جاء في افتتاحية «واشنطن بوست» لهذا اليوم استنكار كبير لما تسبب به ترامب من أحداث، لم يكن من المتوقع أن تشهدها الأراضي الأمريكية؛ حيث هاجمت حشود المناصرين لترامب مبنى الكونجرس الأمريكي «الكابيتول».

تقول هيئة التحرير في مستهل مقالها: أدى رفض الرئيس ترامب لتقبُّل هزيمته في الانتخابات، وتحريضه المستمر لأنصاره يوم الأربعاء إلى أمر لا يمكن تصوره؛ هجوم على مبنى الكابيتول من قِبل حشد عنيف تغلَّب على الشرطة، وأخرج أعضاء الكونجرس من جلستهم التي كانوا يناقشون فيها مسألة عدِّ الأصوات الانتخابية. تقع المسؤولية عن هذا الشغب مباشرة على عاتق الرئيس ترامب، الذي أثبت أن استمرار ولايته يشكِّل تهديدًا خطيرًا على الديمقراطية الأمريكية، ويجب استبعاده عن الحكم.

دولي

منذ أسبوعين
«الإندبندنت»: حتى بعد رحيل ترامب.. أفكار اليمين الشعبوي لن تختفي من أوروبا

تحريض ترامب يسفر عن اقتحام الكونجرس وأعمال عنف

ويلفت المقال إلى أن السيد ترامب كان قد حثَّ الحشود على التجمع يوم الأربعاء، حيث كان من المقرر انعقاد الكونجرس، وطالبهم بأن يكونوا «جامحين». وبعد تكرار مجموعة من نظريات المؤامرة السخيفة، حثَّ الجمهور على التوجه نحو الكابيتول. وقال معبرًا عن لسان أتباعه: «سوف نمضي إلى هناك، وسنكون معك».

وأضاف: «لن تستعيد بلادك بالضعف، عليك أن تُظهر بعض القوة وعليك أن تكون قويًّا». لم يتبع الرئيس الحشد، بل تابع من بعيد عبر شاشة التلفاز حين مزَّق أتباعه السياج المحيط بمبنى الكابيتول، وتغلَّبوا على الشرطة التي كانت تحرس المبنى. واضطر أعضاء مجلس النواب والشيوخ للفرار. وأُطلقت أعيرة نارية وأصيب شخص واحد على الأقل وقُتل.

يواصل المقال مستنكرًا: وبدلًا من إدانة العنف على الفور ومطالبة أتباعه بالتراجع، نشر السيد ترامب تغريدتين باردتين طالبهم فيهما بأن «يبقوا» سلميين. وبعد مناشدات من كبار الجمهوريين، أصدر أخيرًا مقطع فيديو طالب فيه الجَمع بالعودة إلى بيوتهم، لكنه ضاعف الأكاذيب التي تُشعل أنصاره. وغازل جمعه العنيف بالقول: «نحن نحبك، أنت مميز للغاية».

وفي وقت لاحق برَّر أعمال الشغب التي حصلت بالقول: «هذه هي الأشياء والنوازل التي تحدث عندما يُسحب فوز انتخابي ساحق ومقدس بقسوة وبطريقة تفتقر للحكمة».

عزل ترامب: تجاوزات وخطوط حمراء تُنتهك

ويرى المقال أنه لا يليق بهذا الرئيس أن يبقى في منصبه لأربعة عشر يومًا إضافية.

فكل ثانية يحتفظ فيها بالسلطات الواسعة للرئاسة تُمثِّل تهديدًا للنظام العام والأمن القومي. ويجب على نائب الرئيس، مايكل بنس، الذي توجَّب نقله من قاعة مجلس الشيوخ لحمايته حين الهجوم، أن يجتمع على الفور مع مجلس الوزراء لاستدعاء التعديل الخامس والعشرين، ويعلن أن السيد ترامب «غير قادر على القيام بصلاحيات منصبه وواجباته».

Embed from Getty Images

وعلى الكونجرس الذي سيكون مطالبًا بالتصديق على القرار في حال قاوم السيد ترامب التنفيذ، أن يفعل ذلك. ويجب على السيد بنس أن يبقى في منصبه إلى حين تنصيب الرئيس المنتخب، جو بايدن، في 20 يناير (كانون الثاني). وإذا تعذر ذلك، فعلى كبار الجمهوريين كبح جماح الرئيس.

وجاء هذا التمرد في الوقت الذي كان فيه العديد من كبار الجمهوريين، بمن فيهم زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش مكونيل (كنتاكي)، يدينون أخيرًا حملة السيد ترامب المعادية للديمقراطية من أجل إلغاء نتائج الانتخابات. بينما كان هناك عدد ضاغط من مشرِّعي الحزب الجمهوري مثل: السيناتور جوش هاولي (ميسوري)، والسيناتور تيد كروز (تكساس)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب، كيفن مكارثي (كاليفورنيا)، وسوط الأقلية في مجلس النواب ستيف سكاليز (لوس أنجلوس)، مستعدين لدعم جهود الرئيس ترامب، مؤججين بذلك غضب أولئك الذي خدعهم الرئيس للتصديق بأن الانتخابات قد سُرقت.

ماكونيل يتنبأ وتصدِّقه الأحداث

لكن السيد ماكونيل لم يكن يرى ذلك؛ إذ قال: «يدَّعي الرئيس ترامب أن الانتخابات سُرقت، ولكن لا شيء أمامنا يُثبت عدم قانونية الانتخابات في أي مكان في النطاق الكبير الذي من شأنه أن يقلب نتيجة الانتخابات بأكملها. وإذا أُلغيت هذه الانتخابات وفقًا لادعاءات الطرف الخاسر فقط، فإن ديمقراطيتنا ستدخل دوامة الموت».

وأضاف: «لن أتظاهر بأن مثل هذا التصويت سيكون بادرة احتجاج غير ضارة مُعتمدًا على الآخرين لفعل الصواب». وكما لو أنها حادثة وقعت لإثبات وجهة نظره؛ حيث صعدت الحشود المؤيدة لترامب جدران الكابيتول، وبحث السيد ماكونيل وزملاؤه عن ملاذ آمن بعيدًا عن الشغب.

والآن وبعد أن أصبحت المخاطر واضحة تمامًا، فإن السيد ماكونيل والجمهوريين الآخرين معه، الذين يقع على عاتقهم جميعًا جزء من اللوم عمَّا حدث الأربعاء، يتحمَّلون مسؤولية كبيرة تجاه الأمة تتمثل في إيقاف السيد ترامب واستعادة الثقة في الديمقراطية. بدأ ذلك بالفعل مساء الأربعاء مع استئناف جلسة الكونجرس ومتابعة فرز الأصوات الانتخابية. وعلَّق بعض المشرِّعين الذين سعوا للاستفادة من غضب السيد ترامب الذي أجج الحشود مواقفهم الساخرة، مع أنهم سيحملون دائمًا وصمة العار لمساهمتهم في أحداث اليوم المخزية.

ويرى المقال أن هذه الفوضى أثبتت مرة أخرى حكمة الناخبين في رفض السيد ترامب وترجيح كفة جو بايدن. وبادر الرئيس المنتخب جو بايدن للتعليق على الحدث قائلًا: «أدعو هذه الحشود للتراجع الآن والسماح للعمل الديمقراطي بالمضي قدمًا». وأضاف: «هذا ليس احتجاجًا بل تمرُّدًا» وختم بالقول: «ما حدث اليوم هو تذكير مؤلم لنا بأن الديمقراطية هشَّة».

Embed from Getty Images

الإيمان بالقوانين هو الضامن الوحيد لتنفيذها

وختم المقال بالقول: السيد بايدن محق، فالقواعد والأعراف والقوانين وحتى الدستور نفسه، يكتسب قيمته إذا آمن الناس به فقط، ولا يساوي شيئًا دون ذلك. يضع الأمريكيون أحزمة الأمان في سياراتهم، ويتبعون قوانين المرور، ويدفعون الضرائب، ويصوِّتون لأنهم يؤمنون بهذا النظام، وهذا الإيمان هو ما يُنجح الأمر. واليوم أعلى صوت في البلاد يحرِّض الناس على كسر هذا الإيمان، ليس بالتغريدات فقط، بل بدفعهم للعمل على أرض الواقع. يمثِّل السيد ترامب خطرًا، وطالما بقي في البيت الأبيض، فستكون البلاد أيضًا في خطر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد