في وقت سابق من هذا العام، ندد الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» بتدنيس المقابر اليهودية، لكنه لم يقل شيئًا تقريبًا عن مقتل رجل أسود من ولاية نيويورك الشهر الماضي على يد رجل عسكري عنصري.

كما أن أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي الـ100 كانوا قد وقعوا على رسالة إدانة للتهديدات بتفجير المعابد والمراكز الاجتماعية اليهودية، التي كان وراءها في نهاية المطاف مراهق إسرائيلي. لم نسمع بتعبير مماثل من القلق إزاء حادثة إحراق أربعة مساجد أمريكية من قبل مخربين في الشهرين الأوليين من عام 2017.

اقرأ أيضًا: كيف يسيطر اليهود على اقتصاد العالم؟

لماذا إذن الكيل بمكيالين؟

تساؤل طرحه «جوناثان زميرمرمان»، أستاذ التاريخ في جامعة بنسلفانيا، في مقال نشره بموقع «Salon» الأمريكي، قال فيه: إن بعض المراقبين رجحوا أن الرئيس الأمريكي هو أكثر انسجامًا مع معاداة السامية من الأشكال الأخرى من التعصب؛ لأن ابنته وزوجها يدينون بالديانة اليهودية.

ويشير آخرون- بحسب الكاتب – إلى أن قرارات الرئيس «ترامب» فيما يتعلق بالهجرة وحظر دخول المسلمين للولايات المتحدة هي التي جعلت الإسلاموفوبيا (كراهية الإسلام) تبدو أقل استهجانًا من التحيز والتعصب ضد اليهود.

ولكن الكاتب ذكر أن ثمة تفسيرًا بسيطًا لهذا الأمر، وهو أن اليهود ينتمون إلى البيض الأمريكان.

أوضح الكاتب أن ذلك لم يكن هو الحال خلال أغلب فترات التاريخ الأمريكي. فاليهود كانوا يشكلون جنسًا منفصلًا، كما هو الحال مع السود والآسيويين اليوم. لكن مع مرور الوقت أصبح اليهود من البيض، الأمر الذي جعل من الصعب على البيض الآخرين كراهيتهم.

وقال الكاتب: إن هذه هي الحقيقة التي يتم تجاهلها عندما يتعلق الأمر بقضية العرق في أمريكا. كلمة «العرق» تستحضر البيولوجيا، ومجموعة من الصفات الوراثية وغير القابلة للتغيير، ولكنها في الواقع تصنيف ثقافي واجتماعي، وليس تصنيفًا بيولوجيًا، وهذا هو السبب في أنها تتغير مع مرور الوقت.

قرارات الرئيس «ترامب» فيما يتعلق بالهجرة وحظر دخول المسلمين للولايات المتحدة هي التي جعلت الإسلاموفوبيا (كراهية الإسلام) تبدو أقل استهجانًا من التحيز والتعصب ضد اليهود

أشار الكاتب إلى أنه حتى أربعينات القرن الماضي سُجل اليهود كمجموعة عرقية متميزة من قبل سلطات الهجرة الأمريكية، ولكن العديد من البيض غير اليهود اعتقدوا أيضًا أن اليهود يتشاركون ذات الصفات مع أكثر الأجناس التي عانت من التمييز العنصري: الأمريكيين الأفارقة.

واستحضر الكاتب ما ذكره الصحفي والشاعر الأمريكي «آرثر تي أبيرناثي» في كتابه الذي نشره في عام 1910: «اليهود والزنوج»، من أن اليهود القدماء يختلطون مع الشعوب الأفريقية المجاورة. لون البشرة لدى اليهود أصبح أقل سوادًا عندما انتقلوا إلى أجواء مناخية أخرى، لكنهم ما زالوا يحملون نفس صفات العين والأظافر كالسود.

في الشمال، وفي الوقت نفسه، أدى قلق وخوف الطلاب البيض من طلاب الجامعات من اليهود، أدى إلى تخصيص حصص خاصة بهم قللت من أعدادهم. «اليهود الملاعين غير مرغوب بهم هنا»، هكذا قالت لافتة علقت في حرم إحدى الجامعات الأمريكية في عام 1923، فيما كتب على لافتة أخرى: «لنجعل من جامعة نيويورك كلية الرجل الأبيض».

اقرأ أيضًا: ما لا تعرفه عن اليهود وتاريخهم وأصلهم

ثلاثة أعراق

من جانبهم، وكما ذكر الكاتب، لم يتفق اليهود على ما إذا كانوا يشكلون عرقًا أم لا. حذر بعضهم من أن التصنيف العنصري المنفصل سوف يربطهم حتمًا بالسود، وهو ما كان من شأنه التأثير سلبًا على صورة اليهود في نظر الأمريكيين الآخرين، ولكن البعض الآخر ربط فكرة العنصرية بالمساعدة في تاسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.

ولكن مع صعود النازية في أوروبا، التي كانت تقوم على دونية العرق اليهودي، توقف تعريف اليهود كجنس في أمريكا.

الجيل القادم من الأمريكيين بحاجة لتعلم مقاومة العقيدة الخاطئة للخلاف العرقي المتأصل. بعدها، سيعترفون بالجميع كجزء من عرق واحد: العرق البشري

ونقل الكاتب ما ذكرته رابطة مكافحة التشهير التي تم إعلانها في عام 1939 في كتيب لها: «علميًا وبشكل يتحرى الدقة، هناك ثلاثة أعراق كبيرة في العالم: ذوو البشرة السوداء، وذوو البشرة الصفراء، وذوو البشرة البيضاء. ضمن العرق الأبيض، فقد اختلطت كل الأجناس الفرعية، ونحن اليهود جزء من الخليط العام».

بعد الحرب العالمية الثانية، رحب معظم الأمريكيين البيض بهدوء باليهود في مجتمعاتهم . الصحف وعلماء الاجتماع أشاروا إلى اليهود على أنهم أعضاء في الدين أو العرق أو الثقافة، ولكن لم يتم النظر إليهم باعتبارهم يشكلون «عرقًا»، وهي الكلمة التي تعيد إلى الأذهان «أدولف هتلر» وجهوده للقضاء عليهم.

خلال هذه السنوات نفسها، ساعد النضال ضد النازية في بدء حملة من أجل الحقوق المدنية للأمريكيين الأفارقة في أمريكا، ولكن وضع السود كجنس منفصل ظل كما هو، كما أشار «جيمس بالدوين» في مقاله في 1967 عن الأفارقة الأمريكان واليهود.

الاعتراف بعرق واحد فقط

سأم السود من قول اليهود لهم إن التجربة اليهودية من التمييز كانت «كبيرة كمعاناة الزنوج الأمريكيين»، كما ذكر «بالدوين». هذه الادعاء تجاهل واقع التمييز العنصري، وغذى معاداة السامية في المجتمعات السوداء. وأضاف «بالدوين»: «الشيء الأكثر سخرية هو أن الزنجي يدين حقًا اليهودي؛ لأنه أصبح رجلًا أبيض أمريكيًا».

وفقًا للكاتب، لم يكن ذلك خيارًا بالنسبة للأمريكيين من أصل أفريقي أو الجماعات العرقية غير البيضاء الأخرى في أمريكا. يذكر أن حالة العرق لمن هم من أصل لاتيني تبقى غامضة: بعضهم تم تعريفهم، مثل البيض والبعض الآخر كالسود. عندما انضمت «سونيا سوتومايور» إلى المحكمة العليا في عام 2009، وصفتها وسائل الإعلام بأنها أول قاضية أمريكية من أصول لاتينية في المحكمة. ومع ذلك، عندما نشأت في حي برونكس في الخمسينات والستينات كانت توصف بأنها من بورتوريكو بدلًا عن كونها «لاتينية»، وهو المصطلح الذي لم يدخل معجم الأجناس حتى السبعينات.

واختتم الكاتب بقوله: «دعونا نكن واضحين: إن العرق موجود. ولكنه موجود في عقولنا، وليس في أجسامنا. في بيوتنا ومدارسنا، نحن بحاجة إلى تعليم الجيل القادم من الأمريكيين مقاومة العقيدة الخاطئة للخلاف العرقي المتأصل. بعدها، وفقط بعدها، سيعترفون بالجميع كجزء من عرق واحد: العرق البشري».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد