كتب ديفيد سانجر تحليلًا في «نيويورك تايمز» يتناول سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط، وتحديدًا مع إيران، التي تتسم بالارتباك والتضارب.

ويرى الكاتب أنها تسير في الاتجاه الخطأ، وأنها ليست ضد مصالح أمريكا فحسب؛ بل وضد مصالح حلفائها أيضًا؛ واصفًا الموقف الراهن بين إيران وأمريكا بأنه هدنة مؤقتة قد لا تطول كثيرًا.

يستهل الكاتب بقوله: «فتح الرئيس ترامب نافذةً صغيرةً للدبلوماسية مع إيران يوم الأربعاء، لكنه قرن كلماته بتهديداتٍ صريحةٍ، جعلت من الصعب رؤية كيف يمكن للبلدين الخروج من دائرة المواجهة والانتقام».

كان الخطاب، من نواحٍ كثيرة، تجسيدًا للسياسة المشوشة، وأظهر أن ترامب بعد ثلاث سنوات في منصبه، لم يستطِع حتى الآن التوفيق بين توجهين متضاربين بشأن الأمن القومي، انبثقا من خطبه وتغريداته على تويتر، هما: العدوان وفك الاشتباك.

ولفت الكاتب إلى أن خطاب ترامب بشأن إيران تضمن مزيجًا من الاستياء الشديد من الرئيس باراك أوباما، وانتقاد الصفقة النووية التي أبرمها سلفه، ومزاعم بوقائع مشكوك فيها، وتهنئة الذات خلال عام الحملة الانتخابية.

تراجع ترامب من على شفير الحرب، حاليًا على الأقل.

يضيف التحليل: تراجع ترامب من على شفير الحرب، حاليًا على الأقل؛ إذ أوضح أنه لم يخطط للرد على الهجمات الصاروخية على قاعدتين تديرهما القوات الأمريكية، وهي هجمات بدا أن الإيرانيين يهدفون من ورائهما إلى تسجيل نقطة دون إثارة المزيد من إراقة الدماء.

لكن الرئيس توعد أيضًا بمضاعفة العقوبات ضد إيران، متحولًا مرة أخرى إلى الأداة الاقتصادية؛ التي ظل مقتنعًا بأنها ستجبر البلاد في نهاية المطاف على الاختيار بين الخراب والبقاء؛ فيما عدا قوله إن الولايات المتحدة «مستعدة لتبني سياسة السلام مع كل من يسعون إليه»؛ لم يقدم أي مخرج للمضي قدمًا بالنسبة للخصمين اللذين دام عداؤهما 40 عامًا».

وقال كريم سادجبور، وهو محلل استراتيجي إيراني أمريكي في مؤسسة «كارنيجي» للسلام الدولي: «لقد أرسل (خطابه) بالتأكيد رسائل متضاربة إلى إيران».

وأشار سادجبور إلى أن الخطاب جاء بصيغة النصر، إذ احتفل ترامب بتوجيهه أمرًا بقتل أشهر قائد عسكري في إيران، وهو الرجل المسؤول عن مقتل المئات من جنود القوات الأمريكية.

وأضاف المحلل الإيراني الأمريكي: «كان في حينها رافضًا لإيران، وبعدها كان هناك سطرٌ عديم الجدوى تقريبًا في النهاية حول مستقبل مشرق للإيرانيين، إذا أعادوا ضبط توجهاتهم وفقًا لما تطالب به الولايات المتحدة».

دولي

منذ 6 شهور
«الجارديان»: ما يهدد به ترامب إيران يعد جريمة حرب

توقف الأعمال العدائية قد لا يطول كثيرًا 

يردف الكاتب: تتمثل المخاطرة الآن في أن حالة الجمود غير المستقرة بعدما أطلقت إيران 16 صاروخًا في وقت مبكر من يوم الأربعاء على القوات الأمريكية في العراق؛ يتبين أنها مجرد هدنة مؤقتة. والتاريخ مليء بالأمثلة على الإشارات الضائعة التي قادت بلدان إلى السير في طريق صراعٍ، ليس في مصلحتها بالمرة، ولا سيما سلسلة الأحداث التي أدت إلى الحرب العالمية الأولى.

ونادرة هي الأمثلة التي ساد فيها التوافق الهادئ بين الدول حول المصالح القومية المتبادلة، كما حدث عندما قايض الرئيس جون كينيدي سرًا الصواريخ السوفيتية في كوبا بالصواريخ الأمريكية في تركيا عام 1962.

Embed from Getty Images

يضيف سانجر: خلافًا للسوفييت، لا تستطيع إيران الوصول إلى الشواطئ الأمريكية بترسانتها. ولكن مجرد الخوف في الغرب من أن إيران يمكن أن تسعى للانتقام من خلال المضي قُدمًا في إنتاج الاسلحة النووية؛ لا يزال هو أعظم تأثير تمتلكه.

وكان هناك شعور بعدم الارتياح في البنتاجون يوم الأربعاء بأنه على الرغم من أن إيران قد لا تطلق المزيد من الصواريخ من أراضيها، فمن المؤكد أنها ستعود إلى ما تتقنه من حروب الظل والهجمات الإلكترونية.

تناقضات ترامب بشأن الشرق الأوسط 

ووصف سادجبور الخطاب بأنه «غير متماسك من الناحية الاستراتيجية»، لكن يمكن قول ذلك عن الكثير من سياسة ترامب في الشرق الأوسط خلال الأشهر القليلة الماضية؛ إذ سحب الرئيس قوة أمريكية صغيرة وآمنة إلى حد ما من سوريا كانت تعمل في المقام الأول في قتال تنظيم الدولة إلى جانب الحلفاء الأكراد السوريين، مدعيًا أن الوقت قد حان لوقف «الحروب التي لا نهاية لها».

وقرر عدم الرد عندما أسقطت إيران لأول مرة طائرة أمريكية بدون طيار، ثم نفذت هجومًا دقيقًا على منشآت النفط السعودية، مما ترك الانطباع داخل الحرس الثوري الإسلامي بأن حليفة أمريكا في الشرق الأوسط، لم تكن تستحق الدفاع عنها.

وبعد ذلك، فاجأ الجميع، ومن بينهم مستشاروه العسكريون، بأمر القتل المستهدف للجنرال قاسم سليماني، القائد الإيراني الأكثر أهمية، قائلًا إنه كان يخطط لشن هجمات على أهداف أمريكية، رغم أن الإدارة لم تقدم سوى القليل من التفاصيل.

يعلق الكاتب قائلًا: أدى هذا القرار بالفعل إلى مجموعة من العواقب غير المقصودة، بما في ذلك إرسال الآلاف من قوات الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط للدفاع عن الأصول والمصالح الأمريكية؛ التي أشار ترامب قبل بضعة أشهر فقط؛ أنها لا تستحق الدفاع عنها.

ويبدو أن إجابته على هذا التناقض تتمثل في أن يطالب الناتو بأداء هذه المهمة، ومن المفترض أنه يريد من قوات التحالف تسيير دوريات في الخليج في الوقت الذي توقفت فيه شركات الناقلات عن إرسال شحناتها عبر مضيق هرمز، كما تتجنب شركات الطيران المجال الجوي العراقي والإيراني.

الحلفاء ينفضُّون من حول ترامب

يستبعد التحليل أن يستجيب الحلفاء لدعوة ترامب؛ إذ يزعم الأعضاء البارزون في حلف الناتو أن ترامب هو الذي اختار هذه المعركة مع إيران، من خلال إلغاء الاتفاق النووي لعام 2015م؛ الذي جرى التوصل إليه في عهد إدارة أوباما، والذي كان في نظرهم اتفاقًا ناجحًا، وكما يشكو ترامب نفسه، فإنهم لا يمتلكون القدرة العسكرية للعب الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

وقال ر. نيكولاس بيرنز، السفير الأمريكي السابق لدى حلف الناتو خلال الأيام الأولى من حرب أفغانستان، عندما هبت أوروبا لمساعدة أمريكا «إن فشل ترامب في التشاور مع الحلفاء، أو أخذ مصالحهم في الاعتبار؛ سيجعل من الصعب للغاية الحصول على دعمهم».؛مضيفًا أن «قلة قليلة من الحلفاء يثقون به، ولن يتبعوا الرئيس المناهض لحلف الناتو منذ سبعة عقود وهم معصوبو الأعين».

هذا بالضبط ما يراهن عليه الإيرانيون؛ إذ كانت استراتيجيتهم هي إبعاد أوروبا والصين وروسيا –الدول الأخرى المشاركة في التفاوض على الاتفاق– بعيدًا عن الولايات المتحدة؛ ولفترة طويلة، نجحوا مع استمرار القوى الأوروبية في وضع خطط معقدة لمواجهة العقوبات الأمريكية على إيران.

ولكن في النهاية تغلبت وزارة الخزانة الأمريكية على الأوروبيين الذي عجزوا عن إقناع الشركات الأوروبية؛ بأن التعامل مع طهران يستحق المخاطرة بفقدان وصولهم إلى النظام المصرفي الأمريكي؛ ونتيجة لذلك، انهارت جهود إيران لتعويض إيراداتها النفطية المفقودة.

استئناف الأنشطة النووية بدون قيود 

يتابع التحليل بالإشارة إلى أن الإيرانيين استأنفوا الآن إنتاج المواد النووية، متخلين فعليًّا عن القيود التي وافقوا عليها في عهد أوباما.

واستغل السيد ترامب خطابه يوم الأربعاء لحث الأوروبيين على الاعتراف بأن الاتفاق النووي المبرم في عهد أوباما قد انتهى، وعليهم أن يعودوا للانضمام إلى الولايات المتحدة في موقفها، وقال: «لقد حان الوقت لأن تعترف المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين بهذا الواقع».

يستدرك الكاتب: بيد أن الحقيقة التي لا يريد ترامب إدراكها؛ هي أنه منذ أن انسحب من الاتفاق، أصبح العلماء النوويون الإيرانيون على مقربة أشهر من تحقيق اختراقٍ نووي؛ أقرب كثيرًا مما كانوا عليه عندما كانوا يلتزمون بقيود الاتفاق.

ترامب يتبع الاستراتيجية ذاتها التي لم تُجدِ نفعًا في الماضي

يقول ترامب الآن إن الاستراتيجية الجديدة هي ذاتها الاستراتيجية القديمة: ففي يوم الأربعاء، توعد بعقوبات جديدة «قوية ستبقى قائمة حتى تغير إيران سلوكها». ولم يوضح أبدًا سبب فشل العقوبات التي فُرضت حتى الآن –وهي الأكثر شدة في التاريخ الحديث، كما يقول عادةً– في إحداث هذا التغيير على مدار الثمانية عشر شهرًا الماضية.

وكان لدى وزير الخارجية مايك بومبيو،؛وهو أحد المسؤولين الذين يتبنون موقفًا متشددًا تجاه إيران، توصيفٌ لسياسة الإدارة فيما يتعلق بإيران باعتبارها تعتمد على «المواجهة والاحتواء»؛ وهي عبارة تهدف إلى استدعاء الحرب الباردة، عندما واجهت الولايات المتحدة عدوًّا أكبر، وأكثر خطورة؛ ألا وهو الاتحاد السوفيتي.

لكن ليس من الواضح أن الاحتواء الكلاسيكي ينجح في عالم يسهل فيه على الإرهابيين والأسلحة الإلكترونية عبور الحدود؛ إذ يمكن إنكار المسؤولية عن الهجمات، فيدب الخلاف بين الحلفاء الغربيين.

والاحتواء يولد المقاومة، حسبما يحذر التحليل، مستشهدًا بتغريدة على موقع تويتر لأحد كبار المفاوضين النوويين الإيرانيين، سعيد جليلي.

كان ترامب قد نشر العلم الأمريكي في تغريدة خلال الدقائق التي أعقبت مقتل الجنرال سليماني. وانتظر جليلي إلى أن ضربت الصواريخ القواعد الأمريكية في العراق، ثم وضع العلم الإيراني في تغريدة مشابهة.

دولي

منذ 6 شهور
«ناشيونال إنترست»: لماذا لن تندلع الحرب بين إيران وأمريكا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد