خلال عطلة نهاية الأسبوع حكمت محكمة مصرية على 75 شخصًا بالإعدام. المدعى عليهم من بين أكثر من 700 شخص متهمين أو سبق أن أدينوا بتنظيم احتجاجات مناهضة للإطاحة بالرئيس محمد مرسي في عام 2013. ومن بين هؤلاء أعضاء بارزون في جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها مرسي، والتنظيم الإسلامي المحظور حاليًا، والذي فاز بالسلطة بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 المؤيدة للديمقراطية في مصر قبل الإطاحة به بعد احتجاجات وانقلاب عسكري بعد ذلك بعامين.

وقد أطاح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بمرسي ليصبح رئيس الجمهورية الذي قاد عملية ثورة مضادة بعيدة المدى في السنوات التي تلت ذلك، إلى حد كبير بمباركة الغرب والحلفاء العرب الأثرياء، بحسب تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

لم يقتصر قمع نظام السيسي – بحسب التقرير – على الإسلاميين فحسب، بل شمل أيضًا شريحة واسعة من المجتمع المدني المصري، بما في ذلك: صحافيون، وسياسيون، معارضون، ووكالات إغاثة، ومنظمات غير حكومية. وتقول جماعات حقوق الإنسان: إن المحاكمة الجماعية مثال سوداوي آخر لمدى استعداد السيسي للذهاب بعيدًا في حملته. وقالت نايجا بونيم من منظمة العفو الدولية في بيان: «لا يمكن وصف ذلك إلا بأنه محاكاة ساخرة للعدالة. يلقي الحكم بظلال قاتمة على سلامة نظام العدالة في مصر بأكمله ويسخر من الإجراءات القانونية الواجبة».

تبدو إدارة ترامب أقل انزعاجًا. في الأسبوع الماضي، أفرجت الإدارة الأمريكية عن 195 مليون دولار كمساعدات عسكرية لمصر، وهي الأموال التي تم حجبها من قبل وزارة الخارجية بسبب مخاوف محددة بشأن سجل مصر في مجال حقوق الإنسان إبان حكم السيسي. تواصل القاهرة احتجاز آلاف الأشخاص لأسباب مريبة، وهدم منازل القرويين الأبرياء في سيناء كجزء من مكافحة التمرد العنيف، وصمت حتى النقاد المعتدلين، لكن الجهود التي بذلتها مصر لمعالجة الاعتراضات الأمريكية تبدو مفضلة لوزير الخارجية الحالي مايك بومبيو.

إشارة للسيسي

قدمت أمريكا لمصر أكثر من 47 مليار دولار من المساعدات العسكرية و 24 مليار دولار كمساعدات اقتصادية على مدى العقود الأربعة الماضية، وهي حقبة شملت بشكل كبير الحكم الاستبدادي لحسني مبارك.

تعزز أحدث خطوات الإدارة الأمريكية الرسالة التي تقول: «إن واشنطن تثمن خنق السيسي للسياسات الإسلامية وتزايد التعاون مع إسرائيل، بالتنافي مع المثل الديمقراطية التي دافع عنها أجيال من الرؤساء الأمريكيين». وقالت ميشيل دن، وهي مسؤولة سابقة في وزارة الخارجية الأمريكية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن، لصحيفة «وول ستريت جورنال»: «إنها إشارة للسيسي: لا تلتفت إلى أي شيء نقوله في المستقبل».

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب-البيت الأبيض

وقال تقرير الصحيفة الأمريكية: «إن الرئيس ترامب لم يخف إعجابه بالرجل القوي الذي يتبنى نهجًا متشددًا تجاه الإسلاميين، ولم يكن ترامب بمفرده في هذا التوجه. فقد تشككت مجموعة من الحزبيين والمسؤولين في واشنطن في التقدم الديمقراطي المتقلب في مصر، واعتبروا جماعة الإخوان المسلمين المنتخبة شعبيًا بمثابة خطر كامن. وقد ترددت مخاوفهم وتضخمت من قبل الحلفاء في دول الخليج العربي، الذين يرون في الإسلام السياسي ليس فقط نسل التطرف الجهادي، وإنما أيضًا تهديد لقوتهم الملكية».

يلقي كتاب لديفيد كيركباتريك، مدير مكتب صحيفة «نيويورك تايمز» السابق في القاهرة، الضوء على دور إدارة أوباما في تمكين تولي السيسي بشكل ضمني وإعادة تأكيد الحكم الاستبدادي. وكتب كيركباتريك في مقال مقتطف للصحيفة: «كان هذا الانقلاب لحظة فاصلة بالنسبة للمنطقة، حيث بدد أحلام الديمقراطية، بينما كان يشجع كلًا من الحكام المستبدين والجهاديين. كما تركزت السياسة الأمريكية على تمكين أولئك الذين يحكمون، والذين يقولون إنَّه (ليس عليك سوى أن تسحق هؤلاء الأشخاص)، كما قال أندرو ميلر، الذي كان مديرًا للملف المصري في مجلس الأمن القومي في عهد أوباما، والذي يعمل حاليًا في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط. وقد وصل بعض أكثر المؤيدين الأمريكيين للانقلاب إلى مراتب عليا في إدارة ترامب، ومن ضمنهم وزير الدفاع جيمس ماتيس ومايكل فلين، أول مستشار لترامب في شؤون الأمن القومي».

يشير كيركباتريك إلى خلافات داخلية بين البيت الأبيض في عهد أوباما – الذي كان يعج بالمثاليين الليبراليين الذين يميلون إلى احتضان الثورات المؤيدة للديمقراطية في الربيع العربي – والقيادة العليا في وزارة الخارجية والبنتاجون، الذين كانوا أكثر حذرًا. ووفقًا لروايته وغيرها من الروايات الأخيرة، عمل وزير الخارجية السابق جون كيري ووزير الدفاع السابق تشاك هاغل على تطبيع الوضع الراهن الجديد في ظل عهد السيسي.

وقال التقرير: «حتى ذبح المئات من أنصار مرسي والحكومة المنتخبة في اعتصام للاحتجاجات في أغسطس (آب) 2013 لم يعرقل هذه الجهود لفترة طويلة».

نهج خطير

القمع يولّد الاستياء، وفي بعض الأحيان التطرف. هذا سيؤدي في النهاية إلى زعزعة استقرار مصر وتقويض المصالح الأمريكية. *بريان دولي من منظمة هيومان رايتس فيرست

يُنظر إلى مذبحة رابعة على أنها أعنف حملة دموية منذ هجوم ميدان تيانانمن بالصين في عام 1989، والذي تدخل فيه الجيش الصيني لقمع المتظاهرين في العاصمة بكين؛ مما أسفر عن مقتل 10 آلاف شخص على الأقل. وأدت مذبحة رابعة إلى وقف مبيعات بعض المعدات العسكرية الأمريكية لمصر وتعليق قصير للمساعدات. وقال أوباما آنذاك لمستشاريه: «لا يمكننا العودة إلى العمل كالمعتاد. يجب أن نكون حذرين للغاية بشأن النظر إليهم على أنهم ساعدوا وحرضوا على أعمال نعتقد أنها تتعارض مع قيمنا ومثلنا».

تظاهرات سابقة مؤيدة للرئيس المنتخب محمد مرسي-صورة أرشيفية

لكن واشنطن عادت في النهاية إلى العمل كالمعتاد. وقال وزير الخارجية جون كيري بحسب مقال كيركباتريك: «في مصر، ما هو الحل البديل؟ لم يتمثل الحل في ديمقراطية جيفرسون. على مدار سنوات عديدة، قدمنا ما يقرب من 80 مليار دولار إلى مصر. في معظم الأحيان، كانت هذه هي نوعية الحكومة التي يمتلكونها، طوال الوقت تقريبًا. والواقع هو أن الأمور لن تكون مختلفة في المستقبل، بغضّ النظر عن مدى رغبتي في أن تكون كذلك».

ونقل التقرير أيضًا ما ذكره بن رودز، نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي لكيركباتريك: «إن الأشخاص الذين أرادوا إقامة نوع مختلف من العلاقة مع الشعب المصري، ومن بينهم الرئيس، كانوا قلة منعزلة وسط حكومتنا. كان هناك شعور بالحتمية بشأن استئناف السيطرة العسكرية».

هذا الإحساس بالخنوع تحول إلى شعور بالارتياح في عهد ترامب، الذي وصف السيسي بأنه «رجل رائع»، ولكن هناك خطر من أن التوجه الحالي سيخلق فوضى جديدة. وقال بريان دولي من منظمة «هيومان رايتس فيرست»، وهي مجموعة مناصرة أمريكية، للصحيفة: «القمع يولّد الاستياء، وفي بعض الأحيان التطرف. هذا سيؤدي في النهاية إلى زعزعة استقرار مصر وتقويض المصالح الأمريكية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد