نشرت مجلة «نيويوركر» تقريرًا كتبته «روبين رايت»، الكاتبة والمحللة في المجلة منذ عام 1988، تحاول فيه عرض أهم التحديدات والمنعطفات التي ستواجهها إيران، لا سيما بعد توقيع الرئيس الأمريكي على الخطوة الثانية في خطة الإدارة الأمريكية للحد من البرنامج النووي الإيراني.

تقول الكاتبة: «إن الرئيس ترامب صدق يوم الاثنين الماضي، خلال عطلة جولف في منتجعه بنيوجيرسي، على أمر تنفيذي لإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، وتعد تلك الخطوة الثانية من بين الخطة الثلاثية التي تهدف إلى إجبار الجمهورية الإسلامية، إما على التفاوض على اتفاق جديد للحد من البرنامج النووي ووقف مجموعة من الأنشطة الأخرى، أو على مواجهة العزلة الاقتصادية».

جدير بالذكر أن الخطوة الأولى تمثلت في قرار الرئيس في مايو (أيار) الماضي، بالتخلي عن الاتفاق النووي التاريخي لعام 2015 الذي تفاوضت عليه إدارة أوباما، وخمس قوى رئيسة أخرى. تفرض الخطوة الثانية التي وقع عليها هذا الأسبوع إجراءات عقابية على إيران، وكذلك الشركات الأجنبية التي تتعامل معها في كل شيء بداية من السيارات والطائرات وصولًا إلى الفستق والذهب، فضلًا عن أنه يحد من قدرة طهران على استخدام الدولار الأمريكي، وهو العملة الأساسية للنظام المالي الدولي لأية صفقات، بينما تتمثل الخطوة الثالثة والأخيرة التي ستفرض في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) – الموافق للذكرى السنوية للاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران – في فرض عقوبات على جميع صادرات النفط الإيرانية إلى أي بلد وأي مستورد، وقد تم تصميم تلك الخطوة الثالثة بحيث تصل حصة مساهمة إيران في سوق الطاقة العالمي إلى الصفر.

وتشير الكاتبة إلى أن الخطوات الثلاث متجمعة من شأنها إنهاء فترة الهدوء القصيرة في التوترات بين واشنطن وطهران، والتي ترجع إلى ثورة 1979. قال ترامب في بيان أصدره البيت الأبيض يوم الاثنين: «إن سياستنا تقوم على تقييم واضح للدكتاتورية الإيرانية، ورعايتها للإرهاب، وعدوانها المستمر في الشرق الأوسط وفي جميع أنحاء العالم»، ودعا جميع الدول إلى توضيح أن إيران «تواجه خيارًا: إما تغيير سلوكها المهدّد والمزعزِع للاستقرار وإعادة الاندماج مع الاقتصاد العالمي، أو الاستمرار في مسار العزلة الاقتصادية».

النفس الأطول

لعل السؤال الأهم المطروح الآن هو «أيهما يمكنه الصمود لفترة أطول: أمريكا أم إيران؟»

يتحدى ترامب الدول الخمس الأخرى الموقعة على اتفاق عام 2015: بريطانيا، والصين، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والذين ما زالوا متورطين في الاتفاق النووي، فضلًا عن أنه يتجاهل قرار الأمم المتحدة رقم 2231، والذي وافق عليه مجلس الأمن بالإجماع؛ إذ صرح وزراء خارجية كلٍّ من بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والاتحاد الأوروبي، في بيان مشترك يوم الاثنين بأنهم «يأسفون بشدة» لتحرك ترامب لفرض عقوبات على إيران؛ إذ تعد الصفقة التي وقعوا عليها «حاسمة بالنسبة لأمن أوروبا والمنطقة والعالم بأسره»؛ حتى بعد مضي أكثر من عامين على تنفيذه، تستمر الدول الموقعة في إجماعها على أنه ما زال يحقق هدفه الرئيس المتمثل في «ضمان أن يكون البرنامج النووي الإيراني سلميًا كليًا»، وهو ما أكدت عليه أشد عمليات التفتيش التي فرضت على أي بلد في 11 تقريرًا، ومن المؤكد أن التلويح بعقوبات جديدة يهدد حافز إيران على التعاون.

وقال الأوروبيون: إنهم «عازمون على حماية» الشركات التي انخرطت في أعمال تجارية مشروعة مع إيران منذ بدء سريان الاتفاق، والتزم جميع الموقعين الخمسة الآخرين، بما في ذلك الصين وروسيا، بالحفاظ على القنوات المالية لإيران، والتأكد من أن إيران يمكنها تصدير نفطها وغازها، وأضاف الأوروبيون أن «الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران هو مسألة احترام الاتفاقيات الدولية وأمن دولي». وتعهدوا بتكثيف جهودهم في الأسابيع المقبلة، وفي يونيو (حزيران) تعهدت الصين بمواصلة شراء النفط الإيراني، وهي أكبر مستورد للمنتجات البترولية الإيرانية؛ ما يمثل حوالي ربع صادرات طهران.

إلا أن الكاتبة تشير إلى تباهي وزير الخارجية الإيراني مجموعة من الصحافيين المحليين يوم الاثنين قائلًا: «لن يحدث شيء»، مضيفًا: «أعتقد أننا سننجح في المرور بنجاح من هذا المنعطف الحرج أيضًا، كما فعلنا في الماضي».

ضغوط داخلية

وعلى الرغم من مثل هذا التباهي، تقول الكاتبة: إن التأثير الاقتصادي لكل تلك الأحداث محسوس بالفعل في إيران، قال «كينيث كاتزمان» – محلل لشؤون الشرق الأوسط وإيران لدى دائرة البحوث التابعة للكونجرس الأمريكي: إنه «بمجرد إعلان الإدارة الأمريكية الخروج من الصفقة النووية، بدأت الشركات حول العالم في تقليص أو إنهاء مشاركتها في السوق الإيرانية».

وأضاف كاتزمان: «هذا ينطبق بشكل خاص على الشركات الأوروبية التي تتعرض بقدر كبير للسوق الأمريكية الكبيرة، وسيكون تأثير إعادة فرض العقوبات بحلول نوفمبر ملموسًا، ولكن ليس بنفس درجة التكبيل التي كانت عليها العقوبات في الفترة من 2012 إلى 2015، عندما كانت جميع البلدان في جميع أنحاء العالم تتعايش مع العقوبات الأمريكية، وأردف أن «الاقتصاد الإيراني قد يكون ثابتًا، أو حتى يواجه ركودًا طفيفًا، لكنه سيكون قادرًا على تدبر أمره إلى ما لا نهاية».

يقول «ريتشارد نيفيو»، مؤلف كتاب «فن العقوبات» (The Art of Sanctions)، وخبير العقوبات الرئيس أثناء المفاوضات النووية مع إيران في إدارة أوباما، إن عدم وجود دعم أجنبي موحد للعقوبات يعني بدوره وجود الكثير من الثغرات، وإنفاذ أكثر تعقيدًا، وكذلك العديد من الخلافات بين الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية أكثر مما كان في الماضي؛ مما يقوض القوة الدبلوماسية اللازمة لإشراك الصين أو الهند أو غيرهم ممن يقومون بأعمال تجارية مع إيران. وأضاف أن التحدي الأكثر صعوبة في فرض التطبيق هو فرض العقوبات على صادرات النفط في شهر نوفمبر، وأضاف «نيفيو» أنه من المرجح أن تستبدل بشركات الطاقة الكبيرة التي تنسحب من إيران عمليات أصغر «تكون قادرة على التعامل في إطار حصانة في إيران؛ ما يؤدي بدوره إلى تخفيف تأثير العقوبات على المدى الطويل».

وفي الوقت نفسه يتعرض المتشددون الإيرانيون لضغوط متزايدة أيضًا؛ فمنذ ديسمبر (كانون الأول)، اندلعت مظاهرات متفرقة في جميع المقاطعات الإيرانية البالغ عددها 31 مقاطعة تقريبًا احتجاجًا على البطالة، وارتفاع الأسعار، وهبوط قيمة الريال الإيراني، وتأخر الأجور، وغيرها من المصاعب الاقتصادية، جدير بالذكر أن الريال الإيراني خسر أكثر من نصف قيمته منذ أبريل (نيسان)؛ الأمر الذي أدى إلى حدوث أزمة في العملات الأجنبية والذهب. يقول الكاتب: إن المظاهرات أحيانًا تحولت إلى مظاهرات سياسية، لاسيما مع انتشار مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر بعض المتظاهرين يطالبون بإطاحة الرئيس «حسن روحاني».

قال «جون بولتون» – مستشار الأمن القومي – في لقاء على قناة «فوكس نيوز» يوم الاثنين: إن الاحتجاجات تعكس معارضة داخلية متزايدة للنظام والحرمان الاقتصادي والقمع السياسي، وأن النظام الحاكم في إيران «في وضع هش للغاية»، ولعل السؤال الحقيقي يكمن في ما إذا كان فيلق الحرس الثوري و«آيات الله» سيستخدمون القوة ضد شعبهم أم لا؟ وأضاف «بولتون» أن الولايات المتحدة عازمة على فرض «ضغط غير مسبوق» على الجمهورية الإسلامية، وذلك على الرغم من ادعائها أن الهدف من ذلك ليس تغيير النظام، جدير بالذكر أن «جون بولتون كانت له دعوات متكررة من أجل الإطاحة بالثيوقراطيين الإيرانيين في يناير (كانون الثاني) قبل أن ينضم إلى إدارة الرئيس ترامب.

تفاوض مشروط!

تذكر الكاتبة أن الرئيس «ترامب» عرض على إيران ما يبدو أنه «مخرج» من نوع آخر، ففي خطوة مفاجئة ووسط تهديداته الصارمة ولغته العدائية تجاه إيران اقترح الرئيس الأسبوع الماضي استعداده للاجتماع مع الرئيس الإيراني للتفاوض على اتفاق نووي جديد، فكان هذا الاقتراح مشابهًا لاقتراح ترامب لزعيم كوريا الشمالية «كيم جونج أون»، الذي التقى به في قمة في سنغافورة في يونيو، وقد وصف «بولتون» الرئيس الأمريكي بأنه كان «شديد الجدية حيال ذلك»، مضيفًا «إذا أراد آيات الله الخروج من تحت الضغط؛ يجب أن يأتوا ويجلسوا إلى طاولة الحوار. لن تخفف الضغوط، بينما تستمر المفاوضات، كما كان الحال في حملة الضغط الأقصى ضد كوريا الشمالية».

وفي ظهور متلفز ليلة الاثنين، قال روحاني إنه أيضًا «مستعد للمحادثات»، على الرغم من أن إيران كانت لديها موضوعات جديدة تريد إضافتها إلى الشروط، بما في ذلك التعويض عن التحركات الأمريكية ضد إيران منذ الانقلاب المدعوم من وكالة المخابرات المركزية في عام 1953. وقال «روحاني»: «إذا وضع أحدهم سكينًا في ذراع الخصم، أو العدو، ثم قال: إننا نريد التفاوض، فإن الجواب الذي يلاقيه أنه يجب عليه أولًا سحب السكين، ثم يأتوا إلى طاولة المفاوضات»، وأردف قائلًا: إن «التفاوض في ظل وجود العقوبات لا معنى له؛ فتلك العقوبات تستهدف الأطفال والشعوب الإيرانية».

تؤكد الكاتبة أن المكان الوحيد الذي يمكن أن يلتقي فيه الزعيمان هو الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تفتتح الشهر المقبل في نيويورك. من المتوقع أن يتحدث كل من ترامب وروحاني، جدير بالذكر أن الرئيس أوباما أجرى محادثة هاتفية قصيرة مع روحاني عندما كان في نيويورك عام 2013، وأطلق عقبها عامين من الدبلوماسية النووية، بلغت ذروتها في الاتفاق النووي بين البلدين، إلا أن قادة الدولتين لم يلتقوا منذ ثورة 1979.

يقول «دانيال جلاسر»، مساعد وزير الخزانة السابق لتمويل الإرهاب وجرائم التمويل: في حين تتواجه الدولتان خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا، ليس حول كم العقوبات التي ستضر بإيران، بل الأحرى ما هو السياق الإستراتيجي الذي تطبق في ظله تلك العقوبات؟ وأضاف أن «العقوبات أداة؛ إنها ليست سياسة، وعلى الرغم من احتجاجات الولايات المتحدة على ما يخالف ذلك، ما تزال أهداف الولايات المتحدة غير واضحة، والإستراتيجية التي تنوي من خلالها تحقيق تلك الأهداف ما تزال هي الأخرى غير واضحة»، وأضاف «جلاسر» أن الضغط الاقتصادي العقابي على إيران سيواجه صعوبات، لكن العقوبات دائمًا تكون أكثر فعالية عندما تتوحد العديد من الدول على تنفيذها، وأردف قائلًا: «صار جليًا أن العزلة المتزايدة للولايات المتحدة عن حلفائها التقليديين أصبحت أكثر ضررًا».

واختتمت الكاتبة تقريرها مؤكدةً على أن العقوبات التي تفرضها إدارة ترامب ليست واضحة الأهداف، باستثناء «استسلام إيران، والعودة إلى طاولة المفاوضات لإعادة التفاوض»، يقول «ماثيو ليفيت»: نائب مساعد وزير الاستخبارات والتحليل السابق في وزارة الخزانة: إن ذلك يبدو أمرًا «مستبعدًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!