لولا الهجرة لما استطاعت الشركات الأمريكية جذب أفضل المواهب من جميع أنحاء العالم.

هذا التحليل الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية يسلط الضوء على المرسوم الجديد الذي أصدرته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمواصلة فرض قيود على دخول حاملي «البطاقات الخضراء» (تصاريح الإقامة) والحد من إصدارات تأشيرات جديدة لـ«غير المهاجرين» حتى نهاية هذا العام، وهو الإجراء الذي ادعت الإدارة الأمريكية أنه سيُؤمّن الوظائف للأمريكيين.

لكن كاتبة التقرير مارجريت بيترز، الأستاذ المشارك في قسم العلوم السياسة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، استبعدت ذلك قائلة «من غير المحتمل أن يحمي هذا الإجراء الوظائف، بل ربما يُكلف الأمريكيين فقدان بعضها».

وتشرح مارجريت ما ينبغي معرفته عن المرسوم الجديد، ومدى تناغمه مع أجندة ترامب لمكافحة الهجرة.

ماذا يعني فرض قيود على الهجرة؟

تُجيب الكاتبة «يسمح المرسوم الجديد بمواصلة تعليق إصدار بطاقات خضراء جديدة (التي تُمنح غالبًا لأفراد عائلة المواطنين الأمريكيين والمقيمين الدائمين القانونيين)، كما تحظر القواعد الجديدة منح تأشيرات لغير المهاجرين، الذين يُمكن وصفهم بــ(العمال المؤقتين) أو (العمال الزائرين)».

وأوضح التقرير أن «هذا المرسوم يستهدف إلى حد كبير العمال ذوي الأجور المرتفعة، وهذا ما يجعله مختلفًا عن إجراءات ترامب السابقة بشأن الهجرة».

وتابع تقرير صحيفة واشنطن بوست الأمريكية: «الأهم من ذلك، أن هذا القانون يُلقي بظلاله على عدد من التأشيرات ومنها تأشيرة H-1B (للعمال الأجانب المؤقتين في المهن المتخصصة ذات الأجور المرتفعة) وغالبًا تكون في قطاع التكنولوجيا، وتأشيرة L-1 (صالحة لفترة زمنية قصيرة للعمل بدءًا من ثلاثة شهور إلى خمس سنوات) لمديري الشركات، وتأشيرة H-4 (لأفراد عائلة حاملي تأشيرة H-1B من الدرجة الأولى)».

وتشمل القواعد الجديدة للقانون تقليل عدد التأشيرات الممنوحة للعمال ذوي الأجور المنخفضة، ومنها تأشيرات J-1 (الخاصة بالمتدربين وبرامج السفر للعمل خلال الصيف- ويستثني القانون الطلاب والأساتذة الأجانب)، وتأشيرات H-2B للعاملين الموسميين بأجور منخفضة.

ويستدرك التقرير «لم يتضمن المرسوم الجديد تأشيرات H-2A للمزارعين وتأشيرات قطاع الرعاية الصحية».

 قيود ترامب على الهجرة - إجازة - ترامب كورونا

وتقول مارجريت «صحيحٌ أن هذه القيود تُؤثر فحسب على الإصدار الجديد للتأشيرات وليس التأشيرات الموجودة بالفعل، لكنها قد تُلحق الضرر بأصحاب العمل الذين يسعون لتوظيف أنواع معينة من العمال».

قيودٌ لن تُوفر الحماية للوظائف

ويُبيّن تقرير الصحيفة الأمريكية أنه «في حين ترى الإدارة الأمريكية أنها تقرّ هذه القيود لتأمين الوظائف للأمريكيين، تُظهر دراسة أن هذا الأمر في الغالب لن يحدث».

وتابع التقرير «اعتقد علماء الاقتصاد، أمثال ولفجانج ستوبلر وبول سامويلسون – ذات مرة – أن زيادة معدلات الهجرة قد تؤدي إلى انخفاض الأجور، وبالتالي توفير وظائف أقل للأمريكيين، وهذا أمرٌ يبدو منطقيًا في ظل تزايد المنافسة على فرص العمل مع ارتفاع النمو السكاني».

لكن التقرير استدرك قائلًا «افترض هؤلاء العلماء – وجانبهم الصواب في ذلك – أن المهاجرين سينافسون العمال الأمريكيين للحصول على فرص العمل، لكن واقعيًا يصعب على المهاجرين المنافسة في بعض الوظائف، لأنهم لم ينشأوا في الثقافة الأصلية للبلاد».

على سبيل المثال في قطاع التكنولوجيا، يظفر الأمريكيون المولودون في الولايات المتحدة بفرصة عمل لتصميم منتج يلزمه دراية بالمستهلك الأمريكي، بينما يعمل المهاجرون على برمجته وهي وظيفة أكثر روتينية.

ويستطرد التقرير «تسمح قوانين الهجرة للشركات باستقدام أفضل المواهب من كل مكان. وتظهر الدراسات أن تنوع مجموعات العمل يجعلها أفضل، إذ يُقدم المهاجرون الجدد رؤى ومهارات مختلفة لأي مشكلة قد تطرأ».

وغالبًا ما نلمس هذا التأثير في الألعاب الرياضية الاحترافية: تصور أن فريق «تورونتو رابتورز» لكرة السلة الأمريكية تمكن من تحقيق لقب بطل الدوري الأمريكي في العام الماضي بعد جلبه النجمين كاوهي ليونارد (أصول أمريكية) وسيرج إيباكا (من أصل كونغولي)».

وتستنتج مارجريت من ذلك أن «المؤسسات يمكنها تحقيق النمو وتوظيف عمال جدد؛ من خلال بناء مجموعات عمل أكثر مهارة، وتقديم منتجات أكثر جودة».

ويُحذر التقرير من «أن سعي إدارة ترامب للحد من التأشيرات الممنوحة للعلماء الصينيين قد يكون له نتائج عكسية».

وتكمل مارجريت: «إضافة إلى ذلك، كما أُوضح في كتابي [الحواجز التجارية: الهجرة وإعادة تشكيل العولمة]، يُمكن للشركات أن تستبدل الأنظمة الآلية بالعمال، أو تنقل الإنتاج للخارج؛ بغض النظر عن سياسات الهجرة».

نورد ستريم-2

وفي حين تركز الكاتبة أكثر – في كتابها – على العمال ذوي الأجور المنخفضة، فإن الاستعانة بالتكنولوجيا والانتقال إلى الخارج يُمثلان بشكل متزايد حلًا بديلًا للوظائف ذات الأجور المرتفعة في الولايات المتحدة.

ويؤكد التقرير أن المهاجرين ليسوا موظفين فحسب، لكنهم مستهلكين كذلك، ومع تزايد الهجرة يتزايد الطلب، الذي بدوره يُعزز النمو الاقتصادي ويخلق فرص عمل أكثر. ويمكننا أن نلمس ذلك خاصة في الخدمات والمنتجات الأخرى التي لا يمكن إنتاجها في الخارج لكنها تؤثر في الصناعات القابلة للتدوال.

القيود السابقة لم تحمِ الوظائف

تستطرد مارجريت «هذه العوامل تساعدنا في فهم لماذا لم يجد علماء الاقتصاد تأثيرًا كبيرًا للهجرة على الأجور وفرص العمل؟ إذ أشارت ليا بوستان، بروفيسور علم الاقتصاد في جامعة برينستون، إلى أن قوانين الحصص التي طبقت في عشرينيات القرن المنصرم قلّلت معدلات الهجرة من حوالي مليون شخص سنويًا إلى 150 ألف فقط، لكن الأجور تدهورت في المناطق التي انخفضت فيها الهجرة، لأن سكان القرى انتقلوا إلى المدن، بينما لجأ المزارعون إلى ميكنة الإنتاج.

وعندما حدثت زيادة في الهجرة عام 1980 بسبب «هروب ماريل الجماعي» – عندما هاجر أكثر من 125 ألف كوبي بطريقة غير شرعية إلى الولايات المتحدة واستقروا في ميامي – لم يُؤثر ذلك في الأجور أو البطالة (على الرغم من أن دراسات سابقة قالت إن هذا التدفق تسبب في انخفاض الأجور).

قد تؤدي قيود الهجرة إلى خسارة الوظائف

تقول مارجريت «من المعقول أن نقول إن انخفاض الهجرة يعني، واقعيا، عددًا أقل من الوظائف الأمريكية؛ لأن الحد من الهجرة يُقلل الطلب، ما يدفع الشركات المحلية، التي تكافح تداعيات جائحة كورونا، إلى الإغلاق وتسريح الموظفين».

بالمثل، تُجبر الشركات، التي تعني بخدمة الأسواق الدولية أو المتخصصة، على الإغلاق؛ لأنها لا تُوظف الكفاءات ذات المهارات الفائقة، وربما تلجأ شركات أخرى للأنظمة الآلية، نظرًا لتطورها الهائل، في الإنتاج وتستغني عن العمال الأمريكيين؛ ما يُؤدي إلى تشريد العمالة ذات الأجور المرتفعة كذلك.

ويذكر التقرير أن «بعض الشركات اختارت الانتقال إلى الخارج، ليس من أجل نقل الوظائف التي يشغلها المهاجرون، بل حتى للوظائف التي يقوم بها الأمريكيون».

وغرد الرئيس التنفيذي لمنصة دوولينجو قائلًا «في الوقت الذي تمكنا فيه من العمل عن بعد، ونظرًا لأن الولايات المتحدة تُقلل من الهجرة، فإن الكثير من أعمال تطوير التكنولوجيا سينتقل بعيدًا إلى دول أخرى».

وفي الوقت نفسه، اقترح السناتور الأمريكي الجمهوري توم كوتون أن يعود الطلاب الصينيون الدارسون للعلوم والتكنولوجيا إلى أوطانهم.

ويؤكد التقرير أن شركات التكنولوجيا، التي استشرفت هذه القيود، ضاعفت من عملياتها في كندا، حتى أن الحكومة الكندية نشرت إعلانات في منطقة سيليكون فالي [جنوب خليج سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية] كي ترحب بالعمال الأجانب.

سياسة ترامب الجديدة لن تحظى بشعبية كبيرة

ويذكر التقرير أن «إدارة ترامب، وعلى وجه التحديد كبير مستشاري السياسة بالبيت الأبيض ستيفن ميللر، سعت طويلًا إلى تقييد الهجرة إلى الولايات المتحدة والحد منها، وهي السياسة التي تلقى صدى لدى الناخبين الجمهوريين. ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تستخدم تفشي الوباء ذريعةً للقيام بذلك».

وبينما تزعم الإدارة الأمريكية أن هذه الخطوة حظيت بشعبية لدى الشعب الأمريكي استنادًا إلى استطلاع رأي عن تعليق الهجرة أثناء تفشي فيروس كورونا المستجد، تُشير استطلاعات رأي أخرى إلى أن معظم الشعب الأمريكي يتفق مع المختصين والأكاديميين أن المهاجرين لا ينافسون العمال الأمريكيين على فرص العمل.

ويختتم تقرير واشنطن بوست قائلًا: «لا يبدو أن ما أقدم عليه البيت الأبيض مؤخرًا في قانون الحد من الهجرة سيساعد العمال الأمريكيين أو يحظى بشعبية كما يعتقد الجمهوريون».

سياسة

منذ شهر
مترجم: هل يحظى ترامب بتأييد شعبي كافٍ إذا تحايل على الانتخابات للبقاء في السلطة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد