهاية المطاف، هذا ينطبق على جميع الدول المجاورة لأفغانستان: عندما يحين الوقت للولايات المتحدة لمغادرة البلاد، فإن الشعب الأفغاني والحكومة – والميليشيات – سيكونون هم من سيتنازعون على مستقبل أفغانستان».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد