نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحليلًا أعده أندرو باين حول نهج التهدئة الذي اتبعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة، بعدما وصلت الأمور إلى حافة الانفجار عقب اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني.

وأوضح التحليل أن بيت القصيد في هذه السياسة هو: أن «رؤساء الولايات المتحدة لا يرغبون عادة في تعريض القوات الأمريكية للخطر، خاصة خلال عام الانتخابات؛ لما يمكن أن يمثله ذلك من دعاية سلبية تؤثر على حظوظهم في صناديق الاقتراع».

استهل التحليل بالإشارة إلى الخطاب الذي أدلى به ترامب يوم الأربعاء، وتراجع فيه عن الحرب المحتملة مع إيران، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، موجهًا رسالة إلى الأمم المتحدة أعرب فيها عن استعداد الولايات المتحدة للدخول في «مفاوضات جادة» دون شروط مسبقة.

رؤساء أمريكا لا يغامرون بخوض صراعات كبرى قبيل الانتخابات

وبالرغم من أن ترامب بهذا الخطاب نزع فتيل التوتر، ومنح القلقين من تفاقم الأمور في الشرق الأوسط مهلة لالتقاط أنفاسهم، يلفت الكاتب إلى أن الأبحاث التي أجريت مؤخرًا تشير إلى أن هذا التراجع الواضح عن التصعيد خلال عام الانتخابات ينبغي ألا يشكل مفاجأة؛ لأن الرؤساء عادة ما يميلون لتجنب التورط في صراعات كبرى خلال هذه الفترة الحساسة من مسيرتهم السياسية.

Embed from Getty Images

استشهد الكاتب بمقالٍ كتبه مؤخرًا، ونشرته مجلة «إنترناشيونال سيكيوريتي»، خلُص فيه إلى أن «الانتخابات تُقَيِّد بقوة القرارات الرئاسية المتعلقة بالحرب والسلام». وباعتبار الرئيس هو القائد العام للقوات المسلحة، وشاغل لأرفع منصب منتخب في الولايات المتحدة؛ فإنه يجد نفسه مضطرًا للموازنة بين مصالح الأمن القومي، وضروريات البقاء السياسي.

وعندما يفكر رؤساء الولايات المتحدة في استخدام القوة، فإنهم يحرصون على أن يفرز أي مسارٍ يختارونه الحد الأدنى من المخاطر الانتخابية. وبما أن الناخبين هم الذين يتحملون التكاليف المالية والبشرية للحرب، فإنهم عادة لا يكافئون أصحاب المناصب الذين يقتحمون ساحات الحروب بتهور.

نتيجة لذلك فإن الرؤساء لديهم أسباب سياسية وجيهة للتفكير بتأنٍ قبل وضع القوات في عين الخطر. حتى أن الرئيس جورج دبليو بوش قال ذات مرة مازحًا للقوات في الشرق الأوسط: «لا أحد يرشح نفسه لمنصب الرئيس في دولة ديمقراطية ويقول: امنحوا أصواتكم لي، وأتعهد لكم بأن أقحمكم في أتون الحرب».

عادة ما يشعر صناع السياسة بالقلق حيال الصراع المستمر في الخارج، خاصة إذا كان ينطوي على وجود للقوات على الأرض.

يضيف التحليل: يمكن أن تختلف مدى قوة هذا القيد الديمقراطي باختلاف السياقات وبمرور الوقت، لكن الخسائر المتزايدة تؤدي في العادة إلى تآكل الدعم الشعبي للتدخل العسكري. ونتيجة لذلك عادة ما يشعر صناع السياسة بالقلق حيال الصراع المستمر في الخارج، خاصة إذا كان ينطوي على وجود للقوات على الأرض.

ويخلص البحث الذي أجراه الكاتب إلى أن هذه الديناميات لعبت دورًا واضحًا خلال حرب العراق. فمع اقتراب الانتخابات حينذاك، كانت إدارتا جورج دبليو بوش وباراك أوباما قلقتين على نحوٍ متزايد بشأن نشر قوات إضافية أو توسيع نطاق عملياتها.

على نطاق أوسع خلُص عدد من الدراسات إلى أن الرؤساء المقبلين على إعادة انتخاب يميلون أكثر إلى الإحجام عن الانخراط في النزاعات، ولا يقتحمون غمار الحروب في الأشهر التي تسبق الانتخابات عادة مقارنة بأوقات أخرى من فترة ولايتهم.

تكهن كثيرون بأن ترامب بإصدراه أمرًا لاغتيال قاسم سليماني إنما كان يحاول صرف الانتباه عن القضايا الأكثر أهمية؛ أي يشعل حربًا على أمل أن ينصب التركيز عليها ما يساعده في إعادة انتخابه، لكن الأبحاث تشير إلى أن هذا النهج هو الاستثناء وليس القاعدة، بحسب الكاتب.

وأوضح مايكل تيسلر، في مقال نشر سابقًا على صفحات «واشنطن بوست»، أن ترامب لن يحظى بدفعةٍ كبيرة، سواء لدى الرأي العام أو في الانتخابات، نتيجة لهذا النهج الذي يعتمد على استجداء الشعبية قصيرة المدى من خلال تصعيد التوترات.

دولي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: لماذا قد لا تنجح استراتيجية ترامب مع إيران؟

هل تنطبق هذه القاعدة على ترامب؟

ربما دار في خلد ترامب أن قتل سليماني سيجعله يحظى بشعبية سياسية، لكنه تراجع عندما أدرك خطأ اعتقاده، أو ربما كانت العملية برمتها مجرد محاولة لتشتيت انتباه وسائل الإعلام عن عملية العزل ذات الأثر المدمر على مستقبله السياسي، وفق التحليل.

في كلتا الحالتين يبدو أن ترامب قرر خفض التصعيد، وهذا يتناسب تمامًا مع ما نعرفه عن العلاقة بين الانتخابات والحرب. ذلك أن دروس الماضي تعلمنا أن الرؤساء تصبح شهيتهم محدودة لخوض أي صراع مستمر خلال سنة الانتخابات. وجرت العادة أن يصبح الرؤساء الحاليون أكثر شعبية عندما يرشحون أنفسهم لإعادة انتخابهم.

للإجابة عن هذا السؤال يسترجع التحليل الضغوط المماثلة التي واجهها أوباما بشأن الصراع في العراق عام 2011. فعندما كان رئيسًا في ذلك العام قرر سحب جميع القوات الأمريكية من العراق.

كان هذا القرار يتناقض مع الإجماع الواسع داخل إدارته بضرورة ترك القوات هناك من الناحية الإستراتيجية لمواصلة تدريب قوات الأمن العراقية ودعم عمليات مكافحة الإرهاب التي تهدف إلى منع عودة فرع القاعدة في العراق، الذي انضم لاحقًا إلى «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)».

كيف اعتمد أوباما النهج نفسه سابقًا؟

يجيب الكاتب مستشهدًا بالمقابلات التي أجراها مع كبار المسؤولين، بأن أوباما كان يتعرض لضغط متزايد للوفاء بتعهده في حملته الانتخابية لعام 2008 بإنهاء ما سماه «الحرب الغبية».

Embed from Getty Images

وفي المداولات الداخلية، استمر الجيش في تقديم مقترحات تدعم استمرار القوات، وظل البيت الأبيض يرفض هذه المقترحات، وانتهى المطاف بتقليص حجم القوات مع اقتراب موسم الانتخابات في عام 2012.

أخيرًا في أكتوبر (تشرين الأول) 2011 تخلّى أوباما عن المفاوضات الرامية للتوصل إلى اتفاق مع العراق لاستمرار الوجود الأمريكي. وأصر مسؤولو الإدارة على استبعاد أن يقدم البرلمان العراقي الدعم للصفقة.

لكن التحليل يلفت إلى أن أي اتفاق كان يمكن الموافقة عليه بوسائل أخرى، دون مواجهة البرلمان. ويستشهد الكاتب بتصريح وكيل وزارة الدفاع السابق، ميشيل فلورنوي: «انتهى الأمر ذريعةً – أو تفسيرً عامًا – لما أعتقد أنه خيار سياسي».

ما الدافع الحقيقي وراء قرار سحب جميع القوات الأمريكية؟ 

للإجابة عن هذا السؤال ينقل الكاتب تصريح مايك مولن، الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة الأمريكية: «كان الأمر واضحًا للغاية. إذا عدت إلى الوعد الذي قطعه خلال حملته الانتخابية، ستجد المحصلة صفرًا. إنه مجرد سؤال حول كيفية وصولنا إلى هذا الهدف».

ويتذكر المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية، جون برينان، ملابسات هذا الموقف قائلا: «طوال تلك العملية، كان أوباما يوازن بين عدد من العوامل والاعتبارات، ليس فقط فيما يتعلق بالمتطلبات الأمنية، ولكن أيضًا ببعض تلك الأبعاد السياسية مع اقتراب الانتخابات».

ولأن الرؤساء يريدون قطعًا إعادة انتخابهم، فإن هذا يؤثر على قراراتهم بشأن استخدام القوة العسكرية. ويلفت الكاتب إلى أن شخصية ترامب العدوانية قد تساعده في الفوز بإعادة انتخابه، إذا اعتقد الناخبون أنهم يعيشون في عالم خطير.

مثل أوباما، لم يُخفِ ترامب أنه يريد الترشح لإعادة انتخابه بعد أن حقق وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب الأمريكية «اللانهائية» في الشرق الأوسط.

ويتابع التحليل: مثل أوباما، لم يُخفِ ترامب أنه يريد الترشح لإعادة انتخابه بعد أن حقق وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب الأمريكية «اللانهائية» في الشرق الأوسط. وفي الآونة الأخيرة برر قراره بسحب القوات من سوريا انطلاقًا من هذا المنطق ذاته.

وأرسل قائد أمريكي رفيع المستوى مؤخرًا رسالة إلى السلطات العراقية أشار فيها إلى أن الولايات المتحدة على وشك سحب قواتها. وحاول البنتاجون التقليل من شأن ذلك باعتباره «مسودة» لم يكن ينبغي إرسالها. وعندما علق ترامب على القضية، أعرب عن اتفاقه مع البنتاجون على أن الولايات المتحدة ليست بصدد سحب قواتها، لكنه أوضح أنه «في مرحلة ما نريد الخروج».

على الرغم من ذلك استقبل عادل عبد المهدي، رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقي، الخطاب كما لو كان بيانًا رسميًا، حظي بترحيبه، في حين صوت البرلمان العراقي لإجبار القوات الأمريكية على المغادرة للمرة الثانية بعد عودتهم لقتال «تنظيم الدولة» في عام 2014.

ومثلما أثبت هذا النهج نجاعته في حالة أوباما عام 2011 يشير الكاتب في الختام إلى أن ترامب قد يرى أن إعلان النصر والعودة إلى الوطن هو أفضل طريق لإعادة انتخابه.

دولي

منذ شهرين
«ناشيونال إنترست»: لماذا لن تندلع الحرب بين إيران وأمريكا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد