قال ديفيد جراهام في مقال له على موقع مجلة «ذي أتلانتك» إنه يبدو أن الرئيس دونالد ترامب سيمضي نحو مواجهة المحقق الخاص مولر بعد أن أكد عزمه على إحداث تغييرات في وزارة العدل الأمريكية. وأوضح أن عملية الإحلال والتجديد في فريق ترامب القانوني الذي يتولى التفاوض مع مولر تشي بمواجهة مرتقبة بين الرجلين.

لا يتورع دونالد ترامب عن الكذب طوال الوقت – وفقًا لديفيد – لكنه يتمسك بتعهداته، لا سيما في القضايا الشائكة. وقد أشار الرجل عدة مرات إلى نيته للتدخل في عمل كل من وزارة العدل والمحقق الخاص مولر من أجل حماية نفسه. وهذا يؤكد أن الرئيس انتقل من المناوشات مع روبرت مولر ووزارة العدل إلى حرب شاملة.

صباح الأربعاء 2 مايو (أيار)، قال ترامب: «لم يكن هناك تواطؤ، هذا كذب. وليس هناك إعاقة للعدالة. هذا تلفيق وفخ»، ثم أضاف بعد ثلاث ساعات: «نظام عدالة فاسد. إنهم يأبون إطلاع الكونجرس على المستندات. فما الذي يخشونه؟ ولماذا التكتم الشديد؟ وأين العدالة؟ يبدو أنني مضطر لاستخدام سلطاتي باعتباري رئيسًا والتدخل!».

لقد كرر ترامب هذا الحديث خلال الأسبوع الماضي، ففي حديثه مع قناة فوكس نيوز، قال ترامب «هذا موقفي، وربما أغيره ولا أتدخل في عمل وزارة العدل التي أحاول أن أبتعد عنها، لكن في وقت ما لن أفعل. يجب على وزارة العدل أن تنظر في الأمور الجادة، وليس هراء التواطؤ مع روسيا».

ويؤكد ديفيد أن تعليقات ترامب حول التكتم مثيرة للارتباك. فقد هاجم ترامب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي السابق جيمس كومي بسبب مذكراته التي احتوت معلومات سرية، وحجب مذكرة أصدرها الديمقراطيون في لجنة الاستخبارات في مجلس النواب بزعم احتوائها على معلومات سرية، ومع ذلك فهو يتهم وزارة العدل بالتكتم.

لم يوضح الرئيس ما يقصده بالتدخل – يستدرك ديفيد – لكن التخمينات تصب في خانة إقالة نائب المدعي العام رود روزنشتاين أو مولر نفسه. كان روزنشتاين قد صرح بالقول «هناك أشخاص يوجهون تهديدات إلينا، سرًا وعلانية. أعتقد أن عليهم أن يدركوا الآن أن وزارة العدل لا تقبل الابتزاز. وسنفعل ما يتطلبه حكم القانون».

أما بالنسبة لمولر، فلم يكتفِ ترامب بعرقلة العدالة واصفًا التحقيق بالفخ، بل قام بالتغريد أيضًا بمقولة من جو ديجينوفا، وهو محام انضم إلى فريق ترامب القانوني يرى أن لجنة مولر مؤامرة من الدولة العميقة.

اتخذ ترامب مواقف متباينة من تحقيق مولر – ينوه ديفيد – فبينما كان يصف الأمر كثيرًا «بمطاردة الساحرات»، إلا أنه أيضًا أبدى رغبة قوية في التعاون مع المحقق. ومع ذلك، فإن الأحداث الأخيرة، بالإضافة إلى التهديدات السابقة، تشير إلى أن البيت الأبيض تخلى عن فكرة التعاون ويحاول وضع حد له في أسرع وقت ممكن، باتخاذ موقف أكثر عدوانية تجاه المحقق الخاص.

كانت نيويورك تايمز قد نشرت تقريرًا مثيرًا كشف عن مجموعة من الأسئلة وجهها مولر إلى الرئيس ترامب عبر فريقه القانوني. وأوضحت الصحيفة أنه يبدو أن التسريب جاء من طرف حليف أو مساعد للرئيس «قدمت هذه الوثيقة إلى التايمز من قبل شخص خارج فريق السيد ترامب القانوني» أشار التقرير. لكن العديد من وسائل الإعلام الأخرى حصلت عليه أيضًا. بيد أن صحيفة واشنطن بوست قالت إن الوثيقة تمثل «قائمة من 49 سؤالاً يعتقد الفريق أنها ستطرح على الرئيس»، وقد أعدها محامي ترامب جاي سيكولو.

ولكن لماذا يسرب فريق ترامب قائمة الأسئلة التي ليس من المؤكد أنها حقيقية إلى الصحافة رغم ما يمثله ذلك من خطر عليه؟ يتساءل ديفيد، ويجيب بأن الدافع يعلمه المسربون فقط. أطلق التسريب حملة دفاع شديدة عن ترامب في بعض الوسائل الإعلامية. بيد أن تسريب الأسئلة من البيت الأبيض أشعل غضب أمثال جيسي واترز وجو ديجينوفا. وهرعت الصحافة لتغطية الجدل. وعندما لجأت بعض وسائل الإعلام إلى الدفاع عن ترامب، وجد الأخير هذا سببًا إضافيًا لرفض التعاون مع مولر.

من جانبها، كشفت الواشنطن بوست عن أن مولر هدد باستصدار أمر استدعاء لإجبار الرئيس على الإدلاء بشهادته. قد تكون هذه الخطوة غير عادية إلى حد كبير، ومن المؤكد أنها ستثير غضب ترامب، لكنها لن تكون سابقة. ففي عام 1974 صدر أمر استدعاء لريتشارد نيكسون على خلفية فضيحة ووتر جيت، وسيتعين على ترامب أن يمتثل. ويشير الكاتب إلى أن محامي ترامب السابق جون داود صرح أن مولر قد أثار فكرة أمر الاستدعاء. ومرة أخرى، من المثير للفضول أن يكشف محامي ترامب السابق عن ذلك، لكنه يخلق فرصة لفريق ترامب الحالي للتراجع في محكمة الرأي العام، إما لإجبار مولر على الموافقة على مقابلة محدودة، أو خوض معركة سياسية.

وقد صرح المحامي المنضم حديثًا إلى فريق ترامب القانوني رودي جولياني لصحيفة الواشنطن بوست قائلًا «تحدث بعض الأشخاص عن مقابلة محتملة مدتها 12 ساعة. ولكن لن يحدث ذلك، بل ستكون مدة المقابلة ساعتين إلى ثلاث ساعات بحد أقصى حول مجموعة قليلة من الأسئلة».

في المقابل، أعلنت إدارة ترامب أن المستشار الخاص للبيت الأبيض، تاي كوب، المحامي الأكثر إصرارًا على التعاون مع مولر، سيغادر البيت الأبيض.

وعلى الرغم من تهديدات ترامب الأخيرة – يشير ديفيد – أصر كوب بشكل غريب مرة أخرى في تصريح لشبكة إيه بي سي نيوز على أن التعاون ممكن. «من المؤكد أن الأمر وارد. ونحن نعمل جاهدين على اتخاذ القرارات والعمل من أجل ترتيب مقابلة». ولم يشر إلى نيته المغادرة، رغم أن ذلك الإعلان جاء بعدها بساعات، وقال البيت الأبيض إن الأمر تم التخطيط له مسبقًا. إذ قالت السكرتيرة الصحفية سارة ساندرز في بيان «كان تاي كوب يناقش تقاعده منذ مدة، وفي الأسبوع الماضي أكد أنه سيتقاعد في نهاية هذا الشهر».

يعتقد ديفيد أن رحيل كوب وداود يؤشر إلى خلو فريق ترامب القانوني من أي محامين أرادوا العمل مع مولر. لكن كوب نفى ذلك في مقابلة مع شبكة سي بي إس نيوز. «سيعتقد الناس أن هذا يعني أننا ذاهبون إلى الحرب، لكنني لا أرى الأمر على هذا النحو. فالجزء الأكبر من العمل تم إنجازه». لكن كوب كان يتنبأ بقرب إنهاء التحقيق منذ عام أيضًا.

وقالت سارة ساندرز إن إيميت فلود سيحل محل كوب – رغم إنكار ترامب ذلك في السابق – «لتمثيل الرئيس والإدارة في قضية التدخل الروسي». يعتبر فلود أحد كبار المحامين في واشنطن ومثّل السابق الرئيس جورج دبليو بوش وسط تحقيقات الكونجرس، وكان أيضًا عضوًا في فريق الرئيس بيل كلينتون خلال محاكمته.

ويرى ديفيد أن انضمام فلود هو مؤشر على تزايد رغبة الرئيس في التصعيد، مثلما مثل انضمام مارتي وجين راسكين في أبريل (نيسان)، وهما محاميان يتمتعان بخبرة في الدفاع عن الموظفين العموميين. ومع ذلك، لم يتجاوز ترامب مرحلة الخطر. وذكرت وكالة بلومبيرج أنه لم يطلع أي من محامي ترامب على الوثائق الحساسة، مما أعاق قدرتهم على الدفاع عنه. وبقي أن نرى ما إذا كان ترامب سيأخذ نصيحة فلود على محمل الجد. لقد كان ترامب يميل إلى استبعاد نصيحة المحامين بخصوص تحقيق مولر، وغالبًا ما استشار المحامين الذين مثلوه سابقًا. وهذا لأن عددًا كبيرًا من المحامين يرفضون تمثيل ترامب.

ويضيف ديفيد أن اختيار فلود منطقي، لأن كل تحركات ترامب في الأسبوع الماضي تشير إلى قرار خوض حرب ضد مولر. لا أحد غير ترامب ومحاميه يعرفون ما يسعى الرئيس إلى إخفائه عن مولر، لكنه يشعر أن عليه أن يحمي نفسه، وهو على استعداد لتحمل مخاطر قانونية كبيرة وتقويض حكم القانون للقيام بذلك.

فإلى أين سينتهي كل هذا؟ هل ستشتعل معركة في المحاكم حول ما إذا كان مولر يمكن أن يستدعي ترامب أم لا؟ هل يقيل ترامب المحقق مولر؟ أم سيقيل روزنشتاين، بهدف تحديد صلاحيات مولر؟ يتساءل ديفيد ختامًا. لكنه يؤكد أن من السابق لأوانه الإجابة عن هذه الأسئلة. وإلى جانب ذلك، سعى ترامب إلى إقالة مولر مرتين وتراجع، لذا فإن قراراته ليست نهائية. وبغض النظر عن ذلك، فقد أوضح الرئيس أنه ينوي التدخل في التحقيق، وبالتالي لا ينبغي أن نتفاجأ عندما يفعل ذلك في نهاية المطاف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك