نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالًا للكاتب سبنسر بوكات لينديل، حول العلاقات الأمريكية – الصينية التي تشهد توترًا لم تشهد له مثيلًا منذ عقود، والشكل الذي ستبدو عليه الحرب الباردة بين البلدين إذا ما استمر هذا التناطح (الدبلوماسي) القائم بينهما في الفترة الراهنة.

ألقى وزير الخارجية مايك بومبيو خطابًا منذ أسابيع شبَّهه كثيرون بأنه إعلان حرب باردة ضد الصين. قال: لقد ذهب «النموذج القديم للمشاركة العمياء» الذي ساد منذ إدارة نيكسون. وتابع: «إذا أردنا أن يكون القرن الحادي والعشرون حرًّا، فيجب أن ينتصر العالم الحر على هذا الطغيان الجديد».

دولي

منذ شهرين
الحرب الباردة الجديدة.. أساليب الصراع بين أمريكا والصين في القرن 21

يقول الكاتب: أوضح خطاب السيد بومبيو أن العلاقة بين القوتين العظميين وصلت إلى أدنى مستوى لها في الأشهر الأخيرة، وتوترت بسبب جولات متصاعدة من العقوبات الدبلوماسية والردود الانتقامية في نزاعات تتعلق بالأراضي، والملكية الفكرية، والتجارة، وفيروس كورونا المُستجد، ومزاعم التجسس والقمع في هونج كونج، من بين نزاعات أخرى. (ويبدو أن اعتقال الصين الجماعي للمسلمين في إقليم شينجيانج لا يؤدي دورًا كبيرًا في هذه النزاعات).

ويرى إدوارد وونج، وستيفن لي مايرز، محررا صحيفة «نيويورك تايمز» في بكين، أن التأثير المشترك لهذه المناوشات العدائية، قد يثبت أنه أهم إرث خلَّفته السياسة الخارجية لإدارة ترامب، وهو: «ترسيخ مواجهة استراتيجية وأيديولوجية أساسية بين أكبر اقتصادين في العالم».

ويتساءل الكاتب: لكن كيف ستبدو حقًّا مثل هذه المواجهة؟ إليك ما يُقال عما قد يحدث إذا استمرت العلاقات بين الدول في التوتر.

الحرب المحتملة لن تبدو كالحرب الباردة السابقة

يدفع الكاتبان ريتشارد فونتين، وإلي راتنر من صحيفة «واشنطن بوست» بأن النظر إلى الوراء بمنظور الحرب الباردة يحجب أكثر مما يضيء الأمور المتعلقة بالعلاقات الأمريكية الصينية. إذ كانت الحرب الباردة الأصلية تُعرَّف بأنها المعارضة القائمة بين حلف الناتو وأعضاء حلف وارسو، وأشار الكاتبان إلى أن نشاطًا اقتصاديًّا ضئيلًا جرى بين الكتلتين، وكانت دول عدم الانحياز في المناطق الاستراتيجية قليلة نسبيًّا ومتباعدة فيما بينها. 

لكن هذا الوضع ليس قائمًا الآن؛ إذ تتمتع الدول في جميع أنحاء العالم بعلاقات أمنية واقتصادية قوية مع كل من الولايات المتحدة والصين، وكما اعترف السيد بومبيو نفسه في خطابه الأسبوع الماضي، فإن «الصين مندمجة في عمق الاقتصاد العالمي».

Embed from Getty Images

إن الولايات المتحدة والصين هما أيضًا أكثر تشابكًا (في علاقاتهما) عما كانت عليه الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تمامًا، وفي هذا الصدد، كتب ماريو ديل بيرو، أستاذ التاريخ الدولي في معهد الدراسات السياسية في باريس (المعروف باسم ساينسيز بو)، في صحيفة «الجارديان» أن التفاعل بين البلدين كان منتِجًا ومحرِّكًا للعولمة؛ فالولايات المتحدة تعتمد على الصين في استضافة منشآتها الصناعية وشراء ديونها، وتعتمد الصين على الولايات المتحدة في استيعاب صادراتها وتعليم مئات الآلاف من طلاب الجامعات. 

وأضاف ديل بيرو: «تحدد مثل هذه الاعتمادات المتبادلة الآن العلاقات الأمريكية الصينية، وتكشف إلى أي مدى تعد هذه الروابط (الاعتمادات) دقيقة وحاسمة»؛ ونتيجة لذلك، فإن أي صراع بين الصين والولايات المتحدة سيجري ويحسم على الأرجح على نحو مختلف، وكما يشير السيد ديل بيرو، فإن التهديد بالدمار المتبادل المؤكد الذي حرك الحرب الباردة لا يلوح في الأفق بالقدر نفسه في الصراع الحالي. 

ولكن في الوقت نفسه، يدفع رئيس الوزراء السنغافوري، لي هسين لونج، بأن الصين، في الشئون الخارجية، تُعد منافسًا أكثر تعقيدًا مما كان عليه الاتحاد السوفيتي: «فالاقتصاد الصيني يتمتع بديناميكية هائلة وتكنولوجيا متقدمة بصورة متزايدة، والصين أبعد بكثير من أن تُعد أشبه بكيان أجوف وزائف (كأسطورة قرية بوتيمكين الزائفة)، أو اقتصاد قيادة مترنح كالذي اتصف به الاتحاد السوفيتي في سنواته الأخيرة؛ ولذلك من غير المرجح أن تنتهي أي مواجهة بين هاتين القوتين العظميين كما انتهت الحرب الباردة، التي انتهت بانهيارٍ سلميٍّ لأحد البلدين (الاتحاد السوفيتي)».

تكاليف الصراع مُكلفة للغاية

كتب ناثانيل تابلين في صحيفة «وول ستريت جورنال» أنه بسبب تشابك (تداخل) الاقتصادين الصيني والأمريكي، فإن فصلهما سيكون أمرًا مكلفًا للغاية. نعم، يستخدم الأمريكيون أجهزة «آيفون» ومعدات الحماية الشخصية المنتجة في الصين، لكنهم ينتظمون أيضًا في جامعات استمدت استمرارها وبقاءها على قيد الحياة، بعد عقود من ضعف الاستثمار، من الطلاب الصينيين الذين يدفعون رسوم تعليمهم كاملة.

وأضاف السيد تابلين: «فإذا مضت عملية فصل الاقتصادين قُدمًا، فستكون هناك ضرورة مُلحة لتوفير مزيد من التمويل الاتحادي (الفيدرالي) للأبحاث الأساسية – ولتعليم العلوم والرياضيات في الولايات المتحدة – لسد الفجوة (الناشئة)». 

وتابع تابلين: «وربما يعني ذلك فرض ضرائب أعلى، وتبني سياسة هجرة أكثر ترحيبًا بالمواهب الأجنبية من الهند والدول الأخرى؛ لتعويض هجرة العقول الصينية المحتملة. وأخيرًا، يجب على المستهلكين الأمريكيين الاستعداد لدفع المزيد (من الأموال) مقابل التمتع برفاهية سلسلة التوريد الآمنة والمتنوعة (للسلع والمنتجات)».

وفي هذا السياق، كتب مايكل تي كلير، أستاذ فخري في دراسات السلام والأمن العالمي بكلية هامبشاير، في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية، أن عملية تنويع سلاسل التوريد الأمريكية ستكون طويلة وصعبة. وفي حين يمكن نقل الوظائف التي يقوم بها العمال حاليًا في الصين إلى مراكز تصنيع أخرى منخفضة التكلفة، مثل المكسيك، أو تايلاند، أو فيتنام، يتوقع كلير أن يستغرق هذا التحول سنوات عديدة لتحقيقه. وعلى المدى القصير، كما يقول: «يمكن أن تكون النتيجة الأولى لحرب باردة مُكثفة متمثلة في تعافي أضعف من المتوقع من الانهيار الاقتصادي الناجم عن فيروس كورونا المُستجد».    

الحرب الباردة يمكن أن تتحول بسهولة إلى ملتهبة

يضيف السيد كلير، أنه ليس من الصعب تصوُّر تحول نزاع اقتصادي إلى صراع عسكري. وكما هو الحال، فإن السفن الحربية الأمريكية والصينية تواجه بعضها بعضًا بوتيرة منتظمة في المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وأحيانًا على بعد مسافات شديدة الخطورة. 

Embed from Getty Images

ويقول: «مع تعدد مثل هذه الحوادث وتزايد التوترات، فإن خطر حدوث مواجهة خطيرة تنطوي على خسائر في الأرواح على أحد الجانبين أو كليهما، لا بد أن يزداد، ومن الممكن أن يوفر شرارةً لاندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق».

وكتب بريت ستيفنس، كاتب العمود في صحيفة «نيويورك تايمز»، أنه لن يتضح على الفور أي بلد سيفوز بمثل هذه المواجهة، ويقول إن البحرية الأمريكية غارقة في حالة من التدهور، وقد أضعفها الفساد وعدم الكفاءة، بينما نمت البحرية الصينية بنسبة 55% خلال 15 عامًا. 

ويتساءل ستيفنس: «إذا قُدر للولايات المتحدة أن تشتبك مع جمهورية الصين الشعبية بعد حادثة ما على بعض الجزر المرجانية في بحر الصين الجنوبي؛ فهل نحن واثقون من أننا سننتصر؟» هذا سؤال يتعين على إدارة بايدن أن تتعامل معه أيضًا؛ فالتوسع الصيني في بحر الصين الجنوبي لم يبدأ عندما تولى ترامب منصبه ولن ينتهي عندما يغادر.

حرب ملتهبة بكل معنى الكلمة

يمكن لحرب باردة بين الصين والولايات المتحدة أن تعرض للخطر التعاون الدولي بشأن القضية التي يمكن قول إنها في أمسِّ الحاجة لهذا التعاون وهي: تغيُّر المناخ. 

وكما كتبت كريستين لوه وروبرت جوتليب في مجلة «تايم» العام الماضي؛ فإن الاحتباس الحراري يهدد بحدوث أزمات الهجرة، وتوفُّر المياه، وإنتاج الغذاء والطقس شديد التطرف (تغييرات جوية شديدة ومفاجئة)، «مما يخلق حالة من انعدام الأمن التي ستزداد كل عام، وتشمل جميع المخاوف الأمنية الأخرى القائمة». ويقولون إن الولايات المتحدة والصين كليهما عرضة لهذه الأزمات، ولكن بوصفهما أكبر الدول التي تنبعث منها الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم، فإنهما يتحملان مسئولية خاصة لمنعها.

وبحسب راشيل إسبلين أوديل، باحثة الأمن الدولي في مركز بيلفر للعلوم والشئون الدولية في كلية هارفارد كينيدي، فإن أفضل طريقة لفعل ذلك، تكون من خلال التعاون، وليس من خلال المنافسة على شيء محصلته صفر للطرفين.

Embed from Getty Images

فالصين أكبر منتج ومصدر ومركب للألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والبطاريات، والسيارات الكهربائية في العالم، وكذلك أكبر مستثمر في العالم في مجال البحث والتطوير في مجال الطاقة المتجددة. لذلك إذا كان الهدف نشر أكبر قدر ممكن من الطاقة النظيفة بأسرع ما يمكن، فسيكون لتقييد الوصول إلى الأسواق الصينية نتائج عكسية. 

وفي هذا السياق، غردت السيدة أوديل قائلة: «إن أفضل طريقة لمواجهة هذا التحدي هي الانخراط في جهد تعاوني أكثر جرأة مع الصين للاستثمار في التكنولوجيا الخضراء، والتخلص من الكربون العميق لمساعدة العالم النامي على تحقيق الرخاء بطريقة تحافظ على البيئة والأمن البشري الشامل».

وأضافت: «لا يمكن تحقيق ذلك من خلال (العقوبات الخضراء) المضللة التي لن تكون لها فائدة عملية كبيرة للمناخ، وستغذي عقلية الحرب الباردة فقط تجاه بكين (التي، للتذكرة، تحافظ على التزاماتها في باريس، على عكس واشنطن التي انسحبت تمامًا من الاتفاقات).

وكما كتب ستيفن ويرثيم، نائب مدير البحوث والسياسات في معهد كوينسي للحكم الرشيد، في مقال رأي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» العام الماضي: «يمكن للشعب الأمريكي أن يتعايش مع الصين الاستبدادية، لكن لا يمكنهم العيش على أرض غير صالحة للسكنى».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد