ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أن التحقيقات الخاصة بمساءلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي قد تؤدي إلى عزله، جاءت نتيجة لمعركة تدور بين الرئيس والمؤسسات الحكومية، التي لم يثق بها وحط من شأنها. وصرح وليام تايلور جونيور، كبير الدبلوماسيين الأمريكيين في أوكرانيا، لمحققي مجلس النواب، بأنه سعى لمقاومة جهود الرئيس ترامب للضغط على أوكرانيا للحصول على مساعدة سياسية.

وأوضحت الصحيفة، في مقال كتبه خمسة من صحفييها بينهم كبير مراسلي البيت الأبيض، بيتر بيكر، أن مسؤول وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، مجهول الاسم والهوية والصوت، والذي تسبب في أكبر تهديد لحكم الرئيس ترامب، يبدو تجسيدًا «للدولة العميقة» التي اتهمها الرئيس منذ فترة طويلة بمحاولة إطاحته.

وقال الكُتاب إنه على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية، خرجت الدولة العميقة من الظل على شكل مسؤولين حكوميين حقيقيين، حاليين وسابقين، تحدوا محاولة البيت الأبيض لعرقلة التعاون مع محققي عملية المساءلة في مجلس النواب الأمريكي، وقدموا أدلة تدعم الشخص الذي أبلغ عن المخالفات (نافخ الصافرة) دعمًا كبيرًا، والذي ما يزال مجهول الهوية.

النص الكامل للمكالمة التي قد تنهي رئاسة ترامب

وأشاروا إلى أن موكب الشهود الذي سار إلى مبنى الكابيتول هيل (مقر الكونجرس)، توج هذا الأسبوع بشهادة مثيرة قدمها وليام تايلور جونيور، وهو عسكري ودبلوماسي خدم بلاده 50 عامًا. ودون أن يتهيب ضغوط البيت الأبيض، اتهم الرئيس نفسه الذي أرسله إلى أوكرانيا قبل بضعة أشهر بإساءة استخدام سلطته لتحقيق مصالحه السياسية الخاصة.

ورأوا أن تحقيقات المساءلة التي يجريها مجلس النواب بشأن جهود ترامب لإجبار أوكرانيا على التحقيق مع الديمقراطيين، تمثل ذروة صراع الأرض المحروقة المستمر منذ 33 شهرًا بين رئيس بلا سجل للخدمة العامة، والحكومة التي استلمها ولكن لم يثق بها أبدًا. وأكدوا أنه إذا عزل مجلس النواب ترامب، فسيعزى ذلك جزئيًّا إلى بعض المهنيين المحترفين الذين سخر منهم بوصفهم «حثالة» أو قارنهم بالنازيين.

ونقل المقال عن النائب الديمقراطي عن ولاية فيرجينيا، جيرالد كونولي، والذي يمثل العديد من الموظفين الفيدراليين، قوله «مع كل التحقير والاستخفاف والانتقاص، أعتقد أنك ترى هنا بعض الثأر، ليس عن عمد، وإنما عن طريق الصدفة، تكاد تكون عدالة شعرية. من دون سابق إنذار، أصبحت هناك فرصة للأشخاص الذين يعرفون أشياء للتحدث ورفع أصواتهم، والإدلاء بشهادتهم، وهم يفعلون ذلك».

وتابع الكُتاب قائلين إن المسؤولين الحاليين والسابقين، مثل ماري يوفانوفيتش (السفيرة الأمريكية السابقة في أوكرانيا)، وفيونا هيل (مساعدة سابقة لترامب ومديرة الشؤون الأوروبية والروسية في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض)، وجورج كنت (نائب مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية والأوروبية الآسيوية) أخبروا محققي المجلس كيف حدث التحايل على الحكومة عن طريق عملية سياسة خارجية فاسدة باسم ترامب. كما وصف مايكل ماكينلي، والذي عمل سفيرًا أربع مرات، بالإضافة إلى عمله مستشارًا لوزير الخارجية مايك بومبيو، استقالته بعد أربعة عقود من العمل في الخارجية، بسبب معاملة المسئولين المهنيين في الوزارة.

وأشار كاتبو المقال أيضًا إلى عودة المؤلف المجهول للمقال الذي نشر في «نيويورك تايمز» العام الماضي، والذي زعم فيه أن المسؤولين في إدارة ترامب كانوا يعملون «لعرقلة أجزاء من جدول أعماله وأسوأ ميوله»، موضحين أن الكاتب، الذي يظل مجهول الهوية، يخطط لنشر كتاب الشهر المقبل بعنوان «تحذير».

وأوضحوا أن الشهود الذين يتوجهون إلى الكابيتول هيل لا يعدون أنفسهم جزءًا من أي دولة عميقة شريرة، لكنهم ببساطة موظفون عموميون عملوا بإخلاص لإدارات كلا الحزبين، وشوهت سمعتهم أو همِّشوا أو أُجبروا على ترك وظائفهم من قبل رئيس غارق في الشكوك ونظريات المؤامرة.

ولكن من الصحيح أيضًا أن بعض المسؤولين المهنيين، الذين شعروا بالقلق إزاء ما رأوه داخل أروقة الوكالات الحكومية، قد سعوا إلى إيجاد طرق لإعاقة أهداف السيد ترامب، من خلال تنفيذ أوامره ببطء، وإخفاء المعلومات عنه، أو تسريبها إلى المراسلين، أو حشد حلفاء في الكونجرس للتدخل. وهكذا، فإن «العدالة الشعرية» للمؤسسة المهنية تجعل الأمر يبدو وكأنه إقرار بأن ترامب ودائرته كانوا على حق طوال الوقت.

هجرة جماعية للمسؤولين المهنيين

ذكر المقال أن ترامب وجه انتقادات غاضبة في الأيام الأخيرة، مهددًا ضمنيًّا بالانتقام. وفي تجمع حاشد في مدينة دالاس، الأسبوع الماضي، طلب أربع مرات معرفة من هو المُبلغ الأصلي، متسائلًا عما إذا كان جاسوسًا، مضيفًا «كان لدينا الكثير من الناس السيئين، لكننا تقدمنا خطوة بخطوة».

الدبلوماسية الأمريكية: دونالد ترامب في الأمم المتحدة

ورغم أنه لم يخض في التفاصيل، فإن إدارته تتحرك للتخلص من المسؤولين المهنيين في مجلس الأمن القومي، إذ يخطط روبرت س. أوبراين، مستشاره للأمن القومي الجديد، لتقليص عدد موظفي المجلس بحوالي الثلث، من 174 خبير سياسي إلى أقل من 120، بحلول أوائل العام المقبل، عبر التناقص الطبيعي بصفة عامة. وقد شرع في هذه الجهود قبل أن تصبح شكوى المبلغ عن المخالفات علنية، وذكر أن هدفها رفع الكفاءة، لكن البعض ينظر إليها على أنها وسيلة لتطهير «الجواسيس» الداخليين.

وأضاف الكُتاب أن الإدارة الحالية سعت طوال الوقت لتقليص دور المسؤولين المهنيين. ففي مجال الخدمة الخارجية (السلك الدبلوماسي)، بلغت نسبة المعينين السياسيين 45% من بين 166 سفيرًا يعملون في عهد ترامب، وقد اختيروا على أساس الولاء وإسهامهم في الحملة الانتخابية، وهو أعلى معدل في التاريخ، وفقًا لجمعية الخدمة الخارجية الأمريكية.

ونتيجة لذلك، فقد حدثت عملية هجرة جماعية من الخدمة الخارجية. ووفقًا لمنظمة «الشراكة من أجل الخدمة العامة» غير الحزبية، فقد فقدت إدارة ترامب ما يقرب من 1200 من كبار الموظفين المهنيين في أول 18 شهرًا، وهو ما يزيد بنسبة 40% تقريبًا عن أول 18 شهرًا من عهد الرئيس باراك أوباما.

ولكن عددًا أكبر بدأ يتحدث الآن، ففي رسالة موجهة إلى وزير الخارجية مايك بومبيو، هذا الأسبوع، اشتكى 36 من مسئولي الخدمة الخارجية السابقين من أنه «فشل في حماية موظفي الخدمة المدنية من الانتقام السياسي»، مستشهدين على وجه الخصوص بالسفيرة السابقة في أوكرانيا يوفانوفيتش، التي عُزلت من منصبها بعد أن استهدفها حلفاء ترامب.

كما وقع أكثر من 270 موظفًا سابقًا في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، خطابًا آخر عبروا فيه عن غضبهم إزاء معاملة الموظفين العموميين و«ذهولهم من الأخطار الكامنة في نهج الرئيس المتعجرف (وربما الفاسد) لجعل السياسة الخارجية قائمة على الاندفاع والمصالح الشخصية، بدلاً من الاستجابة لشواغل الأمن القومي». 

شكوى مألوفة نقُلت إلى مستوى جديد

ذكر المقال أن فكرة الدولة العميقة المكونة من بيروقراطيين غير منتخبين يخططون سرًّا للسيطرة على الحكومة لها تاريخ طويل، ولكنها حتى وقت قريب كانت أكثر ارتباطًا ببلدان أجنبية مثل تركيا أو مصر. أما في الولايات المتحدة، فكانت قد انحصرت إلى حد كبير في هامش السياسة، أو أصبحت موضوعًا لأفلام هوليوود المثيرة.

وتابع أن الرؤساء الآخرين نظروا أحيانًا إلى المسؤولين المهنيين بحذر، فرونالد ريجان سخر بانتظام من البيروقراطيين وهم بدورهم سخروا منه. وطرد بيل كلينتون موظفي مكتب السفر بالبيت الأبيض خوفًا من أن يكونوا موالين لسلفه. بينما شعر جورج دبليو بوش بالإحباط لأن الدبلوماسيين المهنيين تجاهلوا سياسته الخارجية «أجندة الحرية». وكان أوباما مقتنعًا بأن القيادة العسكرية حاولت فرض قرارات لم يرغب في اتخاذها.

ومع ذلك، لم يذهب أي منهم إلى الحرب مع المسئولين بالطريقة التي فعلها ترامب، وهي حرب اندلعت جزئيًّا عن طريق وسائل الإعلام المتطرفة، ومنظري المؤامرة الذين اكتسبوا شهرة في عهد ترامب، ودفعوا الأفكار الجامحة لتصبح تيارًا سائدًا.

وأضاف الكُتاب أن ترامب – وهو أول رئيس لم يعمل يومًا في وظيفة عامة أو في الجيش- لم يستخدم في البداية مصطلح «الدولة العميقة»، لكن عداءه للحكومة كان قويًّا منذ البداية. وألقى باللائمة على تسرب ما عُرف باسم «ملف ستيل» الخاص بالادعاءات التي لم يُتحقق منها ضده، على وكالات الاستخبارات، ولم يثق أبدًا في استنتاجهم بأن روسيا تدخلت في انتخابات عام 2016 لصالحه. كما غضب من إدارة المتنزهات الوطنية عندما أظهرت الصور الرسمية أن الجمهور الذي حضر حفل تنصيبه كان أقل من جمهور أوباما.

وأشار إلى المسؤولين الذين اختيروا من الوكالات الحكومية للعمل في البيت الأبيض باسم «شعب أوباما». وعندما تسربت نصوص مكالماته الهاتفية مع قادة المكسيك وأستراليا، اقتنع بأنه لا يستطيع الوثوق بالموظفين المهنيين، وبالتالي أخفيت سجلات المكالمات الهاتفية اللاحقة في قاعدة بيانات سرية، بما في ذلك نسخة تقريبية من مكالمته الهاتفية يوم 25 يوليو (تموز) مع الرئيس الأوكراني، والتي أصبحت الآن على وشك التسبب في عزله.

البحث عن غير الموالين

كان ستيفن بانون، كبير الاستراتيجيين في بداية فترة حكم ترامب، والخبير في عالم وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة المؤمنة بوجود المؤامرات، هو أول من حدد شكل الحرب القادمة، إذ أعلن بعد وقت قصير من تنصيب ترامب أن هدف الإدارة سيكون «تفكيك الدولة الإدارية».

وأضاف المقال أن البحث عن عدم الولاء كان واضحًا خاصة في وزارة الخارجية؛ إذ قال دبلوماسيون إن المسؤولين المهنيين مُنعوا إلى حد كبير من الاطلاع على مذكرات المحادثات التي كُتبت بعد تحدث كبار المسؤولين مع الزعماء الأجانب، وكانت هذه المذكرات تستخدم تقليديًّا لمساعدة صغار المسؤولين على إصدار التوجيهات لموظفي السفارات في جميع أنحاء العالم. (أنكر متحدث باسم وزارة الخارجية تقييد الوصول إلى المذكرات).

ستيف بانون

وأشار إلى أنه فيما غادر العديد من الموظفين المهنيين مناصبهم، قاوم بعض ممن بقوا بعض مبادرات ترامب. فبعد أن ألغى الرئيس مناورات حربية كبيرة مع كوريا الجنوبية، واصل الجيش تنفيذها، ولكن على نطاق أصغر ودون التحدث عنها. وخوفًا من أن ينسف ترامب قمة الناتو، تفاوض الدبلوماسيون على اتفاق قبل بدء القمة.

وعندما أمر البيت الأبيض بتجميد مساعدات خارجية هذا العام، تواصل مسؤولو الوكالة بهدوء مع الكونجرس للمساعدة في نقض القرار، بل إعداد قوائم بالبرامج التي ستحرم من التمويل لمساعدة المشرعين في الضغط على الإدارة. وبالمثل، حشد مسؤولو وزارة الخارجية حلفاء في الكونجرس لعرقلة جهود ترامب لدفع مبيعات الأسلحة المقترحة للسعودية ودول أخرى.

كما أوضح وليام تايلور، وهو أكبر دبلوماسي أمريكي في أوكرانيا، لمحققي مجلس النواب، هذا الأسبوع، أنه سعى إلى مقاومة جهود الرئيس للضغط على أوكرانيا للحصول على مساعدة سياسية، والتي عدها «مجنونة» و«غير لائقة». وبالرغم من أن ترامب دفع الرئيس الأوكراني للتوجه إلى شبكة «سي إن إن» للتعهد علنًا بالتحقيق مع الديمقراطيين، فإن السيد تايلور شهد بأنه نصح بهدوء المسؤولين الأوكرانيين بعدم فعل بذلك، خشية التورط في السياسة الداخلية الأمريكية.

«لقد تسببت في أضرار كبيرة»

أكد المقال أن ترامب تبنى لأول مرة مصطلح «الدولة العميقة» في يونيو (حزيران) 2017، عندما أعاد نشر تغريدة شون هانيتي مذيع قناة «فوكس نيوز»، ثم استخدمها لأول مرة على تويتر في نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام، وبدأ في استخدام المصطلح في الخطب ووسائل الإعلام في أغسطس (آب) 2018، وتحول إليه بتزايد مع مرور الوقت؛ إذ أشار إلى «دولة عميقة» 23 مرة حتى الآن هذا العام، أي ضعف عدد مرات العام الماضي.

وفي مقابلة مع مساعده السابق، سيباستيان جوركا، أجُريت قبل صراع المساءلة لكنها نُشرت في صحيفة «ديلي كالر» هذا الشهر، وصف ترامب حربه مع الدولة العميقة بأنها أساسية لرئاسته. وقال «إذا نجح كل ذلك، فسأعده أحد أعظم الأشياء التي قمت بها، أعتقد أنه مع تدمير الدولة العميقة، من المؤكد أنني سأكون قد تسببت في أضرار كبيرة».

واختتم المقال بالقول إن هذا الوضع كان في الماضي، أما الآن فإنه يواجه الهجوم المضاد. ونقل عن مارك زيد، وهو محام عن المُبلغ قوله: إن الموظفين المهنيين الذين عانوا في صمت أصبح لهم صوت أخيرًا، مضيفًا «ما سيعلمه الناس هو أن هذا المستوى من المعارضة مستمر منذ اليوم الأول تقريبًا، في البداية كان نشاطًا منفردًا، ويُقال (استقال هذا الدبلوماسي)، ثم تختفي القصة بعد ثلاث ساعات، ولا يحدث شيء، أما الآن فقد أصبح لهؤلاء الناس منبر، ومكبر صوت أيضًا».

«فورين بوليسي»: لماذا تختلف فضيحة ترامب مع أوكرانيا عن فضيحة التدخل الروسي؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد