بمناسبة إذعان ترامب مؤخرًا وظهوره بالكمامة الواقية، كتبت أستاذة السياسة العامة والإدارة في كلية الخدمة العامة في جامعة بويز الحكومية، جين شنايدر، تحليلًا في صحيفة «واشنطن بوست» يرصد الدلالة التاريخية لارتداء الكمامات في الثقافة الشعبية الأمريكية، والتطور الذي حدث على مر عقود في النظرة إلى المرض والإعاقة.

تستهل الكاتبة، المشاركة في تأليف كتاب «تحت الضغط: خطاب صناعة النفط والنيوليبرالية»، تحليلها بالقول: «في الأسبوع الماضي، التقطت صورة للرئيس ترامب أخيرًا وهو يرتدي كمامة، بعد مضي عدة أشهر من انتشار جائحة فيروس كورونا. وكان عزوفه الطويل عن ارتدائها علانية قد عزز التصورات المحافظة بأن ارتداء الكمامة هو عمل حزبيّ، وليس مجرد ممارسة تتسبب في إزعاج طفيف، لكنها تساعد على حماية الصحة العامة».

علاقة الكمامة بالرجولة والقيادة

فلماذا كان المحافظون الأمريكيون عازفين عن ارتداء الكمامات؟ دفعت كاتبة العمود في صحيفة «واشنطن بوست» مونيكا هيس مؤخرًا بأن ارتداء الكمامة يتحدى المعتقدات الأمريكية حول الرجولة والقيادة، وبالفعل توصلت الدراسات والأبحاث إلى أن الناخبين يهتمون كثيرًا بكيفية إبراز المرشحين سماتهم الذكورية.

غير أن الكمامات ترتبط بالسياسة الثقافية أكثر مما ترتبط بهوية النوع (الذكوريّ). ولفهم ملابسات النفور من ارتداء الكمامة، من المفيد فحص كيف تتقاطع الأفكار حول الرجولة مع المفاهيم حول الإعاقة والحرية الشخصية.

ترامب استغل الإعاقة لتحقيق مكاسب سياسية

في بعض البلدان، بما في ذلك العديد من البلدان الآسيوية، يعد ارتداء الكمامة مسألة تتعلق بالآداب الثقافية (الإيتيكيت). إذ إنها تشير إلى احترام الآخرين والالتزام بالصحة الشخصية في الأوقات العادية، والالتزام بإجراءات السلامة أثناء الجائحة. لكن الولايات المتحدة مختلفة، بحسب الكاتبة. فبالنسبة للعديد من الأمريكيين، توصم الكمامات بأنها رموز للمرض والعجز. ولقد سخر الرئيس ترامب من الإعاقة، واستغلها لتحقيق مكاسب سياسية، وصور أي نوع من الضعف المتصور على أنه يشبه «الخسارة». وهذا النهج يستغل أفكارًا وموضوعات راسخة في الثقافة الأمريكية.

الإعاقة الجسدية والقصور الأخلاقي

أظهر مؤرخو الإعاقة والطب كيف أن علامات المرض أو الاعتلال أو الإعاقة كانت توصم على أنها غير أخلاقية وفقيرة وضعيفة. وتشير الكاتبة إلى أن الأبحاث التي أعدتها لنيل درجة الدكتوراه حللت كيف كانت تصور السينما الأمريكية المبكرة الإعاقة.

وخلصت أن إلى أن سينما هوليوود حتى منتصف الأربعينات من القرن الماضي كانت تصور معظم الأجساد المعاقة على أنها مؤنثة ومنكفئة وكسولة وغير أخلاقية وغريبة. وعكست الإعاقة الجسدية أوجه القصور الأخلاقي في الأفلام، مثل فيلم «فريكس» الذي أخرجه تود براوننج في عام 1932. واستمرت هذه الصور لعقود بعد ذلك.

 - الكمامات- المتعافين من كورونا

تغير تصوير الأفلام للإعاقة بعد الحرب العالمية الثانية، حين عملت الثقافة الأمريكية على إعادة دمج المحاربين القدامى الجرحى. وما تبع ذلك كانت أفلام «المشكلة الاجتماعية» التي حاولت التوفيق بين الإعاقة في زمن الحرب وحياة الضواحي والأدوار التقليدية للجنسين.

في العقود التي أعقبت ذلك، ضغط المدافعون عن حقوق المعاقين من أجل إحداث تغييرات في السياسة، مثل إجازة قانون الأمريكيين ذوي الإعاقة لعام 1990؛ مما دفع إلى تمثيل أكثر وأفضل للإعاقة في الثقافة الشعبية.

بيد أن الثقافة السياسية الأمريكية استمرت في كثير من الأحيان في ربط علامات المرض والإعاقة بالأخلاق المشبوهة والتخنُّث المتصور. ولننظر إلى الطرق التي سلح بها النشطاء السياسيون أوجه الضعف العقلية والبدنية لمرشحين رئاسيين حاليين هما الرئيس الحالي ترامب (جمهوري) ومنافسه الديمقراطي المفترض، جو بايدن. ومن هنا فإن المعارك الحالية حول الكمامات تعكس علاقة عميقة الجذور ومشحونة بأي شيء يشير إلى المرض أو العدوى.

الكمامة أشبه بالأطراف الصناعية

وبالنسبة لمؤيدي ترامب، قد تبدو الكمامات كما لو كانت نوعًا من الأطراف الاصطناعية التي تمثل إشكالية، وهو مظهر خارجي يشير إلى أن شيئًا ما يعد خاطئًا أو مريضًا أو منحرفًا. وهذا يساعد في تفسير سبب استنكار بعض المحافظين للكمامة كما لو كانت «خَطْمًا» (كالذي يرتديه الحيوان).

وتتردد أصداء استعارة الكمامة من عالم الحيوان مع الحجج القائلة إن الكمامات تعد شكلًا من أشكال القمع أيضًا. فعندما التقطت صورة لنائب الرئيس السابق ريتشارد ب. تشيني وهو يرتدي كمامة وقبعة رعاة البقر، ونشر على «تويتر» وَسْم «الرجال الحقيقيون يرتدون الكمامات» #RealMenWearMasks، أعاد نشر التغريدة نقاد الرئيس الذين أشادوا بتشيني لتجاوزه تشدد ترامب المعادي للكمامة، وسخر منه مؤيدو ترامب لكونه «مزحة»؛ لأن «الكمامات تكون للأغنام».

الكمامات في نظر المحافظين.. هجوم على الحرية الشخصية

إن مفاهيم الذكورة ليست سوى جزء من قصة النفور من الكمامة. على الرغم من أن العديد من القادة الجمهوريين يؤيدون الآن علنًا ارتداء الكمامة، يبدو أن العديد من مؤيدي ترامب يهتمون أقل بمفاهيم تشيني عن الرجولة أكثر مما يهتمون بالقتال ضد الليبراليين، الذين يرون أنهم يريدون «إلغاء» حقوقهم في حرية التعبير، وصراعهم ضد حكومة يشعرون أنها مسيطرة وقمعية.

الكمامات

أدت هذه المعارضة للكمامات بين كثيرين في قاعدة مؤيدي ترامب إلى حمل الحكام في الولايات الجمهورية، مثل: فلوريدا، وأريزونا، على التصرف ببطء بشأن التفويض الخاص بالكمامات. وقد يساعد هذا الشكل من دعم ترامب أيضًا في تفسير سبب مقاومة العديد من النساء اليمينيات لهذه التفويضات، بحسب الكاتبة.

الدولة العميقة دبرت جائحة كورونا!

يضيف المقال: يجانب عمود هيس الصواب عند حديثه عن الطريقة التي يتماشي بها الخوف من الكمامة على نحو دقيق مع أساطير النظام الإيكولوجي لوسائل الإعلام اليمينية.

وبالنسبة للموالين لترامب، تغطي الكمامة الفم، الأمر الذي قد يثير اعتقادات بأن الليبراليين يريدون الحد من «حرية التعبير»، وهي نقطة هامة لأولئك الموجودين على اليمين.

وتردد أساطير الكمامة أصداء نظريات المؤامرة المعقدة في أقصى اليمين التي تفترض أن بعض الجماعات السرية من المسؤولين التابعين لليسار الديمقراطي – يطلق عليهم اليمينيون المتشددون اسم «الدولة العميقة» – في أجهزة الدولة هي التي دبرت جائحة فيروس كورونا لتسهيل السيطرة على الأمريكيين.

كذلك يضفى طابع عنصري على الكمامات. ولأن الكثيرين في الولايات المتحدة يربطون – على نحوٍ خاطئ – ارتداء الكمامة بالهويات الآسيوية، فإن من يؤمنون بنظرية المؤامرة المزيفة، التي تفيد بأن الصين أطلقت الجائحة عن عمد كسلاح، يكونون أقل ميلًا لارتداء الكمامة.

الكمامة للقطعان

كل هذا أدى إلى مجموعة متنوعة من الموضوعات في الخطاب المحافظ الحالي: أن الكمامات «للقطعان»، أو أن متطلبات الكمامة غير دستورية، أو أن الكمامة تجعلك مريضًا بطريقة أو بأخرى.

وتنطوي جميع هذه المزاعم على مخاوف بشأن الحرية الشخصية، إلى جانب معتقدات بشأن الذكورة والمرض والضعف ونظريات المؤامرة القائلة بأن الكمامات تستخدمها الحكومة الفيدرالية للتلاعب بالمواطنين الأمريكيين، أو الهيمنة أو السيطرة عليهم، وعلى نحو خاص، المحافظين منهم.

وساعد ازدراء الرئيس ترامب للكمامات وعزوفه عن ارتدائها في الترويج لبعض هذه المعتقدات. وقد تصبح بعض هذه الأفكار أقل جاذبية للمحافظين إذا بدأ الرئيس في ارتداء الكمامة بوتيرة أكثر في الأماكن العامة.

غير أنه من المحتمل أيضًا أنهم دمجوا المعتقدات حول المرض والحرية الشخصية والعداء تجاه الصين بطرق تجعلهم يدعمون أنفسهم ذاتيًا، حتى لو بدأ الرئيس- على مضض- في النأي بنفسه عنهم.

سياسة

منذ 3 سنوات
المحافظون أكثر جمالًا وجاذبية من السياسيين الليبراليين.. والناخب هو السبب

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد