في بدايات ديسمبر (كانون الأول) من عام 1805، تلقى عدد من السياسيين البارزين دعوة من الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، لحفل عشاء بالبيت الأبيض، وهو ما كان حدثًا غير معتاد، إذ كانت عادة جيفرسون دعوة السياسيين للعشاء في البيت الأبيض عند الساعة الثالثة والنصف عصرًا، أي بعد انتهاء الجلسات التشريعية، ولكن في هذا اليوم – التاسع من ديسمبر (كانون الأول) – كان العشاء مختلفًا.

ما فعله تيلرسون وترامب هذا العام يبدو تناقضًا واضحًا لاتجاهات إدارة أوباما، والذي أصدر بيانًا مطولًا للتهنئة بالعيد العام الماضي، بالإضافة لمخالفة ذلك للاحتفالات المتبعة في البيت الأبيض على مدار 20 عامًا.

كُتِب في الدعوات التي أُرسِلت للسياسيين «العشاء اليوم سيكون وقت غروب الشمس بالضبط». كانت المناسبة هي حضور مبعوث تونسي للولايات المتحدة، وهو سيدي سليمان مليملي، والذي وصل إلى البلاد قبل أسبوع من ذلك التاريخ، في الوقت الذي كانت تمر فيه الولايات المتحدة بما يعرف بـ«حرب الساحل البربري».

لماذا تأخر العشاء؟

الرئيس الأمريكي والأب المؤسس للولايات المتحدة توماس جيفرسون

بحسب تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، كان سبب تأخير العشاء عن المعتاد هو أن مليملي كان صائمًا، وأن جيفرسون أرد احترام طقوس مليملي الرمضانية، وهو الفعل الذي كان محل نقاش كبير على مدار الفترات التي أعقبت حكم جيفرسون، إلا أن المؤرخين يوثقون ذلك باعتباره أول إفطار في تاريخ البيت الأبيض، واعتُبِر احترامًا من الأب المؤسس للولايات المتحدة للحرية الدينية حتى اليوم.

في الوقت نفسه، يرى معتنقو الفكر اليميني المتطرف في الولايات المتحدة أنه من الخطأ تسمية العشاء الذي نظمه جيفرسون بالإفطار. وبغض النظر عما كان يراه جيفرسون لمستقبل الدولة الشابة حينها، يبدو أن البيت الأبيض في وقتنا هذا لم يعد يلقي بالًا بمثل هذه الاحتفالات سواء برمضان أو بالعيد، ليضع نهاية لسنوات من اتباع ذلك العرف.

بدأ شهر رمضان الجاري في 27 من مايو (أيار) هذا العام، بينما انتهى مساء أمس – السبت – حيث يحتفل أغلب المسلمين بأول أيام عيد الفطر الأحد. ولأول مرة منذ عشرين عامًا، مر رمضان بأكمله دون أن يُنظم البيت الأبيض أي حدث يرتبط به أو بعيد الفطر، بخلاف ما حدث أثناء إدارة كلينتون وبوش وأوباما.

اقرأ أيضًا: 5 أشياء مثيرة يؤمن بها ترامب عن المسلمين

ترامب يكسر تقاليد البيت الأبيض

 

في الأسابيع الأخيرة، صرح عدد من العاملين السابقين في البيت الأبيض لصحيفة واشنطن بوست بأنه قد جرت العادة بالتحضير للإفطار في البيت الأبيض قبل شهور من بداية رمضان، وأنه لم يتوقعوا أن يُغير ترامب من ذلك التقليد.

في المقابل، رفض مسئولو البيت الأبيض طلبات متكررة من الصحافة للتعليق على الأمر، في حين اكتفوا بإطلاق بيان مقتضب مساء السبت الماضي من ترامب والسيدة الأولى حول الأمر، ذُكِر فيه «انضم مسلمو الولايات المتحدة إلى أقرانهم حول العالم خلال شهر رمضان ساعين للتركيز على الأعمال الصالحة والجوانب الإيمانية».

وأضاف البيان «والآن يحتفلون بالعيد مع عائلاتهم وأصدقائهم، ويواصلون عاداتهم في مساعدة جيرانهم وتقاسم الطعام مع الآخرين من كل الأجناس. خلال تلك العطلة، نتذكر جميعًا أهمية الرحمة والتعاطف والنية الحسنة. تجدد الولايات المتحدة عهدها مع المسلمين حول العالم بتكريم تلك القيم. عيد مبارك».

وكان وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون قد صرح في نهاية مايو (أيار) الماضي أن وزارة الخارجية ربما تكسر عادتها باستضافة إفطار رمضاني، وهو التقليد الذي حافظت عليه الوزارة على مدار 20 عامًا، كما أطلق تصريحًا مقتضبًا السبت الماضي تضمن تهنئة للمسلمين بعيد الفطر.

بحسب التقرير، فإن ما فعله تيلرسون وترامب هذا العام يبدو تناقضًا واضحًا لاتجاهات إدارة أوباما، والذي أصدر بيانًا مطولًا للتهنئة بالعيد العام الماضي، بالإضافة لمخالفة ذلك للاحتفالات المتبعة في البيت الأبيض على مدار 20 عامًا.

يضيف التقرير أن الجدل حول ما إذا كان الرئيس الأسبق والأب المؤسس للولايات المتحدة جيفرسون كان يعني عقد إفطار في البيت الأبيض لدى وجود مليملي أم لا، فإن ذلك الأمر قد حُسِم من خلال مُذكرات الرئيس التالي له جون كوينسي أدامز، والموجودة بجامعة برينستون، إذ ذكر فيه أن ذلك العشاء عُقِد تحديدًا مع غروب الشمس تماشيًا مع تقليد ديني للمبعوث التونسي وللمسلمين بالصيام أثناء وجود الشمس.

وصف جون كوينسي أدامز أيضًا المليملي بأوصاف حسنة، وبأنه كان مبتسمًا ومتعطرًا ذا لحية طويلة، بينما تضمنت المذكرات أيضًا الطعام الذي تضمنه العشاء نفسه. يضيف التقرير أن جيفرسون ربما لم يكن يدري أن تغييره لموعد العشاء احترامًا لمليملي سيمثل نقطة تحول ثقافية على مدار الـ200 عام التالية من تاريخ الولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا: من روسيا إلى السويد.. رحلة «ساسة بوست» مع المسلمين الصائمين في أوروبا 

تاريخ أمريكي جديد مع المسلمين

منذ عام 1996، بدأ تقليد حديث في البيت الأبيض باستضافة إفطار مفتوح أو احتفال بالعيد، وتحديدًا مع قيام السيدة الأولى حينها – هيلاري كلينتون – باستضافة أكثر من 150 شخصًا للاحتفال بعيد الفطر مع نهاية رمضان. في ذلك الحين، ذكرت كلينتون أن الفضل في هذا الأمر يرجع لابنتها تشيلسي والتي درست التاريخ الإسلامي قبل ذلك في المدرسة، وأخبرتها ببعض المعلومات حول الإسلام.

استمر ذلك التقليد في عهد بوش، والذي واظب على استضافة إفطار بالبيت الأبيض سنويًا خلال فترتي حكمه، بما في ذلك رمضان الذي أعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، وهي الفترة التي شهدت حالة من الغضب لدى الأمريكيين تجاه الدين الإسلامي، بل وأكد بوش خلال ذلك الإفطار أن الولايات المتحدة تحارب الإسلام وليس الإرهاب، وأن الولايات المتحدة دولة تقوم بالأساس على التعدد.

منذ عام 1996، بدأ تقليد حديث في البيت الأبيض باستضافة إفطار مفتوح أو احتفال بالعيد، وتحديدًا مع قيام السيدة الأولى حينها – هيلاري كلينتون – باستضافة أكثر من 150 شخصًا للاحتفال بعيد الفطر مع نهاية رمضان.

الآن، وبعد مضي 15 عامًا على ذلك الحدث، ترى شارلوت بيرس، والتي عملت في البيت الأبيض ضمن إدارة بوش أنها ما زالت تتذكر كيف كان لمثل هذا الإفطار عظيم الأثر في إظهار أن الولايات المتحدة تحترم جميع الأديان، وأنها تؤثر بشكل كبير في علاقة الولايات المتحدة مع المسلمين الوسطيين.

في عهد أوباما، بدأ ذلك الأفطار يُحدث المزيد من الأصداء والضجيج، ربما بسبب ذكر أوباما لواقعة جيفرسون مع مليملي، إذ ذكر أوباما أثناء حفل إفطار 2010 بالبيت الأبيض «رمضان يذكرنا دائمًا بأن الإسلام دائمًا ما كان جزءًا من أمريكا. أول سفير مسلم من الولايات المتحدة كان من تونس، وقد استضافه الرئيس جيفرسون ونظم حفل إفطار على شرفه، ليصبح أول إفطار في البيت الأبيض منذ أكثر من 200 عام».

أوباما يؤكد الواقعة

أعاد أوباما ذكر الواقعة من جديد في إفطار 2012، وتعرض أيضًا لحقيقة امتلاك جيفرسون لنسخة من القرآن الكريم ما زالت محفوظة حتى الآن في مكتبة الكونجرس، وهو ما قاده للقول بأن الإسلام والمسلمين مثلوا جزءًا من تاريخ الوطنية الأمريكية، وهو ما تسبب في الكثير من الهجوم على أوباما من جانب اليمين المتطرف.

بحسب التقرير، يصر اليمينيون على أن جيفرسون لم يستضف إفطارًا في البيت الأبيض، بل إن الأمر كان محض مجاملة، مستدلين على ذلك بأنه لم يغير قائمة الطعام أو أية أمور أخرى تتعلق بطبيعة العشاء، بل ووصل الأمر إلى اتهام البعض لأوباما بتزوير التاريخ لتسليط بعض الضوء على الإسلام، إلا أن المؤرخين يردون على هذا الأمر بأن ذلك الرأي يغفل تمامًا حقيقة أن جيفرسون كان من أهم داعمي الحرية الدينية.

يرى أعضاء سابقون بالبيت الأبيض أن أولئك الذين يصرون على أن جيفرسون لم يستضف إفطارًا لا يفهمون بالأساس ما هو ذلك الإفطار، وأنه لا حاجة بالإساس لإعداد قوائم طعام خاصة لعقده، يقول ذكي بارزينجي، أحد إداريي البيت الأبيض في عهد أوباما والذي ساعد في تنظيم إفطار العام الماضي «فكرة الإفطار بالأساس هي كسر فترة الصيام، وإذا حدث ذلك في البيت الأبيض فهو إفطار».

اقرأ أيضًا: المسلمون في آسيا الوسطى.. ما الذي تعرفه عنهم؟

يتفق جون راجوستا، المؤرخ وصاحب كتاب «الحرية الدينية: إرث جيفرسون، العقيدة الأمريكية»، بل ويصف من يقولون إن واقعة جيفرسون لم تكن إفطارًا بأنهم يلعبون لعبة صبيانية. يقول راجوستا «كان مليملي سفيرًا، وضيفًا يحتفى به. عُقِد الإفطار في ذلك الوقت خصيصى من أجله. يبدو الأمر بالنسبة لي في هذا السياق كحفل إفطار، أن تتناول الطعام مع شخص مسلم في رمضان في ذلك التوقيت فهو كذلك».

صرحت رمانة أحمد، والتي ساعدت في استضافة الإفطار في البيت الأبيض لعدة سنوات ضمن ولاية أوباما، أنه لسوء الحظ لم يستمر ذلك التقليد في عهد ترامب، وذكرت أن ذلك الإفطار سنويًا كان يتضمن أهدافًا متغيرة، بينها تكريم
الشباب الأمريكي المسلم، والإتراف بإسهاماتهم في المجتمع على سبيل المثال، وأنها دائمًا ما كانت رسالة تحظى باحترام وتقدير من المسلمين، وهو ما يدفعها للاستياء حاليًا من عدم استمرارها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد