لم يستغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تلك اللحظة الفارقة التي قتلت فيها القوات الأمريكية أبا بكر البغدادي، زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، ليسترضي شعبه الذي بدا عليه السخط من التصريحات المثيرة للجدل التي عادة ما يدلي بها الرئيس الأمريكي، خاصة بعد بدء الكونجرس إجراءات عزله.

نشر موقع «ڤوكس» الأمريكي تقريرًا للكاتب أليكس وارد، المهتم بشؤون الأمن والدفاع الدولي، سلط فيه الضوء على الأخطاء التي ارتكبها ترامب في مؤتمر الإعلان عن مقتل البغدادي.

وقال الكاتب في مستهل تقريره: «صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منصة البيت الأبيض في صباح السبت ليعلن عن العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأمريكية والتي أسفرت عن مقتل أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم (داعش)، في ما يُعتبر لحظة مهمة للبلاد وإرث ترامب. لكن بدلًا عن الإعلان فقط عن مقتل ما يسمى بالخليفة، اختار ترامب الإجابة على الأسئلة لنحو 40 دقيقة بعد أن تحول الأمر إلى مؤتمر صحافي جامح».

«وفي أثناء جلسة الأسئلة والأجوبة، كشف ترامب عن العديد من التفاصيل الحساسة بشأن الغارة التي وقعت في سوريا التي قد تمنح أعداء الولايات المتحدة مزايا استخباراتية، واعترف بإخفاء العملية عن الكونجرس، وسخر من الزعيم الإرهابي بشكلٍ علني، وأثنى على قرار حظر السفر المثير للجدل، كما ألمح إلى أن هجمات 11 سبتمبر (أيلول) ما كانت لتحدث لو اهتمت واشنطن بنصحه. وبوجه عام أهدر ترامب إحدى أفضل اللحظات في رئاسته بعد حديثه دون إدراك بأسلوبه المرسل وتضخيم الذات».

ونقل الكاتب ما قاله له مايكل ليتر، الذي قاد المركز القومي لمكافحة الإرهاب بالولايات المتحدة منذ عام 2007 حتى عام 2011: «إن الحديث عن عدد الطائرات، والمواقع التي تحلق فيها هذه الطائرات، وكيفية اقتحامها لأحد المباني، والتقنيات الأخرى التي تستخدمها، وكذا الحديث عن معلومات بشأن الأنفاق وتحديد موقع تلك الأنفاق، هذه تفاصيل عملياتية للتباهي فقط».

ويشير الكاتب إلى أن ذلك يعني أن ترامب حوّل لحظة تاريخية إلى أخرى قد يتذكرها الكثيرون بشكل أكبر بسبب لا مبالاته وتظاهره بالشجاعة. وقدم دليلًا مختصرًا لأبرز  تصريحات ترامب المثيرة للجدل.

«صُنع في سجون أمريكا».. تعرف إلى الضابط السابق الذي قد يكون خليفة البغدادي؟

ترامب كشف عن معلومات حساسة تخص غارة البغدادي

قضى ترامب كثيرًا من الوقت عقب تصريحاته التي أعدها مُسبَقًا، والتي تقدم معلومات أكثر مما تريده الإدارة بكل تأكيد. وفيما يلي بعض الأمثلة:

  • فشل «مجهودين أو ثلاثة جهود» رامية إلى إلقاء القبض على البغدادي على مدار بضعة أسابيع بسبب تحركات الزعيم الإرهابي غير المتوقَّعَة.
  • قبل الغارة، علمت الولايات المتحدة أن منزل البغدادي يوجد به أنفاق قد يحاول الهرب من خلالها.
  • القوات الامريكية فجّرت بابًا حتى تدخل إلى منزل البغدادي.
  • حصلت الولايات المتحدة على حمض نووي أكثر مما طلبت حتى تتأكد من أن الرجل الذي لقي حتفه في الغارة هو البغدادي.
  • قتلت الولايات المتحدة العشرات من الدائرة المحيطة بالبغدادي واعتقلت آخرين منهم.
  • استخدمت الولايات المتحدة ثماني طائرات هليكوبتر، وسفنًا أخرى، وطائرات للمساعدة في الهجوم.

Embed from Getty Images

ويرى الكاتب أن هذه معلومات كثيرة جدًا؛ لأن الولايات المتحدة عادة ما تقدم بعض التفاصيل التي تساعد الجمهور على فهم كيف وقعت هذه العملية الجريئة، لكنها لا تقدم الكثير منها حتى لا يُقحَم الأمريكيون – والخصوم المحتملون – في عمق المعلومات المتعلقة بالمعدات والاستخبارات والتخطيط والتكتيكات.

أحد أسباب ذلك  – بحسب التقرير – هو أن عناصر (داعش) ستتحصل على مزيد من البيانات بشأن كيفية شن الولايات المتحدة لغارات من هذا النوع، وستعلم أن الاستخبارات الأمريكية تجري استخبارات جوهرية عن تصميم المنازل الإرهابية، كما ستفترض أن مسؤولي استخبارات الولايات المتحدة ربما يعلمون معلومات جديدة من المعتقلين والوثائق التي استولوا عليها.

وقد يؤدي أي تحذير لعناصر (داعش) يفيد بأن الولايات المتحدة لديها معلومات متراكمة عُثر عليها مؤخرًا إلى تغيير أساليبهم؛ مما يجعل الاستخبارات أقل أهمية مع مرور الوقت.

بعبارة أخرى: أصبحت محاربة الولايات المتحدة لـ(داعش) الآن أصعب إلى حدٍ ما بفضل تصريحات الرئيس غير الموزونة!

ترامب: البغدادي كان يصرخ ويبكي أثناء محاولته الهرب

يشير الكاتب إلى أن الإعلان عن مقتل إرهابي شرير ووحشي يُعد إجراءً ذا صبغة معقدة. فمن ناحية، يمكن النظر إليه على أنه لحظة فخر، وعلى أن الولايات المتحدة تُظهر ما أوتيت من قوة بدهاء وعلى أن الرئيس يكشف عن نتيجة إيجابية بعد أن اتخذ قرارًا صعبًا.

لكنها أيضًا مناسبة متجهمة نسبيًا؛ لأنه بغض النظر عن مدى فظاظة الهدف، لا تزال الولايات المتحدة تعترف بأنها أعدت لمقتل شخص. ولذا فإن الرئيس في مثل هذه اللحظات عادة ما يفضل اتخاذ هذه الطريقة السليمة للحفاظ على كرامة أمريكا وكرامتهم، لكن ذلك الأمر لم يحدث هنا.

ويوضح التقرير استخدام ترامب هذه اللغة حتى يعلم أتباع البغدادي عن طريقة موته التي تفتقر إلى أدنى قدر من الشجاعة، ولعل ذلك سعيًا إلى تجريده من قيادته وثني الآخرين عن الانضمام للجماعة، وحتى لا تسيل الدموع على مقتل البغدادي في الولايات المتحدة والعديد من الأماكن الأخرى في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط.

لكن الاحتفال بالنصر والاستمرار في إلقاء الشتائم على الزعيم جعلت هذه المناسبة المهمة أقل تشريفًا مما كان بالإمكان أن تكون.

ترامب لم يخبر الكونجرس عن الغارة خوفًا من احتمالية تسرُّب العملية

لفت الكاتب إلى أنه عندما تتخذ الولايات المتحدة إجراءً رئيسًا على الساحة العالمية، فعادة ما يبلغ الرئيس جميع أعضاء الكونجرس، بغض النظر عن الحزب الذي ينتمون إليه أو العلاقة بين السلطتين الحكوميتين. لكن ترامب اعترف أنه لم يفعل ذلك أثناء شنه الغارة التي قتلت البغدادي خوفًا من تسرب الأنباء عن العملية.

«وهناك حجة قوية تقول إن ذلك القرار كان حكيمًا؛ ففي النهاية كانت هذه عملية عسكرية ذات حساسية بالغة كانت ستفشل فشلًا ذريعًا إذا كُشِف عن أي كلمة بشأنها، وهذا يوضح سبب عدم ذكر مجلة «نيوزويك» التي كانت أول من يعلم عن الغارة، حتى علمت أن فعل ذلك بات أمانًا».

Embed from Getty Images

وبحسب التقرير، يرمي ترامب إلى أنه إذا أبلغ قادة الكونجرس – لا سيما الديمقراطيين – عن العملية، فقد يجري اكتشافها؛ مما يعرض القوات الأمريكية للخطر.

وفي الواقع لا يثق ترامب في الديمقراطيين بشكلٍ كافٍ بشأن ضمان الأسرار الأمنية القومية الحاسمة. ويُعد ما قام به ترامب اعترافًا صادمًا، كما يبرهن على مدى الثقة القليلة التي يضعها البيت الأبيض في الكونجرس.

من جانبها أعربت نانسي بيلوسي، رئيس مجلس النواب، عن استيائها إزاء تصريحات ترامب.

وقالت نانسي: «كان يجب إخطار مجلس النواب بالغارة، التي أُبلغ بها الجانب الروسي، وليس قيادات الكونجرس في المقام الأول، وكذا إستراتيجية الرئيس الشاملة في المنطقة». وأضافت: «يستحق جيشنا وحلفاؤنا قيادة قوية وذكية وإستراتيجية من جانب واشنطن».

وتجدر الإشارة إلى أن تصريحات رئيسة البرلمان مضللة إلى حدٍ ما؛ فقد كان يجب على الولايات المتحدة إبلاغ روسيا بالغارة مسبقًا للتأكيد على أن القوات يمكنها أن تُحلِّق فوق الأراضي التي تسيطر عليها موسكو. وهذا بعيد تمامًا عن إبلاغ البيت الأبيض للكرملين بشأن العملية ذاتها، وهو ما لم تفعله الولايات المتحدة، على حد تعبير ترامب.

ترامب: قرار الحظر طريقة للحماية ضد «داعش»

بحسب التقرير، يقول ترامب إن الولايات المتحدة في مأمن من خطر (داعش) غالبًا لأن خلافتها المزعومة في سوريا والعراق ذهبت مع الريح، ولم يعد البغدادي على قيد الحياة، لكنه يدّعي أن مقاتلي (داعش) سيمرون بأوقات صعبة حتى يلحقون ضررًا بالأمريكيين بسبب قرار حظر السفر المثير للجدل الذي فرضه خلال عامه الأول من رئاسة البلاد.

جدير بالذكر أن ترامب فرض حظرًا على ستة بلدان ذات أغلبية مسلمة في بداية الأمر حتى يُبعِد الإرهابيين عن بلاده، لكن تلك الحجة عادة ما كانت واهية، فلم يرتكب أي شخص من تلك الدول هجومًا إرهابيًا فتَّاكًا داخل حدود الولايات المتحدة.

ولم تقدم إدارة ترامب أي سبب مقنع حتى الآن على أن مواطني تلك الدول يشكلون أي نوع من أنواع التهديدات الإرهابية الخاصة في المستقبل. فضلًا عن ذلك، فإن احتمالية القتل على يد إرهابي مهاجر من أي نوع، ناهيك عن المسلم المهاجر، هي واحد من بين 3.6 مليون.

وبالتالي، فإن تفاخر ترامب بالحظر على أنه طريقة لجعل أمريكا آمنة من (داعش) لا يبدو منطقيًا بالفعل. وإن كان، فإن الإرهاب المستوحى من (داعش) من داخل الولايات المتحدة يشكل تهديدًا أكبر، ولم يقدم الرئيس كلمة واحدة عن خطته للتعامل مع ذلك في المستقبل.

ترامب: هجمات 11 سبتمبر (أيلول) ما كانت لتحدث لو سمعت البلاد لنصحي

في نهاية مؤتمره الصحافي أوضح ترامب أنه علم بالخطر الذي شكَّله أسامة بن لادن، زعيم القاعدة السابق، على أمريكا قبل أي شخص آخر.

وأوضح الكاتب فكرتين أساسيتين في كتاب ترامب.

أولًا: لم يقل ترامب أبدًا إن الولايات المتحدة ينبغي أن تقتل ابن لادن؛ فقد ذكر ترامب ابن لادن في كتابه «أمريكا التي نستحقها»، لكنه لم يقل إن الولايات المتحدة أو أي شخص آخر ينبغي أن يقتل ابن لادن. وعلى أقصى تقدير أورد ترامب التهديد الذي يشكله ابن لادن إلى جانب العديد من التهديدات الأخرى التي تواجه الأمن القومي في الولايات المتحدة حينئذ.

بالإضافة إلى ذلك، يلمح ترامب إلى أن هجمات 11 سبتمبر ما كانت لتحدث إذا ما استمعت حكومة الولايات المتحدة إلى نصيحته الرامية إلى قتل ابن لادن. وبالطبع، لم يقدم ترامب ذلك التحذير على الإطلاق من الأساس، ومن غير الواضح إذا كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيار) لن تحدث في المستقبل، حتى دون قيادة ابن لادن.

ثانيًا: علم الناس جيدًا من هو بن لادن قبل عام 2000؛ حيث كان أحد أهم الأهداف بعد أن فجّرت القاعدة سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998؛ مما أسفر عن مقتل 224 فردًا. وخصصت وكالة الاستخبارات المركزية قسمًا خاصًا لابن لادن فقط بداية من منتصف التسعينات.

وبالتالي فإن ترامب ليس موهوبًا في مجال مكافحة الإرهاب، بل هو رئيس قام بمهمة ناجحة لمقتل أحد الإرهابيين سيئي السمعة في العالم، ولا يستطيع أحد إنكار ذلك.

«نيويورك تايمز»: كيف تأكدت «الكوماندوز» الأمريكية من مقتل البغدادي رغم تفجر جسده؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد