تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هذا العام أكبر موجة احتجاجية جماهيرية منذ «الربيع العربي»؛ ما أدى إلى إطاحة الديكتاتور العسكري المتهم بارتكاب جرائم حرب في السودان، عمر البشير، واستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وتحدي حكم الرؤساء في الجزائر، ومصر، والأردن، والعراق.

تحت عنوان «ترامب للمحتجين العرب: أقف مع حكامكم وليس معكم»، انتقدت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية – في تقرير لكبير محرريها للشؤون الدبلوماسية كولام لينش- موقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاحتجاجات التي تجتاح دولًا عربية من العراق إلى لبنان مرورًا بمصر، إذ تبعث الولايات المتحدة إشارات قوية مفادها أنها لم تعد تهتم كثيرًا بتشجيع الديمقراطية، ما لم تكن الاحتجاجات ضد إيران.

البيت الأبيض غير مبالٍ بالمحتجين العرب

وبينما عبَّرت وزارة الخارجية الأمريكية عن دعم متحفظ للمحتجين العرب، فإن النقاد والمسؤولين الأمريكيين السابقين يقولون إن البيت الأبيض ظل غير مبالٍ إلى حد كبير؛ ما يثير الشكوك حول مدى التزام الإدارة الأمريكية بالوقوف إلى جانب طموحات المحتجين.

دونالد ترامب

ويرى بعض المراقبين أن صمت الرئيس ترامب بمثابة «خيانة» لدور أمريكا التقليدي كمصدر إلهام للديمقراطية في الخارج، لكن آخرين يرون أنه من الأفضل للمحتجين أن يبقى البيت الأبيض بمنأى عن التدخل في شؤونهم، فلطالما أفسدت واشنطن بشكل سافر الجهود الرامية إلى تعزيز الديمقراطية في العالم العربي، لا سيما في العراق.

ونقلت مجلة «فورين بوليسي» عن وزير الخارجية الأردني الأسبق مروان المعشر قوله: «من الأفضل أن يكف الأمريكيون عن التصريح بأي شيء».

ترامب ينحاز للحكام المستبدين

ومع ذلك، فقد ذهب ترامب في الاتجاه المعاكس أكثر من مجرد التزامه الصمت، فانحاز بوضوح إلى حكام المنطقة المستبدين، تاركًا مهمة تشجيع المحتجين بشكل طفيف لصغار الموظفين في إدارته.

وعندما طُلب منه هذا الخريف التعليق على أعنف حملة قمع ضد المحتجين في مصر منذ «الربيع العربي»، قدَّم الرئيس الأمريكي دعمًا غير مشروط لزعيم البلاد -الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي- الذي وصفه ترامب ذات مرة بـ«ديكتاتوري المفضل».

وقال ترامب، عقب لقائه السيسي في سبتمبر (أيلول) الماضي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة: «لست قلقًا من المظاهرات؛ فمصر لديها قائد عظيم يتمتع باحترام كبير؛ والجميع لديهم مظاهرات».

ورأت المجلة أن تجاهل ترامب الواضح لتطلعات الناس في الشرق الأوسط للديمقراطية ربما لم يكن مفاجئًا؛ لأنه يأتي من رئيس ظل يشكك في شرعية المؤسسات الديمقراطية الرئيسية التي تهاجمه في الداخل، بما في ذلك المحاكم والصحافة والكونجرس.

وقال توماس كاروذرس الخبير في مجال تعزيز الديمقراطية بمؤسسة «كارنيجي» للسلام الدولي: «لم تعرف الولايات المتحدة في تاريخها رئيسًا يبدي للعالم نزوات وأفعالًا معادية للديمقراطية تتوافق تمامًا مع الخطط التي يتبعها الطغاة»؛ ومع ذلك، يمثل احتضان ترامب العلني للحكام المستبدين خروجًا حادًّا عن أسلافه، الذين ربما تعلَّموا أن يتطلعوا عاليًا، وأن يتعاملوا مع المستبدين الأجانب، لكنهم نادوا بقيم الحكم الديمقراطي في العلن.

وقال حسين إيبيش كبير الباحثين المقيمين بمعهد «دول الخليج العربي» في واشنطن، في إشارة إلى جهود ترامب لإخضاع المؤسسات الدستورية لرغبته: «بعد أبراهام لينكولن، هذه هي المرة الأولى التي يصبح فيها للولايات المتحدة رئيس ليس متعسفًا فحسب، بل له نزعات ديكتاتورية أيضًا؛ إذ إن ترامب لديه قواسم مشتركة مع السيسي، ومع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أكثر من أي رئيس أمريكي سابق».

آراء ترامب تتعارض مع آراء أسلافه

وذكرت مجلة «فورين بوليسي» أن آراء ترامب حول الترويج للديمقراطية في أماكن أخرى من العالم تتناقض تناقضًا حادًّا مع آراء أسلافه، بمن فيهم الرئيس السابق باراك أوباما؛ فقبل اندلاع ثورات «الربيع العربي»، عبَّر أوباما عن تعاطفه مع محنة أولئك الذين يتوقون إلى الحرية السياسية في منطقة الشرق الأوسط التي يسيطر عليها المستبدون.

وفي خطاب ألقاه في القاهرة في 4 يونيو (حزيران) 2009، شدد أوباما على «ضرورة أن يمارس الحكام العرب سلطاتهم من خلال التوافق في الرأي، وليس عن طريق الإكراه»، لكنه لاحقًا بعد عام ونصف العام رد بحذر على الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت المنطقة، بدءًا من تونس؛ فلقد دعم أوباما الحركة الاحتجاجية علنًا؛ إذ كانت المصالح الأمريكية هناك ضئيلة، وحيث أسفرت الحركة عن تغيير سريع وغير دموي للحكومة.

لقد قارن أوباما بائع الفواكه التونسي محمد البوعزيزي -الذي أطلق شرارة «الربيع العربي» بإشعال النار في نفسه احتجاجًا على إساءة الشرطة- مع أبطال الديمقراطية الأمريكيين مثل المستعمرين الذين ألقوا مئات الصناديق من الشاي في ميناء بوسطن في القرن الثامن عشر احتجاجًا على الضرائب البريطانية المفرطة، ومثل روزا باركس الناشطة في مجال الحقوق المدنية التي أطلقت حملة «مقاطعة حافلات مونتغومري» بولاية ألاباما، من خلال تحدي طلب ركوب الأمريكيين من أصل أفريقي في الجزء الخلفي من الحافلات.

ورغم ذلك، كان أوباما مرتبكًا حيال مصر، إذ أحجم عن دعم الحركة الاحتجاجية في البداية، ثم انقلب على الرئيس المصري حينئذٍ محمد حسني مبارك، في خضم تفاقم أعمال العنف، واقتراب المتظاهرين من كسب المعركة؛ وهو ما مهد الطريق لانتخاب الرئيس الراحل محمد مرسي، المنتمي لجماعة «الإخوان المسلمين»؛ «فلم يقف أوباما مع المحتجين استجابةً لمطالبهم»، وفقًا لحسين إيبيش.

ومع ذلك، كان تخلي أوباما عن الحليف القوي للولايات المتحدة في المنطقة -إلى جانب جهوده للتفاوض على عقد صفقة نووية مع إيران- يُعد «خيانة» في نظر بعض الحلفاء الإقليميين، لا سيما المملكة العربية السعودية، التي بدأت تشكك في التزام واشنطن بالدفاع عن حلفائها الإقليميين القدامى.

كما واجه أوباما انتقادات؛ لبقائه هادئًا إلى حد كبير في الأيام الأولى للاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اجتاحت إيران في عام 2009، وهي لحظة سياسية حرجة للنظام الإيراني؛ فيما قال خصومه السياسيون الجمهوريون لاحقًا إن صمته أيَّد شرعية النظام، وساهم في فشل الانتفاضة.

ترامب يسير عكس اتجاه أوباما

وبعد انتخابه، تحرك ترامب سريعًا لاستعادة العلاقات مع السعودية ومصر، حيث أدى الانقلاب العسكري على مرسي إلى انتخاب قائد الجيش والمخابرات السابق عبد الفتاح السيسي رئيسًا لمصر، وقضى ترامب أيضًا على أي إيهام بأن الولايات المتحدة تتوقع من المستبدين الأصدقاء أن يتبنوا الديمقراطية.

كما وضعت إدارة ترامب أموالها في مكانها الصحيح؛ إذ يقول النقاد إن البيت الأبيض حاول إما وقف تمويل مبادرات الديمقراطية الأجنبية، وإما تقليصها أو إهمال المكاتب التي تتعامل مع قضايا الديمقراطية والحكم في جميع أنحاء العالم.

وقالت فرانسيس براون، المديرة السابقة للديمقراطية في مجلس الأمن القومي الأمريكي في عهد كلٍ من أوباما وترامب، حتى تركت منصبها عام 2017: «اتخذ البيت الأبيض بعض الخطوات الملموسة خلال العامين ونصف الماضيين، التي قلَّصت بشكل فعال دعم الديمقراطية؛ لم نر البيت الأبيض يلعب هذا النوع من الدور التنظيمي بين الوكالات في العديد من العمليات السياسية».

أوباما وترامب

الديمقراطية لم تعد أولوية لدى البيت الأبيض

وبعد تولي ترامب منصبه، تخلَّص البيت الأبيض من هيئة مجلس الأمن القومي للديمقراطية والتنمية والمساعدة الإنسانية؛ وهو ما خلق فجوة في البيت الأبيض حول تنسيق تعزيز الديمقراطية عبر الوكالات الفيدرالية؛ ويقول المسؤولون السابقون إن هذا يعكس كيف أن الإدارة الأمريكية لا تعطي الأولوية لهذه القضايا كما فعلت الإدارات السابقة؛ لكن آخرين يرفضون هذه الانتقادات، ويرون أن مجلس الأمن القومي ما يزال لديه موظفون يركزون على الديمقراطية والحكم، غير أن هذا الملف أُدمج ببساطة في هيئة أخرى جزءًا من جهود الإدارة الأمريكية لتقليص حجم مجلس الأمن القومي وتفعيله.

وفي عام 2017، بدأ مسؤولو مجلس الأمن القومي الأمريكي -تحت حكم ترامب- في تطوير استراتيجية مشتركة بين الوكالات حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم؛ كانت الاستراتيجية ستوفر التوجيه للوكالات الفيدرالية حول كيفية دمج تعزيز الديمقراطية في عملها اليومي، وأعلنت للجمهور الأمريكي والدول الأخرى أولوياتها المتعلقة بتعزيز الديمقراطية؛ لكن هذه الاستراتيجية توقفت في ربيع عام 2018 وصيفه -كما يقول مسؤولون سابقون- وسط تغييرات في الموظفين على أعلى المستويات في البيت الأبيض، عندما استقال اللفتنانت جنرال هربرت ريموند مكماستر كمستشار للأمن القومي الأمريكي، وتولى جون بولتون منصبه.

ونقلت مجلة «فورين بوليسي» عن شخص على دراية بالأمر قوله إن الاستراتيجية ما تزال تُقرأ على مستويات عالية، وعلى الرغم من أنها لم تصدر رسميًّا مطلقًا، فإن وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والوكالات الأخرى ما تزال تعتمد على الوثيقة لتوجيه أعمالها.

وفي وزارة الخارجية الأمريكية، ظل أحد المناصب العليا التي تتعامل مع ملف حقوق الإنسان -مساعد وزير الخارجية لمكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل- فارغًا لأكثر من عامين ونصف العام؛ وقالت فرانسيس براون: «هذا يرمز بوضوح إلى أنهم لا يعدون هذا الأمر أولوية».

وشغل روبرت ديسترو -أستاذ القانون والمحامي في مجال حقوق الإنسان- المنصب بعد أن أقره مجلس الشيوخ الأمريكي في سبتمبر (أيلول)، ومن ثم ظهرت مشكلة التمويل؛ فبالنسبة للميزانيات الفيدرالية للسنة المالية 2018 و2019، اقترح البيت الأبيض تخفيضات للبرامج التي تعزز الديمقراطية بنسبة 40%، وهي الجهود التي منعها الكونجرس.

وقال توماس كاروذرس: «ما تزال الحكومة الأمريكية منخرطة في دعم الديمقراطية على مستوى السياسة؛ فالأمر لم يتغير، لكن الجهد يفتقر لوسائل إنجازه من القيادة العليا».

وقال تيم ريزر، مساعد السياسة الخارجية للسيناتور باتريك ليهي، نائب رئيس لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ الأمريكي: «كان نهج البيت الأبيض لتعزيز الديمقراطية عامة يتمثل في خفض التمويل لتلك البرامج بشكل كبير».

وأضاف ريزر: «في مصر -على سبيل المثال- كانت الرسالة الوحيدة التي سمعناها من الإدارة هي: السيسي قائد عظيم؛ فالمسؤولون الأمريكيون لم يجعلوا الديمقراطية أو حقوق الإنسان أولوية، وحسب علمنا، لم يعبروا عن تأييدهم للمصريين الذين يحتجون من أجل الديمقراطية؛ وهناك أشخاص في كل من وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية يرغبون في الانخراط مع المجتمع المدني وتعزيز الديمقراطية، لكنهم مقيدون بالبيت الأبيض الذي له أولويات أخرى».

ورأت المجلة أن كل هذا يمثل تغييرًا جذريًّا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة في أعقاب الغزو الأمريكي الكارثي للعراق في عام 2003، وفشل الحركات الديمقراطية السابقة في العالم العربي؛ وعلى كل حال، فقد ترسخت جهود تعزيز الديمقراطية في السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما ساعدت الولايات المتحدة في تعزيز الحكومات الديمقراطية في ألمانيا واليابان.

تعزيز الديمقراطية في الخارج

لقد تبنى الرؤساء جيمي كارتر، ورونالد ريجان، وجورج هربرت والكر بوش، وبيل كلينتون، وجورج والكر بوش هدف الترويج للديمقراطية في الخارج، وإن كان ذلك غالبًا بغايات مختلفة ومتناقضة، على سبيل المثال النهوض بحقوق الإنسان، أو مكافحة الشيوعية، أو توسيع النفوذ الأمريكي، أو مكافحة الإرهاب.

وأنفق الكونجرس أكثر من ملياري دولار سنويًّا على مدى العقد الماضي لتدعيم المؤسسات الديمقراطية، بما في ذلك المؤسسات القانونية والانتخابية، وكذلك لتعزيز حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي؛ وتواصل وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والمنظمات المموَّلة من الحكومة، مثل المؤسسة الوطنية للديمقراطية، دعم الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.

ومع ذلك، فإن سجل الولايات المتحدة بوصفها منارة الديمقراطية في العالم هو في عمومه مزيج من النجاح والفشل؛ فخلال الحرب الباردة، أطاحت الولايات المتحدة حكومات منتخبة ديمقراطيًّا في تشيلي، وجواتيمالا، وإيران، وكانت دائمًا على استعداد لالتزام الصمت في وجه انتهاكات الحكومات الصديقة، بحسب مجلة «فورين بوليسي».

معايير مزدوجة للديمقراطية في العالم العربي

لقد كانت الولايات المتحدة مروِّجًا متناقضًا للديمقراطية في العالم العربي بشكل خاص، حيث دفعت قادة المنطقة بلطف نحو حكم أكثر انفتاحًا، بينما تشعر بالرضا عن علاقاتها الدبلوماسية مع الحكام والملوك المستبدين منذ زمن بعيد في هذه المنطقة الحيوية، طبقًا للمجلة.

وقد تأججت موجة الاحتجاجات الحالية ضد السيسي والقادة الإقليميين الآخرين، مدفوعة بالعديد من القضايا ذاتها التي أشعلت ثورات «الربيع العربي»، والمتمثلة في: ارتفاع تكاليف المعيشة، وارتفاع معدلات البطالة، والاستياء من الزعماء الفاسدين الراسخين في الحكم، على الرغم من أن احتجاجات كل دولة تنبع من أحداث تاريخية وظروف سياسية فريدة من نوعها؛ ففي حالة لبنان، اندلعت الاحتجاجات عقب فرض ضريبة مقترحة على المكالمات التي تُجرى باستخدام خدمات المراسلة مثل «واتساب»، وهي أداة حيوية للاتصالات الرخيصة والآمنة.

وأصر أحد كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية على أن «الولايات المتحدة لم تغيِّر موقفها المتمثل في دعم أمن واستقرار وسيادة شركائنا في الشرق الأوسط؛ فنحن نرفض العنف، وندعم حق المواطنين في التظاهر بسلام؛ لقد طالبنا القادة الإقليميين علنًا وسرًا بالاستجابة لاحتياجات مواطنيهم».

ورغم ذلك، فوّض البيت الأبيض إلى حد كبير رد الولايات المتحدة للأجهزة البيروقراطية، لا سيما وزارة الخارجية؛ ففي تصريحات للصحافة يوم الثلاثاء، عبَّر ديفيد شينكر مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى عن مخاوفه بشأن حقوق الإنسان في مصر، قائلًا إنه أبرز -وسيواصل- التأكيد على المستويات العليا على الأهمية الجوهرية لاحترام حقوق الإنسان والحريات العالمية، والحاجة إلى مجتمع مدني قوي في البلاد، بيد أن شينكر لم يصل إلى حد انتقاد الحكومة المصرية.

وفي العراق، أثار شينكر مشكلة حملة الحكومة العراقية على وسائل الإعلام التي تغطي الاحتجاجات، قائلًا: «إن حرية الصحافة متأصلة في الإصلاح الديمقراطي، ونحن نشعر بقلق عميق إزاء الإغلاق القسري للوسائط الإعلامية، والضغط لفرض رقابة على النشاط الصحافي المتعلق بالاحتجاجات».

وأخيرًا، حثَّ ديفيد شينكر القادة السياسيين في لبنان -حيث أعلن رئيس الوزراء سعد الحريري تقديم استقالته إثر احتجاجات على فساد الحكومة- على «الاستجابة لمطالب الشعب اللبناني التي طال أمدها بالإصلاح الاقتصادي، ووضع حد للفساد المستشري في البلاد»؛ فما تزال إدارة الرئيس ترامب تشعر بالقلق من القوة السياسية لجماعة «حزب الله» في أعقاب رحيل الحريري.

وفي أماكن أخرى، قدَّم بعض مسؤولي إدارة ترامب دعمًا متحفظًا للاحتجاجات، لكن هذا بالكاد يشكِّل سياسة ثابتة؛ ففي السودان، حيث أطاحت الاحتجاجات الجماهيرية هذا العام الرئيس عمر البشير، الديكتاتور العسكري الذي قدَّم ذات يوم ملاذًا آمنًا لمؤسس تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، كتب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي آنذاك جون بولتون، تغريدات على موقع التدوينات القصيرة «تويتر» تشجع المحتجين الذين أسقطوه.

وكتب بولتون في يونيو -بعد حوالي شهرين من سقوط البشير- على «تويتر» قائلًا: «العنف غير المبرر من جانب قوات الأمن السودانية ضد المتظاهرين المسالمين في الخرطوم لهو أمر بغيض؛ يجب على الحكومة الانتقالية في السودان أن تحترم الحق في التظاهر السلمي والانتقال السريع إلى حكومة مدنية، وهو ما طالب به الشعب السوداني بحق».

علاوة على ذلك، اتخذ البيت الأبيض «نهج الاستقلالية» تجاه الحركة الاحتجاجية؛ وقال كاميرون هدسون المسؤول السابق بوزارة الخارجية والمسؤول بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، الذي عمل على السياسة السودانية لعقود إن مجلس الأمن القومي لم يعقد مطلقًا اجتماعًا لكبار المسؤولين لتحديد مسار السياسة الأمريكية ردًّا على الأزمة في السودان؛ وهو ما تركها إلى حد كبير للمسؤولين العموميين في وزارة الخارجية.

وردًّا على الانتقادات لسياسة الحكومة في السودان، قال مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية: «تؤيد الحكومة الأمريكية تمامًا حكومة السودان التي يقودها مدنيون».

السودان

KHARTOUM, SUDAN – MAY 06: Sudanese demonstrators attend the ongoing protests demanding a civilian transition government in front of military headquarters, on the first day of Holy month of Ramadan in Khartoum, Sudan on May 06, 2019.
(Photo by Mahmoud Hjaj/Anadolu Agency/Getty Images)

نهج «ننتظر ونرى»

ومع ذلك، يتناقض نهج ترامب «ننتظر ونرى» مع نهج إدارة أوباما لإدارة الأزمات، الذي ينطوي على «القيام بدور أكثر نشاطًا في محاولة تشكيل النتائج»، وفقًا لكاميرون هدسون، وهو حاليًا أحد كبار الباحثين غير المقيمين في مركز أفريقيا التابع للمجلس الأطلسي.

وأضاف هدسون: «في حالة السودان، ربما يكون النهج الأمريكي المستقل هو الأفضل؛ فهناك لحظات يمكن فيها للتدخل الأمريكي القوي أن يؤثر في الاحتجاجات؛ أعتقد أن شأن الحركة الاحتجاجية في السودان كان محليًّا للغاية، ولم تكن لها أي مظاهر للتدخل أو التلاعب الأجنبي؛ وهو ما عزز مصداقية الحركة الاحتجاجية».

وتابع هدسون: «يمكنك القول إنه لو كانت الولايات المتحدة منخرطة بفعالية أكثر في محاولة تغيير النتيجة أو تشكيلها، لكانت قوَّضت مصداقية اللحظة؛ لن أصدق أن إدارة ترامب أخذت هذا الحساب الاستراتيجي بعين الاعتبار».

إيران وتشكيل نتائج الحركات الاحتجاجية في المنطقة

ورأت مجلة «فورين بوليسي» أنه في الشرق الأوسط، يبدو أن إيران -وليست الولايات المتحدة- ملتزمة أكثر بتشكيل نتائج الحركات الاحتجاجية؛ ففي حين أن الاحتجاجات اندلعت إلى حد كبير بسبب المظالم المحلية، سعت إيران وميليشياتها الإقليمية الرئيسية «حزب الله» إلى إلقاء اللوم على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في إثارة الاحتجاجات، التي تمثل تهديدًا لوضعها في المنطقة.

وفي يوم الأربعاء، ادعى المرشد الأعلى لإيران آية الله علي خامنئي أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والغربية «تثير الفوضى» في لبنان والعراق، حيث نفَّس المتظاهرون عن غضبهم إزاء النفوذ الإيراني في بلادهم.

ورد أحد كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية بأن طهران كانت السبب بشكلٍ ما، قائلًا: «إن الاحتجاجات الأخيرة في المنطقة ناتجة من الافتقار إلى الفرص الاقتصادية والفساد المستشري، اللذين يتفاقمان بفعل الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في حالتي العراق ولبنان».

وسواء كان ذلك صحيحًا أم لا، يظل من الواضح بشكل متزايد أن إيران تلعب دورًا في محاولة قمع الاحتجاجات؛ ووفقًا لتقرير صادر عن وكالة «أسوشيتيد برس» الأمريكية للأنباء، فإن اللواء قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» -وهو وحدة النخبة في الحرس الثوري الإيراني التي تنسق العمليات مع الميليشيات العميلة الشيعية- يقود حملة قمع المحتجين في العراق.

كيف تمنع الانقلابات وكيف تواجهها إذا وقعت؟ دليل مواجهة الاستبداد العسكري بالسلطة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد