عنوان يحتوي على وصف قد يراه البعض إهانة للرئيس الأمريكي المنتخب، فمن هو الـ«أحمق» المقصود في العنوان، والموجه له المقال؟

كتب «لورنس بينتاك» مقالًا جدليًا نشر على «فورين بوليسي» يوجه مذكرة للرئيس الأمريكي المنتخب «دونالد ترامب» عن أولئك الذين يخشاهم: «المسلمين».

يقول «لورنس»: كانت مقولة «الإسلام يكرهنا» التيمة الأساسية في حملة الرئيس المنتخب في انتخابات عام 2016.

يتعجب «لورنس»: ومن ذا الذي يمكن أن يلومك على الاعتقاد بأن الإسلام يكره الأمريكيين؟ ففي نهاية المطاف، المستشارون الذين يقدمون المشورة فيما يخص شؤون المسلمين – «آن كولتر»، و«فرانك جافني»، و«وليد فارس»- هم حاملي كروت الإسلاموفوبيا. ومستشار الأمن القومي المتقاعد العميد بالجيش الجنرال «مايك فلين»، والذي يريد من قادة المسلمين أن «يعترفوا بأن أيديولوجيتهم الإسلامية مريضة»، كما أن مستشار ترامب الخاص «ستيف بانون» متهم باستغلاله البرنامج الإخباري على الراديو؛ كي يحرض ويستثير «الخوف والكره ضد المسلمين في أمريكا».

لكن من منطلق أن ترامب أعلن الآن أن الوقت حان للولايات المتحدة الأمريكية؛ كي «ترأب جراح التفرقة»، يرى الكاتب أنه ربما يكون من المفيد أن يتعلم ترامب القليل عن ذلك الفصيل من الأمة التي يقودها الآن: المواطنين الأمريكيين الذين قضت «الصدفة» أن يكونوا مسلمين.

يقول «لورنس» «أعلم أنك يساورك القلق بشأن ما أطلقت عليه «الإسلام المتطرف الإرهابي». ويذكر أنه كان مسؤولًا عن التقارير بشأن المتطرفين الذين يدعون أنهم «ممثلو الإسلام» وذلك منذ أن قام بتغطية أول تفجير انتحاري استهدف الأمريكيين في بيروت في الثمانينات من القرن الماضي، لذا فالكاتب بالتأكيد يشارك ترامب بعض المخاوف. فضلًا عن أنه يقول «رأيت أصدقاء لي يموتون، وآخرين يهدرون أعمارهم في الأسر. وكدت أكون ضحية مثلهم عددًا من المرات، لكنني أيضًا تعلمت أن المسلمين ليسوا سواء – ألوانهم عديدة، بالمعنى الحرفي والمجازي». يقول إن دراسته ورسالة الدكتوراه التي قام بها في الدراسات الإسلامية ساعدته في فهم  أن الدين الإسلامي نفسه يُفَسر بعدة طرق. في الحقيقة  هناك 3.3 مليون أمريكي مسلم يطورون فهمًا مغايرًا لما يعنيه أن «تتبع دين الاسلام».

هل فرح بانتخابه المعادون للإسلام فقط؟

يقول الكاتب: إن الجهاديين أيضًا فرحوا بالفعل بانتخابه؛ لأنه حسب وصفهم «كشف العقلية الحقيقية للأمريكيين، وعنصريتهم ضد المسلمين والعرب وكل شيء».

عندما سأله «بيل أورايلي» ما إذا كان المسلمون الأمريكيون يخشونه أم لا؟ أجاب ترامب «لا أتمنى ذلك، وأريد أن أضع الأمور في نصابها الصحيح».

هل يصحح ترامب الأوضاع؟ وكيف؟

لذا، وبروح مماثلة في رأب الصدع، يقدم الكاتب تلك المذكرة عن براعة القيم الأمريكية القديمة في التأثير في الإسلام بالولايات المتحدة؛ ربما تساهم في تسهيل تصويب الأوضاع، وربما تلك المذكرة التي لا تصف الإسلام بالـ«سرطان» قد تمر عليه بعد أن ينشرها على الإنترنت.

فلنتعرف على أهم النقاط التى تعرض لها في دليله للحمقى عن الإسلام في أمريكا:

1. الاتجاه المحافظ التقليدي السعودي والباكستاني والمصري يفقد تأثيره على المسلمين الأمريكيين.

رجال الدين التابعون للمدرسة التقليدية القديمة، الذين اقترنوا بالمملكة السعودية عن الإسلام، وكان لهم ذات مرة وجود مميز في العديد من المساجد الأمريكية، عفا عليهم الزمن في نظر الأمريكيين المسلمين المتزايدة أعدادهم، وجدير بالذكر أن صعود «الدولة الإسلامية» سرع من تلك العملية.

يقول «فاروق خان» – من المركز الإسلامي في لونغ آيلاند – بفخر: إن «نور الإسلام سيسطع من جديد؛ لأننا لدينا كل الحمايات الدستورية، ولدينا حرية الكتابة وحرية التعبير وحرية التأويل».

إذا كنت مسلم سني  في أمريكا في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وأردت أن تدرس أكثر عن دينك، فإن الاحتمالات المتاحة حينها كانت الكتب التي جاءت من المملكة العربية السعودية، وكان ذلك طبيعيًا. ففي نهاية المطاف، أحد الألقاب العديدة التي يتمتع بها الملك السعودي هو «خادم الحرمين الشريفين» بمعنى أنه حامي التراث الإسلامي والمدافع عنه.

2.  لا يوجد «بابا» في الإسلام السني

لكن كبار العلماء المسلمين في السعودية ونظراءهم في جامعة الأزهر بمصر، يعتبرون على مقربة شديدة «بشعة» من ذلك المنصب الديني، أو على الأقل كانوا كذلك؛ فالأمور تتغير الآن.

يقول «عميد سيف»، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة ديوك: إننا لم نعد نتحدث الآن عن مجموعة من المصريين والباكستانيين أو الشيوخ  الإيرانيين الذين تستوردهم أمريكا لتعليم الأمريكيين الإسلام؛ «معظم المسلمين الأمريكيين يريدون أحدًا ينطق برؤيتهم عن الإسلام، لكن بلكنة أمريكية».

3.  جيل جديد من رجال الدين المسلمين الأمريكيين يحاولون الظهور، وإسماع الجميع صوتهم.

هم من المسلمين المولودين بأمريكا أو الذين هاجروا إليها صغارًا مع عائلاتهم وترعرعوا فيها، ومن ذوي البشرة البيضاء الذين تحولوا للإسلام، مثل «حمزة يوسف» أحد مؤسسي «كلية زيتونة» وهي جامعة إسلامية في بيركلي، و«صهيب وهبة» الذي وضعته الدولة الإسلامية مؤخرًا على قائمة اغتيالاتهم. وغيرهم من الأمريكيين الأفارقة، مثل «أمينة ودود» التي صارت في 2005 أول امرأة تؤم صلاة الجمعة في الولايات المتحدة الأمريكية.

4.  أولئك الأئمة هم جسور لما يراه العديد من المسلمين الأمريكيين انفصالًا كبيرًا عن دينهم.

يقول «جهاد ترك»، من الجيل الثاني من مسلمي أمريكا ورئيس معهد بيان كليرمونت الفلسطيني الأمريكي: إن «الأئمة الأجانب يجعلون المساجد تبدو وكأنها غريبة عن الناس الذين يرتادونها، يتحدثون لغة أجنبية حرفيًا ومجازًيا»، وجدير بالذكر أن المعهد يمنح شهادات معتمدة للأئمة. يضيف «ترك» «نحتاج كادر من الأئمة والزعماء الدينيين من الأمريكيين المسلمين الذين ولدوا وتربوا هنا في أمريكا، والذين يفهمون الحياة هنا، ويمكنهم التحدث بلسان التنوع الموجود في مجتمعنا».

يقول «خالد أبو الفضل»، من جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، وأحد أهم العلماء المشهورين في القانون الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية، إنه حتى الأئمة الأمريكيين الذين اعتنقوا الإسلام لهم صدى عند المسلمين المهاجرين؛ فعندما يتحول شاب أمريكي أبيض البشرة  إلى الإسلام، ويتحدث عن مدى روعة الاسلام؛ فهو يؤكد للمهاجرين أن الإسلام ليس كل تلك الفظائع التي تسري في المعتقد السائد النمطي.

5.النظرة العالمية – وليست اللكنة فقط – هي مربط الفرس

العديد من شيوخ «المدرسة القديمة المحافظة» – والموجودون الآن –  لا ينظرون إلا من خلال رؤية أسلافهم الدينية والثقافية، على سبيل المثال يقول «جعفر إدريس»، أحد رجال الدين السودانيين في أمريكا: إن الإسلام المعاد تأويله ليس إسلامًا.

يقول «صفي»، الأستاذ الجامعي بجامعة ديوك: إن ذلك «هراء؛ فمفهوم أن الدين الإسلامي سقط بطريقة ما من السماء، في طرد محكم الإغلاق، وأن مهمتنا تنحصر في حمايته، لا تأتي إلا من شخص لا يفهم طريقة سير التاريخ، ولا يفهم طريقة عمل التقاليد الدينية».

حتى إن المحافظين من بين الأجيال الجديدة من الوعاظ الأمريكيين المسلمين يتفقون على أن الإسلام يمكنه – بل ينبغي عليه – أن يتكيف مع المكان والزمان.

يقول «ياسر قاضي»، إمام أمريكي مشهور،  لديه ما يزيد عن مليون متابع على مواقع التواصل الاجتماعي:  إن المسلمين الأمريكيين يحتاجون إلى استيعاب أن «البيئة التي يعيشون فيها ليست الدولة البيزنطية في القرن الثالث ميلادي، وليست السعودية في القرن الواحد والعشرين». ويضيف «إذا تمنيت أن يزدهر الإسلام في تلك الأرض: أمريكا، عليك أن تجد رجال دين محليين من البلد نفسه، عليك أن توجد جيلًا جديدًا من العلماء غربيي الأصل، اندمجوا تمامًا مع تعاليم وتراث الدين الإسلامي».

6.  الأئمة الأمريكيون الجدد ليسوا بالضرورة مناهضين للسعودية.

العديد من الأئمة الأمريكيين الجدد مدينون للعلماء السعوديين والمصريين والباكستانيين، أو حتى الشيعة وإيران، فيما تعلموه، فقاضي نفسه أحد الأمثلة على ذلك. قبل إكمال رسالة الدكتوراه في علوم الدين في جامعة يال، قضى عامين في المدينة المنورة؛ حيث نال شهادة البكالوريوس والماجستير في اللغة العربية والدين الإسلامي، لكن أولئك الأئمة الأمريكيين يأخذون ما تعلموه في تلك السنوات في كنف الإسلام المحافظ التقليدي، ثم يؤولونه بما يتناسب مع ثقافتهم.

يقول قاضي هنا: إن ذلك ليس «تعديلًا» في الإسلام للتخفيف من عداء الكثيرين له، كما أنه ليس «ثورة روحية سريعة». إنما هو تطور ثقافي طبيعي، ويعتقد أن هذا الصراع سيستمر على الأقل للجيل القادم.

7. التطور الطبيعي للدين في أمريكا لا يقوده الذين ترعرعوا في أمريكا فقط.

العديد من الوافدين الجدد لأمريكا احتضنوا  تلك الحركة.

يشرح ذلك «محمد ماجد» – رجل دين ولد في السودان، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1987 بعد الدراسة في المملكة العربية السعودية، والآن يدير شبكة من المساجد والمراكز في ضواحي واشنطن – قائلًا: إن المسلمين الأمريكيين عليهم أن يفهموا الدين في إطار السياق الأمريكي، وليس في السياق العربي، ولا السياق السوداني، وليس المصري. وما يعنينا هنا هو فهم التاريخ الأمريكي؛ كي ننعم بالحرية الأمريكية.

يظهر ذلك الإسلام «الأمريكي» الجديد في إزالة الحوائط التي تفصل بين النساء والرجال في المساجد، وفي توفير الخدمات الاجتماعية، والمشاركة في المجتمع المحلي، وحتى في المستويات العليا من العمل السياسي والاجتماعي.

تقول المحامية «شريفة قدري» – إحدى أوائل النساء في الولايات المتحدة الأمريكية اللاتي انتخبن لرئاسة المركز الإسلامي – «ماذا ينبغي على المراكز الإسلامية أن تفعل؟ هل نحن مجرد أماكن يأتي الناس إليها للصلاة وتربية لحاهم؟ أم نحن أكبر من ذلك؟»

8. الإسلام «المتأمرك» ليس بالضرورة الإسلام «الليبرالي».

لكن الحقيقة أن أغلب الجيل الجديد من الوعاظ المسلمين يبتعدون عن إسلام الشرق الأوسط، أو ما يصفه «والي نصر» بالإسلام السعودي «تشريعي للغاية..ومتشدد للغاية» فيه الأمور إما «أبيض أو أسود».

إلا أنك إذا نقبت تحت الاتفاق العريض على الحاجة للتكيف الثقافي، ستصطدم بسؤال «ما الذي يشكل الإصلاح وما الذي يكرس للابتداع؟»

التيار التقليدي السائد ليس عازمًا على تجاهل ـ صراحةً ـ الوصايا المتفق عليها تاريخًيا، ويضع قاضي – الذي يعتبر نفسه من التقليديين – حدودًا فاصلة بين القضايا، مثل الجنس قبل الزواج، وإمامة المرأة للصلاة، والشذوذ الجنسي، مع أنه أضاف عن تلك الأخيرة أن الإسلام أباح  المشاعر الإنسانية، لكنه يحرم الفعل نفسه.

وعلى الجانب الآخر هناك عميد صافي الذي يمثل جناح التيار «التقدمي» في الإسلام الأمريكي. يقتبس صافي عن الأسقف «ديزموند توتو» قائلًا «لن أعبد إلاهًا يعاني رهاب المثلية الجنسية» ويقول: إن هذه المقولة «قوية» و«تفصح عن حقيقة».

وبين هذا وذاك، يوجد ماجد، الذي يطلق عليه معسكر المعادين للإسلام «قيصر الشريعة لأوباما» وذلك بسبب دوره الاستشاري في البيت الأبيض. ويتذكر ضاحكًا نصيحته للآباء المسلمين أن «يعطوا أبناءهم مساحة، طالما أن بناتهم لم يحبلن» والتي أدت بطبيعة الحال إلى ثورة غضب عارمة.

يقول ماجد: إنه قال للآباء أيضًا: إنهم  يجب أن يتعاملوا مع الموقف في سياقه الأمريكي، وأن «الدين ليس مجرد شعور جيد ينتاب المرء، بل يجب أن يكون الظهور الاجتماعي للإسلام أمريكيًا تمامًا».

مثل العديدين الذين تدربوا على يد دعاة سعوديين، يقول ماجد: إنه بداية تبنى مذهبهم وأيديولوجيتهم السلفية المتشددة أو الوهابية، إلا أنه لم يعد يصف نفسه بالسلفي، بل يطلق على نفسه «تقليدي رشيد»، ويضيف ضاحكًا «حتى السلفيين في أمريكا يمكنهم التطور».

9. اللكنة الأمريكية لا تعني بالضرورة أن الداعية شخص جيد.

يعد «أنور العولقي» – الطفل المدلل- الذي ولد في نيو مكسيكو، لكنه صار زعيمًا مؤدلج، ويجند العناصر لتنظيم القاعدة، كما أن له حضور طاغ على وسائل التواصل الاجتماعي. كانت لكنته الأمريكية هي ما جعلته آسرًا، على الرغم من أن طائرة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية اغتالته في اليمن عام 2011، ما تزال تسجيلات محاضراته تعرض؛ لتلهم جيلًا جديدًا من الشباب المتطرف. العوقلي هو تذكير بأن مجموعة صغيرة من المتطرفين «الذين نشأوا في وطنهم أمريكا» هم خطر حقيقي، ويجب تعريفه و تمييزه عن البقية المسلمة في أمريكا.

10.  بالطبع ليس كل الأئمة الأمريكيين يركبون الدراجات النارية أو كانوا أعضاء فرق الروك الفاسقة.

على سبيل المثال هناك «سعد تسليم»، الذي يملك الآن خطًا للأزياء ويعمل محاضرًا في المركز المغربي الذي يعرف نفسه بأنه مكان «لا يحول تعلم الإسلام إلى عملية مملة». العديد من الأئمة من الدول، مثل مصر وباكستان وماليزيا، ما يزالون يخضعون للاتجاهات الدعوية التي تحافظ على اتساقها مع المجتمعات التي هاجروا منها، لكن في نهاية المطاف نجد الكيانات، مثل جمعية الحقوقيين المسلمين في أمريكا، تحارب الاتجاهات الدينية المحافظة بهذا الشكل – وهي تختلف عن المتطرفة – ولعل أبرزها المدرسة الباكستانية الأكثر أصولية.

«الرمزية» هي آخر توصيات مؤتمر قضايا الدعوة المعاصرة في الغرب، والتي تشمل الفقه أيضًا أو فهم أصول الدين. فعلى سبيل المثال: الموسيقى التي تثير الرغبات وتؤدي إلى الأفعال اللاأخلاقية هي بالإجماع غير مقبولة، بينما في الأنواع الأخرى من الموسيقى هناك اختلاف في الآراء؛ أغلبية الأقوال تؤيد حرمة كل أنواع الموسيقى، وهو الرأي الأقوى من المنظور الفقهي، وأقل ما يمكن قوله هنا هو أن الأمور المشكوك فيها من الأحوط تجنبها.

لكن الشيوخ من «المدرسة القديم» المحافظة يفقدون تأثيرهم، وأولئك الذين يدعون لتطور الإسلام في الولايات المتحدة يقولون: إن ظهور جيل جديد من المسلمين الأمريكيين – من الأطفال والمهاجرين منذ الثمانينات والتسعينات – تربوا في ظل وسائل التواصل الاجتماعي، و«الهيب هوب»، ويعكس ذلك ضرورة أن تتأقلم الأعراف الثقافية للدين ـ وليست القيم الجوهرية للإسلام ـ بالمثل.

11.  في القلب من ذلك التطور للإسلام الأمريكي يقبع سؤال السلطة الدينية.

تعد كلمة «الشريعة» لفظة «بذيئة» لدى الذين يعانون رهاب الإسلام، وتشير إلى التعاليم الإسلامية التي تشمل القرآن – كلام الله – والحديث،  والسنة المنقولة عن النبي محمد، وكذلك الآراء التي لا تحصى للعلماء في القرون الأولى من الإسلام عن معنى وتطبيق أفعال الرسول وكلامه. على الأقل في الحقبة الحديثة، رأى السنة المصريون والسعوديون، والإيرانيون والشيعة أن مسؤوليتهم هي تحديد التطبيقات المناسبة للشريعة الإسلامية للأمة الإسلامية العالمية، ولجماعة المسلمين كافة. إلا أنه لم يعد يتفق الجميع مع هذا الرأي.

12. يعتقد العلماء الأمريكيون أن اليوم الذي سوف تستقر فيه السلطة الدينية الإسلامية في أمريكا قد اقترب.

يقول «صهيب سلطان»، وهو إمام بجامعة برينستون «أعتقد أن العلماء المرتبطين بالواقع الأمريكي وتعقيداته، ازداد نفوذهم الديني مؤخرًا»، ويضيف أن «معرفة عادات الناس وتقاليدهم غاية في الأهمية عند إقامة أي نوع من أنواع الحكم الديني».

ويقول ماجد: إن مركز السلطة الدينية الإسلامية قد ارتحل في جميع أنحاء العالم؛ فقد بدأ في مكة، ثم انتقل إلى المدينة، ومن بعدها إلى دمشق، ثم انتقل إلى بغداد، ثم إسبانيا وتركيا، والآن في أمريكا.

13. ليست الولايات المتحدة فقط التي تحاول التخلص من قيود الأفكار التقليدية.

فقد تتبع «جيمس دورسي» – الصحفي والباحث – تدفق أموال المملكة العربية السعودية، ووجد أن الرياض أنفقت قرابة 100 مليار دولار لنشر تفسير مذهبها الإسلامي المتزمت حول العالم، بينما لم يلق ذلك قبول كافة المسلمين.

في إندونيسيا التي يبلغ تعداد المسلمين فيها تقريبًا تعداد المسلمين في كافة الأقطار العربية، أطلقت منظمة نهضة العلماء – وهي أكبر منظمة إسلامية في البلاد – حملة باسم «إسلام الأرخبيل»، بحجة أن الإندونيسيين لديهم كامل الحق في تقرير التفسير الديني الذي يخصهم مثل العرب، كذلك في باكستان، حيث أغدقت السعودية الأموال على شبكة المدارس التي تدرب جيلًا من المتطرفين، فقد قابلت العديد من المسلمين الذين يشيرون إلى المملكة العربية السعودية باسم «امبراطورية الشر».

الأموال لها قوتها، وأموال الخليج، وبالأخص الأموال السعودية، لعبت دورًا رئيسًا في نشر الإسلام في أمريكا خلال العقدين الماضيين، فمن خلال موجات الهجرة الهائلة بين عامي 1990 و2010، تضاعف تقريبًا عدد المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي بلغ 3.3 مليون مسلم بحلول عام 2015 وفقًا لتقديرات مركز بيو للأبحاث، ونتيجة لذلك، ازداد عدد المساجد في الولايات المتحدة بنفس المعدل خلال العقد الأول للقرن الحالي ليصل وفقًا لإحصاء عام 2011 الصادر عن مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية إلى أكثر من 2000 مسجد، بينما كان تمويل دول الخليج وراء هذا الانتشار، وإن لم يتسنى التأكد الدقيق من مصادر التمويل.

إلا أن كل ذلك على وشك التبدل.

فالأموال السعودية لم تعد متوفرة بسيولة كما مضى،  إذ وجد أن هناك تراجعًا كبيرا في التمويلات السعودية، وعلى الأرجح لن تتمكن من التمويل الأعمى بوفرة منظمات عدة كما كان الحال في الثمانينات التسعينات.

14. كانت هجمات 11/9 الحافز الرئيس.

إذ اتُهمت مختلف المؤسسات الخيرية الممولة سعوديًا، مثل مؤسسة «الحرمين» الإسلامية بارتباطها بتنظيم القاعدة، بعد ذلك داهم مكتب التحقيقات الفيدرالي مركز تدريب إسلامي مدعوم من السعودية في ضواحي ولاية فيرجينيا، وطُرد عدد من رجال الدين الذين يحملون جوازات سفر دبلوماسية.

كما رُفعت السرية مؤخرًا عن 28 صفحة من وثائق تحقيق الكونجرس الذي أجري عام 2002 في هجمات 11/9 ، عند ضلوع أحد مساجد لوس أنجلوس على الأقل في غسيل أموال لصالح الإرهابيين دون تقديم أدلة، كل ذلك، بالإضافة إلى انخفاض أسعار البترول الذي أدى إلى اتباع سياسات تقشفية شديدة في تلك البلدان، وهو ما يعني أن السعودية والبلدان الخليجية قد قلصت ضخ الأموال بشكل ملحوظ.

يشير أبو الفضل من جامعة كاليفورنيا والذي يرتبط بعلاقات وثيقة بأعضاء في العائلة الملكية إلى سبب آخر يكمن وراء شُح عطاء البيت السعودي للمشاريع الإسلامية الخارجية، إذ يقول «إنهم جميعًا يتمنون أن يتخلصوا من الوهابية، إلا أنهم يعرفون استحالة ذلك داخليًا».

أخبرني أبو الفضل أنه سوف يظل بإمكان الأئمة الأمريكيين أن يدرسوا مجانًا في المملكة العربية السعودية، وقال «لن تكون تحت أيديهم تلك السلطة السهلة النابعة من وسائل التحكم في تدفق الأموال كما في السابق».

15. ساهم الربيع العربي بقوة في الابتعاد عن المراكز التقليدية لتعليم الإسلام.

فقد أصبحت الشخصيات الإسلامية الرائدة في أماكن مثل مصر من أكبر المدافعين عن الأنظمة الاستبدادية التي سحقت الثورة.

يقول «جونثان براون» من جامعة جورج تاون ومؤلف كتاب «Misquoting Muhammad» الذي صدر مؤخرًا «هناك مشكلة كبيرة على المستوى الأخلاقي: إذ إن الشخصيات التي كنت تنظر إليها في السابق على أنها مراجع دينية، أصبحت تؤيد القرارات السياسية التي تراها بوضوح غاية في السوء»، وأضاف أن «من أكثر الأمور التي تغيرت في العالم الإسلامي، على الأقل في المستوى الفكري، أن العلماء المسلمين في أمريكا منذ عام 2013 تمتعوا بالكثير من الاستقلالية، والذي أعتقد أنه شيء جيد، إذ أصبحوا مُرغمين على التفكير والاجتهاد اعتمادًا على أنفسهم».

يُعد النضوج الفكري للمراكز الإسلامية المحلية مؤشرًا على احتمالية عدم حاجة الأئمة المستقبليين إلى مغادرة الولايات المتحدة من أجل تلقي العلم الديني، إذ أصبحت المعاهد المحلية مثل «كلية زيتونة» و«معهد كليرمونت بيان» في كاليفورنيا، و«معهد المغرب» و«معهد البينة في تيكساس»، والكلية الامريكية الإسلامية في شيكاغو تقدم نفس الفرص التعليمية.

بالرجوع إلى المراكز التعليمية التقليدية في الخارج، هناك أحيانًا اعتراف علمي تدريجي على مضض، بأن المسؤولية تنتقل تدريجيًا، حتى في المذهب الشيعي الذي يلعب «آية الله» الإيراني دورًا أقرب بكثير إلى رجال الدين الكاثوليك في إرساء قواعد العقيدة.

يقول «هادي قزويني» – طالب دكتوراه مسلم شيعي في جامعة جنوب كاليفورنيا، والذي درس لسنوات في معهد قُم الإسلامي- «أنا أتكلم عن العلماء هناك، إذ يقولون لنا إن الأمر يرجع لكم في حل هذه المعضلة»، ويضيف «هناك اعتراف، أعتقد بالفعل أنه بطيء، إلا أنني على يقين من أن المسلمين في الولايات المتحدة لديهم القدرة اللازمة على إيجاد الحلول لمختلف التحديات التي تواجههم».

قال الإمام «شمسي على» المولود في إندونيسيا، والذي وقف بجانب الرئيس «جورج بوش الابن» آنذاك في موقع الهجمات بعد ظهيرة يوم 11/9، والذي كان يتزعم معارضة التقليديين في الحوار بين الأديان، والذي يُعد خبرًا جيدًا: إن «الناس في جميع أنحاء العالم ينظرون إلى أمريكا على أنها قوة خارقة، وأعتقد أن المسلمين الأمريكيين يستطيعون لعب دور هام في تحقيق التوازن مقابل اعتلاء السعودية لقمة العالم الإسلامي».

16. يبذل رجال الدين الإسلامي في أمريكا الكثير من وقتهم لمنع انتشار الراديكالية.

سواءً في الحوارات غير الرسمية مع المجموعات الشبابية، أو في النقاشات السرية مع الشباب الغاضب بسبب تعاملاتهم في أمريكا، أو بسبب سياسة الولايات المتحدة الخارجية في جميع أنحاء العالم، فمعظم الأئمة الأمريكيين يعملون بجد ليس لمجرد «ترديد الكلام» عن الإسلام كونه دين السلام فيما يتعلق بمواضيع العقيدة الإسلامية أو السياسة الأمريكية.

يقول علي «لقد صادفت بعض الشباب الغاضبين جدًا من خطاب دونالد ترامب السياسي، هناك حقًا مسؤولية كبيرة علينا لردهم عن ذلك الطريق، وعرض الموقف الإسلامي الصحيح في هذه الأمور»، ويضيف قائلًا «لقد حاولنا إقناعهم أننا يمكن أن نختلف سياسيًا، ولكن الإقدام على فعل شيء سيء باسم الاختلاف، لا يمت للثقافة الأمريكية بصلة».

ثم يحاول الكاتب تلخيص الأمر للسيد الرئيس المنتخب، فيقول:

يقول محمد ماجد – إمام اعتاد تقديم المشورة لأوباما، ويقطن بالقرب من مطار دالاس- إن «الناس لا يحبون كلمة الإسلام الأمريكي، ولكن هذا هو الإسلام في أمريكا، إنه فريد من نوعه، ومتكامل جدًا، وشامل ومتنوع، ويجب أن يكون دائمًا متسامحًا ويعبر عن التسامح».

ويختتم بكتابة أنه يعتقد أن مذكرة واحدة لن تُحدِث التغيير المطلوب. فهل نترقب مذكرات أخرى أو حلولًا؟!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد