«إيان بريمر»، في مقاله الجديد بالعدد القادم من مجلة «تايم»، يصف النظام العالمي الجديد الذي يتأسس بتنصيب ترامب رئيسًا للولايات المتّحدة الأمريكية. لأعوامٍ طوال، قاوم قادة أوروبا، والولايات المتّحدة الطموحات التركية، والروسية الساعية إلى التوسع والسيطرة، تحت قيادة رجب طيب أردوغان، وفلاديمير بوتين. لكن لا يبدو أن «ترامب» سيلعب ذلك الدور، وإنما سيقبل بشروط الدولتين، متعاونًا معهما في المناطق التي تخص الولايات المتّحدة الأمريكية، بلا تدخّل في الإدارة الداخلية للبلاد ومحيطها.

أحلام النهوض

 

يقول «بريمر» إن سقوط الاتحاد السوفيتي في الخامس والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) عام 1991 أدّى بالكثيرين إلى التوقّع بأن روسيا الجديدة ستجنح إلى الشراكة مع الغرب، بقيمٍ جديدة، وطاقة جديدة، وبداية جديدة. لكن بنهاية التسعينات، اتضّح أن القادة الروس اختاروا طريقًا مختلفًا. «بداية عهد بوتين، وارتفاع أسعار النفط، تولّد عنه روسيا أكثر حزمًا، وأقل مودّة تخطو خطواتٍ واسعة على الساحة الدولية».

لم تختلف تركيا كثيرًا. دعتها أوروبا إلى بدء إجراءات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في 1999، مفترضة أن المفاوضات حول عضوية ما وصفه بريمر بـ«أكثر النوادي المرغوبة في العالم» سيخفف من حدة أية خلافات. لكن أردوغان تملكته أحلام استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، تمامًا كما حلم بوتين ببعثٍ روسي جديد. ويسعى الرئيسان إلى السيطرة على الحياة السياسية في البلدين. حقق بوتين حلمه، بينما ما زال أردوغان على الطريق، ويطرح هذا العام استفتاءً شعبيًّا على تغييرات دستورية ستمنح إدارته سلطات جديدة مهمة.

تحالفٌ مؤقت

 

وفقًا لـ«بريمر»، قد يخدع البعض استعداد البلدين حاليًا للعمل جنبًا إلى جنب، خاصةً في سوريا حيثُ تقصف الطائرات الروسية أهدافًا لحساب تركيا. لكن الرجلين -بوتين وأردوغان- يمتلكان قدرًا من الطموح والغرور يجعل تعاونهما غير متوقّع، ولا يستند إلى أرضٍ ثابتة. لا يجب أن ننسى أن تركيا عضو في حلف الناتو، «التحالف الذي يجسد الهزيمة السوفيتية»، على حد وصف بريمر. ولنتذكر أيضًا إسقاط تركيا لطائرة روسية بعد تجاهل موسكو تحذيرات أنقرة المتكررة من استمرار عبور الطائرات الروسية المجال الجوي التركي في طريقها إلى سوريا.

فقط عندما تكمن مصلحة طرفٍ عند الطرف الآخر، ينشأ تحالف مؤقت. بعد محاولة الانقلاب الفاشلة على أردوغان في يوليو (تموز) الماضي، واجه الرئيس التركي انتقادات واسعة من الاتحاد الأوروبي، وإدارة أوباما بسبب الإجراءات القمعية التي اتخذها. انتهز بوتين الفرصة السانحة، وأعرب عن تعاطفه مع تركيا، واعتذر أردوغان بدوره عن إسقاط الطائرة، ملقيًا باللوم على «المتآمرين» داخل الجيش. التحالف المؤقت المبني على المصالح لم يتأثر حتى باغتيال السفير الروسي في أنقرة في التاسع عشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي. بسرعة البرق، صارت روسيا «الدولة الصديقة، والشريك الإستراتيجي».

رئيسٌ آخر متهور

 

إلى أردوغان وبوتين، ينضم ترامب؛ الضلع الثالث في مثلّث القيادة المتهورة المغرورة التي تمتلك إمكاناتٍ ضخمة. يقول بريمر إن ترامب قد أعلن بالفعل تنصله من مسؤولية لعب دور الشرطة العالمية. دوره، كما يراه، يقتصر على حماية بلده، وأبناء بلده وخدمتهم، وفقط.

لذلك السبب لا يجد ترامب حرجًا في التحالف مع تركيا وروسيا من أجل تحقيق هدفه الرئيسي في سوريا، ألا وهو سحق داعش. الأولوية للقضاء على المخاطر التي تهدد الولايات المتّحدة، وكون روسيا وتركيا وحلفائهما في سوريا قد خرقوا بعض الاتفاقيات الدولية، وخانوا بعض المبادئ، لا يعني شيئًا بالنسبة له.

هذا سهل بالنسبة لترامب، فهو لا يواجه التناقضات التي يواجهها القادة الأوروبيون، من محاولات روسيا انتزاع قطعٍ من الدول المجاورة لن يكون آخرها شبه جزيرة القرم، إلى فيضان اللاجئين على أعتاب أوروبا، وحاجتهم إلى استرضاء تركيا من أجل إيقاف التدفق المستمرّ.

 

ينتهي «بريمر» إلى أن تخلي الولايات المتّحدة ممثّلة في ترامب عن دورها الدولي، يتزامن مع حضور الرئيس الصيني «شي جين بينج»، للمرة الأولى، الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس. وفقًا لـ«بريمر»، هي إشارة إلى العالم على أنّ الصين سوف تضطلع بالدور الذي لا تريد أمريكا ترامب أن تلعبه.

سترينا الأيام إلى متى سترغب وتتمكن بكين من حمل ذلك العبء على كاهلها، لكن القوة العظمى الوحيدة في العالم على استعدادٍ لبناء الجسور مع «المارقين المغرورين»، على حدّ قوله، سعيًا للمصلحة الوطنية. لكن هذه الجسور لن تُقام على أرضٍ صلبة، ولن تدوم طويلًا في تقدير «بريمر»، في غياب الثقة والقيم المشتركة بين أطرافها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد