«عندما أمر الرئيس ترامب بإطلاق عشرات الصواريخ البحرية باتجاه قاعدة جوية سورية، فهو ـ سواء علم ذلك أم لا ـ كان يختبر نظرية شكك فيها علماء الحرب لفترة طويلة». بهذه الفكرة استهل الصحافي الأمريكي ماكس فيشر العمود المخصص له «The Interpreter» في صحيفة «نيويورك تايمز».

ويوضح فيشر في مقاله أن هذه النظرية التي يقصدها هي: أن الولايات المتحدة يمكنها أن تجعل الخصم يغيِّر من خططه الاستراتيجية بشكل جذري وجوهري، عن طريق ضربات محدودة ورمزية وعقابية، وذلك بتكلفة منخفضة، وخطر غير عالٍ بالنسبة للجنود الأمريكان.

ويضيف أنه في حالة الضربة الأمريكية، كانت الولايات المتحدة تسعى لتغيير المنطق الذي جعل الرئيس السوري بشار الأسد يستخدم الأسلحة الكيميائية، وأيضًا تغيير الحسابات التي جعلت روسيا تدعم تحركات الأسد.

لكن علماء السياسة يقولون: إن مثل هذه العمليات العسكرية منخفضة التكاليف، ذات العائد العالي، قد تكون غير ممكنة، خصوصًا في حالة الوضع السوري؛ فالرئيس السوري برهن باستمرار على قدرته على تحمل كلفة أكبر من خسارة قاعدة جوية واحدة مؤقتًا، كما برهنت الحكومة الروسية مرارًا على إمكانيتها في التعويض عن نكسات أكبر من ذلك بكثير.

لإجبار الأسد على إعادة توجيه أولوياته الاستراتيجية، فإن الضربات الأمريكية قد تحتاج لتوجيه تهديدًا كبيرًا لاستقرار الحكومة السورية.

وتقول كيتليت تالمادج الخبيرة السياسية بجامعة جورج واشنطن، والتي تدرس دينامية الحرب: «إن السيد ترامب واجه لغزًا: السيد الأسد وحلفاؤه الروس يواجهون بالفعل تهديدات وشيكة بسقوط الحكومة السورية».

وتضيف تالمادج أن ترامب، إما أن يفرض ضربات مدمرة، تتفوق على التهديدات الأخرى، وتجبر سوريا وروسيا على تغيير استراتيجياتهم، وتحمله لخطر إثارة تصعيد كبير داخل سوريا أو خارجها، أو أن ترامب يفرض ضربات قصيرة، وتؤكد عمليًا على أن المشكلات الأخرى تأخذ أولوية لديه. وترى الخبيرة السياسية أن ترامب اختار الخيار الثاني.

وتوضح أن النتيجة النهائية قد تكون غير مختلفة كثيرًا عن قرار إدارة أوباما في 2013، بإلغاء ضربات مشابهة، وهي رسالة بأن الأسد يواجه ثمنًا منخفضًا نسبيًا لاستخدامه الأسلحة الكيماوية، وهو الثمن الذي يراه الأسد مقبولًا بالنسبة له.

محدودة: القليل من الحرب.. القليل من التغيير

يقول فيشر: إن الضربات الأمريكية المتدرجة بعناية، على الرغم من أنها تعمدت تجنب التصعيد، إلا أنها تبدو كأنها تركت قدرات الأسد العسكرية ومنطقه الاستراتيجي من دون مساس. ويشير المحللون إلى أن قاعدة جوية وحيدة تم تدميرها، من السهل تعويضها، كما أن القوات الجوية الروسية يمكنها تعويض أية طائرات سورية تم تدميرها.

وتقول تالمادج: لإجبار الأسد على إعادة توجيه أولوياته الاستراتيجية، فإن الضربات الأمريكية قد تحتاج لتوجيه تهديدًا كبيرًا لاستقرار الحكومة السورية، وتضيف: «نحن نعلم أن نجاة النظام والنجاة الشخصية، هما كل ما يسعى إليه الأسد، لذلك فإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تجعله يغير حساباته، فيجب أن تهدد هذه الأولويات لدى الأسد».

اقرأ أيضًا: كيف غيَّرت مجزرة خان شيخون مصير سوريا والعالم؟

وذلك لا يتطلب بالضرورة تحقيق تغيير النظام، لكن فضلًا عن ذلك، اتخاذ خطوات يمكنها تقليص قدرة الحكومة على البقاء والنجاة، مثل شن هجمات كبيرة على العاصمة. ما قد يعني تدمير البنية العسكرية السورية على نطاق اسع، ما يجعل الأسد غير قادر على الدفاع بشكل كامل ضد المعارضة.

ويتعين على ضربات مثل هذه أن تكون تهديدًا يربك الدعم الروسي الذي يقوِّي نظام الأسد، وذلك يتطلب، إما أن تتجاوز الضربة قدرات القوات الروسية، أو الضغط على الحكومة الروسية بشكل يتجاوز ما ترى أنها يمكن أن تجنيه داخل سوريا. ويشير التقرير إلى أن أية ضربات مؤثرة ستحتاج إلى أن تقوم بكل ما سبق من دون إثارة رد من شأنه أن يمحي ما حققته، أو جلب تكاليف لا يمكن تحملها.

عقابية: ما الذي يغير السلوك؟

يقول التقرير: إن إدارة الرئيس ترامب واجهت خيارين سيئين في هجماتها المتدرجة على سوريا: فإغفال فرض تهديد على وجود الأسد يعني أن الهجوم كان رمزيًا كرد على استخدامه للأسلحة الكيميائية. ولكن لو فرضت الولايات المتحدة تهديدًا على وجود حكومة الأسد، تقول تالمادج: إن ذلك سيجبره ومموليه الرس على تصعيد الرد.

وتضيف تالمالدج أنه إذا تأكدت سوريا وروسيا من أنهما أمام خطر كبير وحقيقي، مع هامش خطأ ضئيل للغاية، فإن الرغبة في النجاة ستجبرهما على التعادل مع التهديدات الوجودية الجديدة.

كما أن دراسة الحرب ترجح أن ذلك سيأخذ أحد الشكلين: التصعيد ضد الولايات المتحدة للتفوق على تهديد تغير القيادة الأمريكية نحو التحريض. وعلى الصعيد الميداني في سوريا، خفض قوة الأسد مقارنة بالمعارضة.

وينقل التقرير عن مايكل وحيد حنا، الباحث في مؤسسة «The Century القرن» قوله: «إذا ما انحدرت لهذا الطريق، فإنه غير متوقع تمامًا، فالأسد وموسكو سيتحكمان في كيفية التصعيد وتطبيقه».

ويضيف التقرير أن الأسد استطاع التعويض مرارًا عن نكسات المعارك الميدانية عن طريق استهداف المدنيين؛ ما يضعف المعارضة. وأظهرت روسيا ذلك بتعبئة قواتها التي يمكنها أن تصد أي تصعيد وقع حتى الآن. كما أنه من غير الواضح إلى أي مدى ستستمر روسيا في صد أي تهديد أمريكي على حليفتها سوريا، لكن ذلك أظهر أنها تضع قيمة عالية لبقاء الأسد.

إذا تأكدت سوريا وروسيا من أنهما أمام خطر كبير وحقيقي، مع هامش خطأ ضئيل للغاية، فإن الرغبة في النجاة ستجبرهما على التعادل مع التهديدات الوجودية الجديدة.

ضمن أي سباق تصعيدي، يتحدد الفائز ليس فقط بالإمكانيات ـ بالقياس إلى ما يمكن أن تكسبه الولايات المتحدة، فإن روسيا أيضًا يمكنها أن تحقق مستوى مقاربًا ـ لكن أيضًا القدرة على قبول التكاليف والمخاطر.

ويقول التقرير: إن القضية ليس لها حل عيني، ولكن الأمر يتعلق بالتكاليف في مقابل الفوائد، وبالنسبة إلى روسيا فإن بقاء النظام السوري يعتبر قضية مهمة استراتيجيًا بشكل هائل.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الضرورة الاستراتيجية تبدو أكثر تواضعًا. فالرئيس ترامب قال إن ما دفعهه لخطوة الضربات الصاروخية هو صور القتلى المدنيين في سوريا جراء الهجمات الكيميائية الأخيرة. وفي حين حذر المحللون طويلًا من أن المواجهات في سوريا قد تزعزع استقرار المنطقة وربما أوربا، تجاهل ترامب هذه المخاطر معتبرها لا تشكل قلقًا كبيرًا للولايات المتحدة، بل إنه شكك في الوحدة الأوروبية.

ويبدو أن ترامب اتبع استراتيجية، ثم اعتمد على حس الرهانات الأمريكي لديه. ولأن الأسد وموسكو لديهما رهانات أعلى فهما يُظهران أنهما سيذهبان إلى أبعد من ذلك فيما يتعلق بالإبقاء على تحكمهما في الصراع.

رمزية: رسالة.. ولكن لمن؟

قيمة الهجمات، نظريًا، أبعد من ردع أية هجمات كيمياية محتملة مستقبلًا. وتجبر هذه الضربات الصاروخية عن طريق إشارتها إلى القدرة على التصعيد على مدى أوسع، كلًا من سوريا وروسيا على تقييد سلوكيهما طوعًا، خوفًا من رد أمريكي أقوى.

ولكن هذا التهديد الضمني يواجه أيضًا المشكلة ذاتها التي تواجها الضربات الصاروخية. فإذا كان التهديد معقول فإنه سيدفع الأسد وموسكو إلى التعويض والانتقام، لكن إذا كان تهديدًا غير معقول فإنهما سيقللان منه، بل من الممكن أن يعتبراه برهانًا على أن الولايات المتحدة ستفرض تكلفة يمكن تحملها. ويرجح التقرير أن هجمات ترامب الأخيرة، تبدو أنها تقع ضمن ذلك التصنيف الأخير.

اقرأ أيضًا: لماذا تصر روسيا على دعم «بشار الأسد»؟

وينقل التقرير ما كتبه دانيل بيمان الباحث في معهد «بروكنجز»، في مقال له نشر عبر موقع «LawFare»: «مثل هذه التحركات توصف بأنها رمزية، لكن في الحقيقة فهي عادة ما تشير إلى الضعف، وليس للحل، وذلك بسبب أن الهدف يعاني قليلًا، لكنه يبدو أقوى، فهو استطاع أن ينجو من هجوم أمريكي؛ ما يجعله يتباهى بقدرته على المواجهة والتحدي».

ويضيف التقرير: هذا هو خطر الهجمات الرمزية: فهي تجلب الأنظار والانتباه، لكنها تعني بشكل ما إيصال رسالة غير دقيقة حول ما تستطيع ولا تستطيع الولايات المتحدة القيام به.

ويقول حنا من معهد «القرن»: «معضلتنا هنا هي محاولة الدخول إلى عقول صناع القرار في سوريا». مضيفًا أن إدارتين فشلتا بالفعل في إحباط الاستخدام السوري للأسلحة الكيميائية، أو إحباط التصعيد الروسي، ويظن حنا أن صناع السياسة الأمريكيين قد يكونون غير مدركين صناع القرار السوري أو الروسي بشكل كافٍ يجعلهم يتوقعون كيفية قراءتهم للهجمات الأمريكية.

أظهرت دراسة صدرت عام 1966 للخبير السياسي ألاستر سميث من جامعة «نيويورك»، أن الرؤساء المنتخبين بطريقة ديمقراطية «هم الأكثر عرضة للتورط في حرب في الفترة المبكرة من ولايتهم».

ويضيف التقرير أن البعض يتمنى أن هذه الضربات ستوصل رسالة إلى أبعد من سوريا، ربما إلى كوريا الشمالية، أو حلفائها في الحكومة الصينية. وهذا في بعض الأحيان يطلق عليه «المصداقية» – فكرة أن الوقوف في مواجهة خصم واحد سيجعل الخصوم الآخرين يأخذون التهديدات على محمل الجد. ويشير الكاتب إلى أن هجمات ترامب تحمل رمزية للداخل الأمريكي أيضًا.

أظهرت دراسة صدرت عام 1966 للخبير السياسي ألاستر سميث من جامعة «نيويورك»، أن الرؤساء المنتخبين بطريقة ديمقراطية «هم الأكثر عرضة للتورط في حرب في الفترة المبكرة من ولايتهم».

وتضيف الدراسة بأن أية حكومة إذا أصبحت تفتقر لشعبيتها، أو أنها تواجه مشكلات في الداخل، فإن الانحياز باتجاه سياسة خارجية تميل إلى العنف والمغامرة، هو أمر يفي بالغرض، سواء عن وعي أو بغير وعي.

ويختتم فيشر مقاله بأن الناخبين يميلون لتثمين مثل هذه التحركات، بحسب ما اكتشفه سميث، بغض النظر عما حققته هذه التحركات من أهداف، طالما أنها تتجنب التكاليف غير المقبولة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد