يخوض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أزمةً محتدمة مع الحكومة الأمريكية حول تمويل الجدار الذي يود بناءه على الحدود الأمريكية مع المكسيك، وهي الأزمة التي تسببت في إغلاقٍ حكومي أوشك أن يصبح الأطول في تاريخ الولايات المتحدة.

استشهد ترامب مرارًا خلال الأزمة بنموذج الجدار العازل الذي بنته إسرائيل على حدود الضفة الغربية وغزة. إذ قال في حديثه لشبكة «فوكس نيوز» بعد وقتٍ قصيرٍ من انتخابه: «الجدار يحمي. واسألوا إسرائيل». وكرَّر مديحه للجدار الإسرائيلي خلال اجتماعٍ مع نانسي بيلوسي وتشاك شومر داخل البيت الأبيض في الشهر الماضي، إذ قال: «يُسعدني أن تُغلَق الحكومة بسبب أمن الحدود. وإذا أردتم معرفة مدى فاعلية الجدار، اسألوا إسرائيل بكل بساطة».

لكنَّ سراج عاصي، الباحث الزميل بجامعة جورجتاون الأمريكية، يوضح في مقالٍ كتبه على صفحات مجلة «جاكوبين» أنَّ الإسرائيليين بنوا جدارهم العازل لفصل أنفسهم عن الفلسطينيين، وليس «حمايتهم». لدرجة أنَّهم يُطلقون عليه اسم «جدار الفصل العنصري».

«هافرادا» من أفكار إسحاق رابين

يشير عاصي إلى أنَّ المسؤولين الإسرائيليين استخدموا على مدار عقود مصطلح «الهافرادا Hafrada» (وهي كلمة عبرية تعني «الفصل» أو «العزل») لوصف السياسة التي تنتهجها إسرائيل في حكم الضفة الغربية وغزة، والتي تنطوي على الفصل بين الفلسطينيين من جهة، والسكان الإسرائيليين ومجتمع المستوطنين اليهود على الأراضي الفلسطينية المُحتلة من جهةٍ أخرى. وبُنِيَ الحاجز الإسرائيلي في الضفة الغربية، والذي يُعرف في العربية بـ«السياج الفاصل»، بالتوافق مع رؤية «الهافرادا» هذه.

وبحسب المقال، تعود فكرة الجدار إلى أوائل التسعينيات في أعقاب الانتفاضة الأولى، حين تقدَّم رئيس الوزراء إسحاق رابين بفكرة إقامة حاجزٍ ماديٍ يفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى الأبد. وأمر ببناء جدارٍ بطول 30 ميلًا (48 كم) على طول قطاع غزة. كانت رؤية رابين للهافرادا تتلخَّص في تعهُّده الشهير بـ«عزل غزة عن تل أبيب»، وإعلانه عام 1994 أنَّ «علينا تبنِّي الهافرادا باعتبارها فلسفة للبلاد». وصرَّح للشعب الإسرائيلي في العام التالي: «علينا التوصُّل إلى حلٍ يفصل بيننا وبينهم».

وضع رابين تلك الفلسفة موضع التنفيذ بتشكيل لجنةٍ خاصةٍ لمناقشة تطبيق الهافرادا وصياغة «خطة فصل». ونتج عن الخطة «خطٌ فاصلٌ» من السياج التي تمتد على طول مائتي ميل (321 كم) مع الضفة الغربية. (واعتاد رابين وصف عملية السلام مع الفلسطينيين على أنَّها شكلٌ من أشكال الهافرادا). وتبنَّى شمعون بيريز خليفة رابين منطق الهافرادا حين قال للناخبين الإسرائيليين عشية انتخابات عام 1996: «ابنوا سياجًا لإبعاد الفلسطينيين».

ويضيف عاصي أنَّه في عام 1998، رشَّح إيهود باراك نفسه ببرنامجٍ مبنيٍ صراحةً على عقيدة الهافرادا، وقاد حملته الانتخابية تحت شعار: «نحن هنا وهم هناك». وخلال خطابٍ شهيرٍ ألقاه أمام منظمة «بناي بريث» الدولية في أغسطس (آب) من نفس العام، أعلن باراك: «يجب أن نفصل أنفسنا عن الفلسطينيين ماديًا، استنادًا إلى وصية الشاعر الأمريكي روبرت فروست الذي كتب ذات مرةً أنَّ السياج الجيدة تصنع جيرانًا جيدين. اتركوهم خلف الحدود التي سنتفق عليها، وابنوا إسرائيل».

إسرائيل ترسخ فلسفة الفصل العنصري

فاز باراك في الانتخابات العامة التي أُجريت عام 1999 بأغلبيةٍ كاسحة. وعمل على ترسيخ رؤية الهافرادا بمجرد تسلُّمه لمنصبه الجديد. وسعى إلى تحفيز حكومته على فتح الحوار بشأن العزل من خلال تسليم وزرائه نسخًا من بيانٍ انفصاليٍ كتبه الأكاديمي الإسرائيلي دانيال شويفتان. ويُذكر أنَّ البيان، الذي يحمل عنوان «Korach ha-Hafrada» أو «ضرورة الفصل»، هو الذي ألهم رؤية باراك الانفصالية.

وبذلك انحاز باراك بدهاءٍ إلى الرأي السائد والمُهيمن داخل إسرائيل وقتها؛ فبحسب عاصي، أظهر استطلاعٌ للرأي أُجري في أواخر ديسمبر (كانون الأول) من نفس العام أنَّ 75% من الإسرائيليين يُؤيِّدون سياسة الهافرادا.

وحسبما يوضح المقال، سرعان ما أصبحت الهافرادا غاية إسرائيل الأولى بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000. وفي عام 2003، تقدَّم أرييل شارون، بعد أن هزم باراك بسهولةٍ في الانتخابات عام 2001، بمشروعه الخاص الذي يحمل اسم «الهافرادا: الفصل أُحادي الجانب». وتفوَّقت رؤية شارون للهافرادا على رؤية باراك بنهاية المطاف. وتبنَّت الحكومة الإسرائيلية مشروعه في يونيو (حزيران) عام 2004، ووافق عليه الكنيست في فبراير (شباط) عام 2005 ليبدأ تطبيقه في أغسطس (آب) من نفس العام، وأسفر ذلك عن فك الارتباط الإسرائيلي بغزة من جانبٍ واحد.

وتجدُر الإشارة وفقًا لعاصي إلى أنَّ خطة انفصال شارون أُحادية الجانب هي التي مهَّدت الطريق أمام بناء الجدار العازل سيئ السُمعة، الذي وصفه المسؤولون الإسرائيليون بالتجسيد المادي لرؤية شارون للهافرادا. وعُدِّل مُسمى الخطة بالعبرية ليُصبح «Tokhnit Ha-Hitnatkut» أو «خطة الانفصال» بعد أن كان يُطلق عليها «Tokhnit Ha-Hafrada» أو «خطة الفصل»، نتيجة المخاوف الواضحة من تشابه مصطلح «الهافرادا» العبري مع مُصطلح «الأبارتهيد»، الذي يعني الفصل العنصري في اللغة الإفريقانية.

«خطة التوافق» لدى خلفاء شارون

ثم يشير الكاتب إلى أنَّ الهافرادا اتخذت شكلًا جديدًا في ظل حكومة إيهود أولمرت خليفة شارون، إذ أُطلق عليها «خطة إعادة التنظيم» أو «خطة التوافق»، في إشارةٍ إلى خطة إسرائيل لفك ارتباطها مع الضفة الغربية من جانبٍ واحدٍ في أعقاب ضم المستوطنات اليهودية إلى إسرائيل. وسعت الخطة الجديدة إلى مواصلة «سياسة العزل» التي طبَّقها أسلاف أولمرت، رغم استخدامها مصطلحٍ أكثر اعتدالًا.

«فورين بوليسي»: لفهم «جدار ترامب».. هل فكرة الجدار الحدودي كانت ناجحة تاريخيًّا؟

ووفقًا للمقال، يُشارك رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو أسلافه التزامهم تُجاه مبدأ الهافرادا. إذ قال لأعضاء حكومته عام 2011: «لا جدوى من الجدل الدائر حول أعداد اليهود والفلسطينيين في المنطقة الواقعة بين الأردن والبحر. ولا يُهمِّنا وجود نصف مليون فلسطينيٍ أو عدمه، لأنَّني لا أنتوي ضمهم إلى إسرائيل. أُريد الانفصال عنهم كي لا يتحوَّلوا إلى مواطنين إسرائيليين».

ورغم تفضيل بعض الإسرائيليين التفرقة بين «الفصل الصارم» الذي انتهجه رابين وباراك و«الفصل الناعم» الذي سار على خُطاه بيريز وأولمرت، لكنَّ النتيجة تظل واحدة، وهي بحسب عاصي شكلٌ من أشكال الفصل العنصري المبني على التقسيم المادي، حيثُ تتمتَّع مجموعةٌ عرقيةٌ بالحرية التي حُرمت منها المجموعة الأخرى.

ولا يقصد الكاتب هنا تشبيه الهافرادا الإسرائيلية بنظام الأبارتهيد الجنوب إفريقي، لكنَّه يرى أنَّ الفصل العنصري أو الانفصال يُمكن أن يتَّخذ أشكالًا لا تُعَدُّ ولا تُحصى بوصفه نظامًا للفصل القسري المبني على العرق أو السلالة، تفرضه مجموعةٌ مُهيمنة تتمتع بالسيادة على مجموعةٍ مُفقرة مسلوبة الحقوق.

ويوضح عاصي أنَّ الهافرادا لم تفقد أيًا من قوتها في الخطابين السياسي والجماهيري الإسرائيلي، رغم إلغاء استخدامها تدريجيًا من قاموس المصطلحات الرسمية، في محاولةٍ لتجنُّب الربط بيها وبين مُصطلح الفصل العنصري سيئ السمعة «الأبارتهيد». وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، استعار الفلسطينيون مصطلحات إسرائيل نفسها في وصف الجدار الذي يمتد إلى أعماق أراضيهم، مُشرِّدًا مجتماعتهم وقاطعًا الطرق التي تربط بين بلداتهم وقُراهم.

روبرت فيسك: هذا ما صدمني عند «جدار الفصل العنصري»! 

وفضلًا عن ذلك، لم تَعُد الهافرادا حكرًا على تصرفات إسرائيل تُجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة فقط. إذ طُبِّقَت أيضًا على تعامل إسرائيل مع المواطنين الفلسطينيين في بقية الأراضي المحتلة. ففي عام 2005، رسم معرضٌ فنيٌ في يافا صورةً دراميةً لذلك النوع من السياسات الهادفة إلى تجريد الفلسطينيين من الإنسانية، بعرض صورٍ لعشراتٍ من مواقع الفصل في إسرائيل، يُفصَل داخلها بين البلدات اليهودية والعربية وبين الأحياء اليهودية والعربية في المُدن المُختلطة حسبما تسميها إسرائيل (مثل حيفا والقدس واللد).

ويعتقد عاصي بأنَّ المواطن الإسرائيلي العادي سيرى في هذا المعرض بالتأكيد تجسيدًا لفكرة الهافرادا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد