نشر موقع ميدل إيست آي البريطاني مقالًا للكاتب المعروف ديفيد هيرست بعنوان «ثمل من السلطة: كيف سيدمر ترامب الشرق الأوسط؟» تناول فيه تداعيات انتهاء التحقيق الخاص حول علاقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدخل روسي في الانتخابات الرئاسية.

واعتبر هيرست في مقاله الذي ترجمه «عربي21» أن «احتمال فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية أقرب من أي وقت مضى»، مضيفا أن «واشنطن لن تكون المكان الوحيد الذي سيشعر بالتغيرات المزلزلة في السلطة التي وقعت هذا الأسبوع».

واعتبر الكاتب البريطاني أن القضية الفلسطينية هي التي ستكون الأكثر تضررًا من نجاة ترامب من تحقيق مولر، وأوضح: «إذا أردت أن تعرف من الذي سيدفع ثمن إعادة شحن ترامب بالطاقة، فاعلم أن الجواب واضح أمامك، إنهم الفلسطينيون».

ترامب يتنفس الصعداء أخيرًا.. ما يجب أن تعرفه عن نتائج تحقيقات مولر

وتابع: «قطعة قطعة، ودونمًا دونمًا، قام ترامب ونتنياهو بتفكيك الدولة الفلسطينية وكل الوسائل التفاوضية التي قد تفضي إلى الحصول عليها»، مضيفًا أن ترامب فعل هذا بينما كان ملاحقًا من المحقق مولر، «فلكم أن تتصوروا ما الذي يمكن أن يفعله ترامب الآن في الشرق الأوسط وقد تحرر من تلك الأغلال التي كان التحقيق يفرضها عليه».

وفيما يلي الترجمة الكاملة لنص المقال:

إذا أردت أن تعرف من الذي سيدفع ثمن إعادة شحن ترامب بالطاقة، فاعلم أنهم الفلسطينيون. انتهى تحقيق المحامي الخاص روبرت مولر بأسوأ طريقة ممكنة بالنسبة لتحالف ضخم من القوى التي كانت تأمل في أن ترى ترامب يغادر، أو على الأقل أن ترى بداية نهاية الرئيس الأمريكي.

بينما تساقطت الثمار المنخفضة، تمكن ترامب وأفراد عائلته من الإفلات من بعض أصعب الأسئلة التي تطوق رقبة رئيس أمريكي أثناء وجوده على رأس عمله.

لم تنته الأسئلة المتعلقة بمحاولات إعاقة العدالة، إلا أن بأس مولر قد وهن وتمكن ترامب من أن يطفو على السطح تاركًا وراءه مطارديه وهم في حالة دفاع عن النفس، وغدا احتمال فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية أشد قربًا من أي وقت مضى.

تغيرات مزلزلة

من المؤكد أن واشنطن لن تكون المكان الوحيد الذي سيشعر بالتغيرات المزلزلة في السلطة التي وقعت هذا الأسبوع. إذا أردت أن تعرف من الذي سيدفع ثمن إعادة شحن ترامب بالطاقة، فاعلم أن الجواب واضح أمامك، إنهم الفلسطينيون. بينما كان آخر المشاهد في دراما مولر يعرض، كان هناك مشهد آخر يتم عرضه بعيدًا عن الأضواء الساطعة.

قدم ترامب مرتفعات الجولان هدية لبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وهي الهدية التي امتنع كافة الرؤساء الأمريكيين السابقين، جمهوريين وديمقراطيين، عن القرب منها، والهدية التي عارضها الاتحاد الأوروبي بكل صرامة.

تم الاستيلاء على مرتفعات الجولان على الحدود السورية في نفس الوقت الذي وقع فيه الاستيلاء على الضفة الغربية. فإذا سمحت لإسرائيل بالاحتفاظ بهذه الأراضي المحتلة فما الذي سيمنعها عن ضم أجزاء من الضفة الغربية أو حتى كلها.

وهي بالضبط النقطة التي عبر عنها لصحفي من جريدة هآرتس واحد من كبار المسؤولين على متن طائرة نتنياهو أثناء العودة من واشنطن، إذ قال: «الجميع يقولون إنه ليس بإمكانك الاحتفاظ بأراض محتلة، ولكن ما حدث يثبت أن بإمكانك أن تفعل ذلك. إذا كانت قد احتلت في حرب دفاعية فقد أصبحت لنا» منطق ترامب في منح الجولان لإسرائيل منطق بسيط، وهو ما بينه في حديثه مع قناة فوكس نيوز.

جاء ذلك مشابهًا لقراره نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، حيث قال: «لقد انهمرت علي المكالمات من كل أنحاء العالم، من القادة، وفي الأغلب قادة يقولون لي نرجوك لا تفعل ذلك، لا تفعل ذلك. ولكني فعلت ذلك، وقد تم الأمر، والأمور على أحسن ما يرام». بمعنى آخر، «تمكنت من فعل ذلك في حالة القدس وبإمكاني فعل ذلك في حالة الجولان، ولن يحدث شيء».

باسم الإله

قطعة قطعة، ودونمًا دونمًا، قام ترامب ونتنياهو بتفكيك الدولة الفلسطينية وكل الوسائل التفاوضية التي قد تفضي إلى الحصول عليها. لقد أوقف ترامب جميع المساهمات الأمريكية لوكالة غوث اللاجئين (الأونروا)، وهي وكالة الأمم المتحدة التي باتت الموظف والمعلم والراعي الرئيسي داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينية.

وسوف يمنع منح تأشيرات دخول للمحامين الذين يعملون مع المحكمة الجنائية الدولية والذين يحققون في جرائم الحرب الإسرائيلية. كما أعلن أن معاداة الصهيونية هي معاداة السامية، ورفع القدس ومرتفعات الجولان عن الطاولة وأعلن أن بإمكان المحتلين الآن الاحتفاظ بالأراضي التي استولوا عليها عنوة. والأدهى من ذلك أن يفعل كل ذلك باسم الإله.

سُئل وزير الخارجية مايك بومبيو هل من الممكن أن يكون قدر الرئيس ترامب هو المساعدة في إنقاذ الدولة اليهودية من الخطر الإيراني؟ أجاب بومبيو الذي كان يزور إسرائيل: «كمسيحي، أعتقد اعتقادًا جازمًا بأن ذلك ممكن».

وأضاف: «كان شيئًا مذهلًا أننا حينما نزلنا إلى الأنفاق تمكنا من رؤية ما كان قبل ثلاثة آلاف سنة، ما قبل ألفي سنة. حينما يكون ما لدي من تاريخ هو التاريخ الصحيح، أن أتمكن من رؤية التاريخ المذهل للعقيدة في هذا المكان وما قامت به إدارتنا من عمل لضمان بقاء هذه الديمقراطية في الشرق الأوسط، هذه الدولة اليهودية».

وخلص بومبيو إلى القول: «أنا على يقين بأن ذلك من عمل الرب هنا».

تفويض جديد

هذا ما فعله ترامب بينما كان ملاحقًا من قبل المحقق مولر، فلكم أن تتصوروا ما الذي يمكن أن يفعله ترامب الآن في الشرق الأوسط وقد تحرر من تلك الأغلال التي كان التحقيق يفرضها عليه. كيف سيكون بالنسبة للفلسطينيين شكل التفويض الجديد الذي سيكتسبه كل من ترامب ونتنياهو فيما لو أعيد انتخابه؟

أول هدف سيتم السعي لتحقيقه في هذه الحرب المتواصلة هو ضم المناطق جيم، والتي يتواجد فيها معظم المستوطنين وتشكل 61% من أراضي الضفة الغربية. أما الهدف الثاني فسيكون فرض خلف مطواع للمتهالك محمود عباس. وأما الهدف الثالث فسيكون شن هجوم عسكري على غزة للقضاء على حماس قضاء مبرمًا.

يقوم ترامب بكل ذلك بينما يقف حكام الدول العربية المدعومون من قبل الغرب ليصفقوا له ويشجعوه ويثنوا على أفعاله.

من الواضح أن الجيل الجديد من الزعماء العرب -محمد بن سلمان ولي عهد السعودية ومحمد بن زايد ولي عهد أبوظبي وعبد الفتاح السيسي في مصر- وضعوا علاقاتهم التجارية والأمنية مع إسرائيل فوق ما كان قد تعهد به أسلافهم من القيام بحماية الفلسطينيين والقتال في سبيلهم.

بل لقد توقفوا حتى عن التظاهر بالإبقاء على مقاطعتهم للدولة التي ينتظر أن يعلنوا اعترافهم بحقها في الوجود بمجرد التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين.

وكلهم يلتزمون الصمت إزاء ما وقع من تدمير لمطالب الفلسطينيين في هذا الصراع.

ترامب ثمل من السلطة

لقد بات الفلسطينيون وحدهم، في الوقت الذي جمع فيه ترامب ونتنياهو، الزعيمان الأكثر تدميرًا في الشرق الأوسط، في أيديهما من السلطات والنفوذ حد الثمل. ومن كان في حالة من الثمل لا يملك القدرة على الإحساس بالأخطار التي تبدو واضحة لعيان من كان في حالة ذهنية سليمة.

في الفترة من 1948 إلى 1965 ظل الفلسطينيون مغيبين في الصراع مع إسرائيل، فلم تكن لهم قيادات تمثلهم. ثم ما لبثوا أن شكلوا حركة مقاومة شملت فتح وغيرها من المجموعات، وهي المقاومة التي وحدت العالم العربي وهيمنت عليه لما يقرب من ثلاثة عقود.

عدم فعل شيء لا يعني الخضوع، وغياب قيادة فلسطينية اليوم قادرة على كسب الحقوق واستعادة الأراضي لشعب يرزح تحت الاحتلال لا يعني الاستسلام. لم تنته اللعبة بعد.

من الملفت للنظر أن العلم الآخر الوحيد الذي يشاهد مرفوعًا في بحور من المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية في الجزائر هو العلم الفلسطيني. لم تزل دولة إسرائيل على نفس الوضع من الكراهية في نفوس الجماهير العربية التي تمقتها وتخشاها في نفس الوقت، وبات الزعماء العرب المتآكلة شرعيتهم يعتمدون في وجودهم على إسرائيل أكثر من أي وقت مضى.

ولعل موجة جديدة من الربيع العربي، كالتي نشاهدها الآن في الجزائر، تسهم في تغيير ذلك الواقع. لن يظل عاجزًا صامتًا هذا الكم الهائل من الرأي العام العربي المنبوذ والمقموع من قبل الحكام. بل سيبدأ بالتحرك في اتجاهات أخرى. أوروبا لا تعي ما يجري لانهماكها في أزماتها والتفكير في مصيرها، أما روسيا فهي خارج اللعبة.

الحرب القادمة

وهذا يبقي قوتين إقليميتين لديهما القدرة على إبقاء الشعلة الفلسطينية مضيئة: تركيا وإيران. ينوي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الآن تحويل أيا صوفيا في إسطنبول إلى مسجد، وذلك ردًا على اعتراف ترامب بادعاءات إسرائيل بشأن القدس ومرتفعات الجولان.

كانت أيا صوفيا قد شيدت في الأساس كاتدرائية على يدي الإمبراطور البيزنطي جوستينيان، ثم حولت إلى مسجد بعد الفتح العثماني لإسطنبول، وبعد ذلك حولت إلى متحف من قبل كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة.

تؤشر هذه الحركة إلى أن الآخرين بإمكانهم أيضًا أن يمارسوا لعبة تغيير وتبديل وتحريك الأثاث الديني في منطقة بالغة الحساسية. وكان أردوغان قد قال: «يسعى ترامب الآن إلى إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وها هو يمنح مرتفعات الجولان للمحتل الإسرائيلي. بالطبع سوف تحصلون على رد من تركيا».

مثله مثل جورج بوش من قبله، يجهل ترامب جهلًا مدقعًا كيفية سير الأمور في الشرق الأوسط، حيث تتمدد إيران كقوة إقليمية لتملأ الفراغ الذي نجم عن سوء تصرف وسوء حسابات الدول الغربية والتي وصلت أخيرًا إلى الانسحاب. وكل ما تحتاج إيران لفعله الآن هو الانتظار إلى أن تقع الهدية في حضنها.

يقوم قاسم سليماني، المندوب الإيراني الأكثر فعالية في المنطقة، بالاجتماع بكل واحدة من المجموعات والشخصيات السياسية العربية التي يتمكن من الوصول إليها، من العراقيين والمصريين والسوريين والفلسطينيين. جميع أولئك الذين حاربوا إيران وحزب الله بشراسة في سوريا يجدون الآن أذنًا صاغية ومحاورًا جديدًا في شخص هذا الرجل.

ما يفعله ترامب ونتنياهو لا يرقى إلى الفتوحات في الشرق الأوسط ولكنه قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات فيه تمهيدًا للحرب القادمة والوشيكة الوقوع. وإسرائيل التي تشعر بأن يديها مطلقتان تفعل ما تريد هي آخر قوة على وجه المعمورة لديها القدرة على الإبصار بوضوح ورؤية الضرر الذي تسببه وما تخلقه من أجيال متعاقبة من الصراع.

ما من شك في أن الفائز ينال كل شيء، ولكن ليس بالطريقة التي يتصورها الآن.

لو قامت حرب على غزة الآن.. هل تستطيع «حماس» الصمود؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد