كتب أربعة من كتاب «نيويورك تايمز»، هم: هيلين كوبر، وجوليان بارنز، وإريك شميت، وتوماس جيبونز، تقريرًا حول العلاقة بين الجيش الأمريكي والرئيس دونالد ترامب، الذي دأب على اتخاذ قرارات متسرعة فيما يتعلق بالشؤون العسكرية، ووجود القوات في الخارج، والعلاقة مع حلفاء القوات الأمريكية.

هذه العلاقة القلقة تصل أحيانًا إلى حد التأزم الذي يفضي إلى الاستقالة، مثلما حدث مع أول وزير دفاع ترامب جيم ماتيس، وإن كان كبار مسؤولي البنتاجون قد تعلموا مجاراة الرئيس إلى حد صياغة ما يقولونه في لغة تكون محببة إليه، ومحاولة إقناعه بوجهة نظرهم بطريقة لا يشعر معها أنهم يعارضونه.

يقول الكُتَّاب إنه بعد أيام من قرار الرئيس ترامب المفاجئ بسحب ألف جندي أمريكي من سوريا، رأى الجنرال مارك أ. ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، طريقة لتغييره.

لكونه رجل أعمال، ركز ترامب على حقول النفط السورية، التي يمكن أن تسقط في أيدي تنظيم الدولة أو روسيا أو إيران إذا ما تركت بدون حماية، لذا اقترح الجنرال ميلي على ترامب الذي تقبل الفكرة أن يقوم الكوماندوز الأمريكيون إلى جانب المقاتلين الأكراد السوريين المتحالفين مع واشنطن بحراسة النفط. واليوم، لا يزال هناك 800 جندي أمريكي في سوريا.

وقال ترامب للصحافيين يوم الأربعاء قبل لقائه مع رئيس تركيا رجب طيب إردوغان «نحن نحافظ على النفط. تركنا قوات وراءنا، من أجل النفط ليس إلا». يلفت التقرير إلى أن هذا بعيد كل البعد عما كان عليه ترامب الشهر الماضي، عندما أمر بسحب جميع القوات الأمريكية من شمال سوريا، ولكن الآن، وللمرة الثانية خلال أقل من عام، خفف البنتاجون القرار المبدئي للرئيس.

قال جاك كين، نائب رئيس أركان الجيش السابق، الذي تحدث عدة مرات مع ترامب والجنرال ميلي الشهر الماضي خلال الأيام المحمومة لسياسة الرئيس المتعرجة في سوريا: «إنني أنسب الفضل لميلي في إقناع الرئيس بتعديل قراره بشأن سوريا».

حلبة الصراع على نفط سوريا.. من الرابح الأكبر؟

البنتاجون يتعلم كيف يتعامل مع رئيس متقلب

ويوضح تقرير «نيويورك تايمز» أنه بعد مرور ثلاث سنوات تقريبًا على رئاسة ترامب، يتعلم البنتاجون كيفية إدارة رئيس متقلب الأهواء يمكن لأوامره أن تتغير من النقيض إلى النقيض كل ساعة. لقد اكتسب كبار المسؤولين في وزارة الدفاع تعليمهم بالطريقة الصعبة، من خلال تنمر ترامب على إيران وكوريا الشمالية في تغريداته وخسارة الحلفاء في سوريا والهجمات القاسية على التحالف الأطلسي والدعم الشعبي للكوماندوز الذين اتهمهم الجيش بارتكاب جرائم حرب.

يقول كبار مسؤولي البنتاجون، إن ترامب لا يمكن التنبؤ به، ومحبِط، ويركّز بشكل مفرط على المشاهد الاستعراضية، مثل العروض العسكرية.

Embed from Getty Images

لكن هناك الكثير مما يحبه هؤلاء المسؤولون في الرئيس – بحسب التقرير – فهم سعداء بزيادة الميزانية السنوية التي وفرها لهم – لتصل إلى 716 مليار دولار هذا العام من 585 مليار دولار في عام 2016 – وسعداء لأنه تخلص مما اعتبروه إدارة تفصيلية كان مسؤولو إدارة أوباما في البيت الأبيض ينتهجونها.

أيضًا منح ترامب القادة في المناطق القتالية حرية أكبر لشن مداهمات، وبين جزء كبير من الجنود، وهم أعضاء الخدمة الذين يعكسون قاعدة ترامب المحافظة، ولا يزال يتمتع بشعبية كبيرة.

من نواح كثيرة يظل الجيش الأمريكي هو الجزء الأكثر استجابة في الحكومة للرئيس عبر إدارة كبيرة وعنيدة؛ لأن السيطرة المدنية على القوات المسلحة متضمنة في الدستور، وفي نفسية كل جندي.

لكن بالنسبة لترامب، فإن الجانب الآخر من تلك العملة هو أن الجيش يحترم الفروع المتكافئة من الحكومة، كما أظهر المقدّم ألكسندر س. فيندمان في الأيام الأخيرة عندما أدلى ضد رغبة الرئيس بشهادته في إجراءات مجلس النواب لمساءلة الرئيس.

حرية جديدة وتداعيات جديدة

يتابع التقرير: بمجرد أن تولى ترامب منصبه، أعطى البنتاجون والقادة العسكريون مساحة أكبر للحركة؛ إذ سمح للبنتاجون بتسريع عملية صنع القرار حتى يتمكن الجيش من التحرك بشكل أسرع لشن المداهمات، والضربات الجوية، ومهام القصف، وتسليح الحلفاء في العراق وسوريا، وأماكن أخرى.

واحتضن البنتاجون القائد العام الجديد في البداية، بعد ثماني سنوات من الغضب؛ بسبب ما اعتبره العديد من الجنرالات عملية بطيئة لصنع القرار والتشكيك من قبل البيت الأبيض في إدارة أوباما.

لكن مع الحرية الجديدة ظهرت التداعيات، فكان ترامب يحول اللوم إلى البنتاجون إذا سارت الأمور بشكل خاطئ.

بعد غارة اليمن الفاشلة في يناير (كانون الثاني) 2017، التي أدت إلى وفاة ضابط الصف ويليام أوينز، وهو عضو في قوات نيفي سيلز معروف باسم ريان، بدا ترامب كما لو كان يلوم الجيش، وهو تحول مذهل عن سلوك الرؤساء السابقين، الذين كانوا يقبلون باعتبارهم القادة، المسؤولية عن العمليات العسكرية التي أمروا بها.

وقال ترامب لـ«فوكس نيوز» بعد الغارة «لقد أوضح الجنرالات الذين يتمتعون باحترام كبير ما أرادوا القيام به، وفقدوا ريان».

العفو الرئاسي يقوض الانضباط في الجيش

فيما يتعلق بمسألة أخرى مهمة للبنتاجون، تواصل وزير الدفاع مارك إسبر ووزير الجيش ريان مكارثي بهدوء مع ترامب خلال الأيام الأخيرة ليطلبا منه ألا يتدخل في العديد من قضايا جرائم الحرب، ويشعر مسؤولو وزارة الدفاع بالقلق من أن عمليات العفو الرئاسي قد تقوض الانضباط في صفوف الجيش.

والجيش – على سبيل المثال – يحاكم أحد أفراد القوات الخاصة، وهو الرائد ماثيو  جولستين، لمقتل رجل مرتبط بطالبان في أفغانستان، وقد أشار ترامب إلى أنه قد يعفو عنه. وقال إسبر للصحافيين: «لدي ثقة كاملة في نظام العدالة العسكرية».

ويشير كُتَّاب التقرير الثلاثة إلى أنه في حالة سوريا، قدم البنتاجون لترامب هدية غير متوقعة في المقابل: وهي غارة الكوماندوز الأمريكية التي أدت إلى مقتل زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» أبي بكر البغدادي، وهي هدية أبهجت الرئيس حتى أنه نشر تغريدة تبشر بالخبر بمجرد أن أصبحت القوات الأمريكية بمنأى عن الأذى.

في اليوم التالي احتفى ترامب بانتصار الجنرال ميلي أربع مرات خلال مؤتمره الصحافي الذي استمر 48 دقيقة حول الغارة، واصفًا إياه بأنه رجل «مدهش» بفضل إنجازه، وشكره بالاسم قبل أي من كبار المسؤولين في الإدارة. ويردف التقرير: لقد تعلم القادة أيضًا تحليل تعليقاتهم بعناية؛ خشية أن تفسر كلماتهم على أنها انتقاد خفي للرئيس.

هل كان البغدادي ينتحب قبل تفجير سترته؟

خلال مؤتمر صحافي، رفض الجنرال كينيث ف. ماكنزي، قائد القيادة المركزية للولايات المتحدة الأمريكية، تكرار تأكيد ترامب بأن زعيم «داعش» كان «ينتحب» قبل أن يفجر سترته الانتحارية بعد أن داهمت القوات الأمريكية مجمعه.

لكن الجنرال ماكنزي أيد وصف ترامب للبغدادي بأنه جبان. وقال الجنرال «لقد زحف في حفرة مع طفلين صغيرين وفجر نفسه. لذا يمكنك استنتاج أي نوع من الأشخاص هو استنادًا إلى هذا الفعل».

ويلفت التقرير إلى أن مسؤولي وزارة الدفاع يتأكدون أيضًا من التحدث بشكل متكرر حول مدى أهمية حمل حلفاء منظمة «الناتو» في أوروبا على «دفع نصيبهم العادل»، مرددين وجهة نظر ترامب التي تشبه المعاملات التجارية أكثر حول كيفية مضي هذا التحالف قدمًا من خلال التأكيد على الدفع، بدلًا عن مجرد القول إن البنتاجون يريد من الحكومات الأوروبية أن تدعم ميزانياتها العسكرية الداخلية – وهو وصف أكثر دقة لسياسة الناتو – يقوم المسؤولون الأمريكيون بالتعبير عن شيء يريدونه على أية حال بلغة تروق للرئيس.

الجيش الأمريكي في كوريا وأفغانستان

في شبه الجزيرة الكورية، واصلت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية إجراء مناورات عسكرية مشتركة، على الرغم من إعلان ترامب تعليق «هذه المناورات الحربية» في انتظار المفاوضات النووية مع كوريا الشمالية. ويقول مسؤولون بوزارة الدفاع إن وقف التدريبات بالكامل سيضر بالاستعداد العسكري في حال انتهى الأمر بالولايات المتحدة إلى خوض حرب مع الشمال. ويجري الجيش المناورات الآن على نطاق أصغر، ولم يعد يجعلها علنية.

Embed from Getty Images

ويكمل التقرير: في أفغانستان يستعد الجنرال أوستن إس. ميلر، قائد المجهود الحربي هناك، لتقليص الوجود الأمريكي. وقال ترامب إنه يريد سحب جميع القوات، لكنه لم يحدد جدولًا زمنيًا.

ولدى الجنرال ميلر الآن خطط يمكن أن تقلل من عدد القوات الأمريكية في أفغانستان إلى 8600 جندي من حوالي 12 إلى 13 ألف، وهي خطوة كما يقول المسؤولون الأمريكيون ستتيح لترامب أن يقول في حملة إعادة انتخابه عام 2020 إنه أعاد القوات إلى الوطن، لكنه سيترك ما يعتبره القادة عددًا كافيًا على الأرض.

توترات بشأن سوريا

ويلفت الكُتَاب إلى أن العلاقة بين ترامب والجيش أصبحت أكثر توترًا فيما يتعلق بسياسة سوريا. بدأت المشاكل في ديسمبر (كانون أول) الماضي عندما حاول ترامب أولًا إعادة ما يقرب من ألفي جندي أمريكي إلى بلادهم من سوريا، واستقال جيم ماتيس، وزير دفاعه الأول، احتجاجًا على ذلك.

في العاصفة التي تلت ذلك – قال الجمهوريون والديمقراطيون وبعض مستشاري ترامب إنه كان ينسحب من القتال قبل هزيمة «داعش» الهزيمة النهائية – تراجع ترامب ووافق على ترك حوالي ألف جندي من القوات الأمريكية.

لكن على مدار العام الماضي سمح لهم مسؤولو البنتاجون بالعمل سرًا تقريبًا لتجنب لفت الانتباه إلى حقيقة أن مسؤولي وزارة الدفاع قد أقنعوا الرئيس بالعدول عن أمره الأولي.

تخلي الجيش عن الأكراد

في أوائل شهر أكتوبر (تشرين أول)، وبعد اتصال هاتفي مع الرئيس رجب طيب إردوغان رئيس تركيا، ألمح ترامب إلى أن الكيل قد طفح، وأعلن أنه سيسحب تلك القوات المتبقية. ومرة أخرى كان هناك احتجاج آخر من الجمهوريين والديمقراطيين ومستشاري الأمن القومي لترامب، الذين قالوا إنه يمهد الطريق لهجوم تركي ضد حلفاء الولايات المتحدة منذ زمن طويل، وهم المقاتلون الأكراد، الذين تحملوا وطأة القتال ضد «داعش». وعلى وجه الخصوص لم يرغب الجيش في التخلي عن الأكراد.

وقال النائب ماك ثورنبيري وهو جمهوري من تكساس والعضو البارز بلجنة القوات المسلحة: «فكرة التخلي عن هذه التضحية، هذا شيء يزعجنا حقًا. أنت تريد أن تحيي أوامر السلطات السياسية المنتخبة وتتبعها حسب الأصول، لكنك لا تريد أن تخون تضحيات رفاقك. هذا يضع أفراد الجيش، على الأقل قلوبهم، في مكان صعب».

وقالت النائبة إليسا سلوتكين، وهي ديمقراطية من ميشيجان في لجنة القوات المسلحة ومسؤولة كبيرة سابقة في البنتاجون: «قرار خيانة الأكراد يحفر فجوة كبيرة في الطريقة الحالية التي نحارب فيها الإرهابيين، والتي تجرى بواسطة الحلفاء ومعهم وعن طريقهم».

فكر الجنرال ميلي إلى جانب إسبر، بسرعة في كيفية البرهنة مرة أخرى لترامب أن القوات الأمريكية ما زال لديها عمل عليها القيام به في سوريا. وكانت القيادة المركزية للجيش قد وضعت خطتين بديلتين.

كان أحد المقترحات يتمثل في الإبقاء على قوة صغيرة للمساعدة في السيطرة على مساحة صغيرة من الحدود بين العراق وسوريا، أي حوالي 10٪ من المنطقة. ويسعى خيار آخر إلى الحفاظ على السيطرة على جزء أكبر من البلاد، أكثر من نصف المنطقة التي يسيطر عليها المقاتلون الأمريكيون والأكراد حاليًا.

لكن بعد أن أخبر ترامب الجنرال ميلي بأنه يريد الاحتفاظ بحقول النفط، سرعان ما «قام» البنتاجون «بتطبيق» خطة جديدة حول استخدام القوات الأمريكية وحلفائهم الأكراد لحماية النفط ومنعه من الوقوع في أيدي «داعش»، وفقًا لما ذكره المسؤولون. ومن بروكسل، حيث كان يحضر اجتماعًا لحلف الناتو، كان إسبر على اتصال هاتفي مع الجنرال ميلي لاستكمال تفاصيل الخطة الجديدة.

«فورين بوليسي»: وثيقة سرية تفسر لماذا تخون أمريكا الأكراد دومًا

الابتعاد عن الاضواء

من جانبه نصح الأصدقاء الجنرال ميلي بالابتعاد عن الأضواء، وعدم الظهور بمظهر من يعارض قرارات ترامب أو إستراتيجيته. وتعلم الجنرال ميلي، المعروف بالمونولوجات الطويلة، أيضًا أن يكون مقتضبًا في حديثه مع ترامب، حيث يقدم آراء واضحة، ولكنه يسمح للرئيس بالهيمنة على المحادثة.

بحلول نهاية شهر أكتوبر، كان ترامب مستعدًا للمشاركة في خطة البنتاجون. في المباراة الخامسة من السلسلة العالمية للبيسبول كان في إحدى المقصورات الفاخرة في «ناشيونال بارك» محاطًا بأعضاء الكونجرس الجمهوريين وكبار مساعديه. وتحول الحديث إلى سوريا.

القوات الأمريكية باقية من أجل النفط

تحدث ترامب عن كيف أنه ينقح خططه بشأن سوريا، وأبلغ المشرعين مرارًا وتكرارًا أن القوات الأمريكية ستبقى هناك. لماذا؟ لأن أمريكا كانت «تحافظ على النفط».

يقول كبار قادة الجيش والمسؤولون بوزارة الدفاع إنه في بعض الحالات، يكون الأمر مجرد مسألة التحدث بطريقة تروق ترامب، بينما هم ينفذون سياسة أمنية قومية مماثلة لتلك التي كانوا ينتهجونها في عهد الرئيس باراك أوباما.

وقال ديريك تشوليت، وهو مساعد وزير دفاع سابق في إدارة أوباما: «لقد اكتشف البنتاجون أنه قادر على استيعاب الأمور لإدارة تحيزات ترامب في بعض النواحي. لا تجعل الأمر يتعلق بإنقاذ الأكراد، بل اجعله يتعلق بإنقاذ النفط».

في الوقت الحالي، يُترَك البنتاجون ليحاول مواصلة الإستراتيجية بطريقة الترقيع، مع تحرك الجنرال ميلي لإبقاء القوات الأمريكية في سوريا لمساعدة المقاتلين الأكراد في حماية حقول النفط باعتبارها آخر قطعة.

حلبة الصراع على نفط سوريا.. من الرابح الأكبر؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد