في أواخر عام 2017، تلقت صحيفة «نيويورك تايمز» تحذيرًا عاجلًا من مسؤول أمريكي، يفيد بأن السلطات المصرية تتطلع إلى القبض على مراسلها في القاهرة، ديكلان والش، وفقًا لناشر الصحيفة آرثر أوكس سولزبيرجر.

كواليس هذا الحادث، وتفاصيل تواطؤ إدارة ترامب مع الحكومة المصرية، كشفها الكاتب الصحافي تيو أراموس في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست».

استهل أراموس مقاله بالقول: «من المعتاد أن تُحاط أي مؤسسة إعلامية كبيرة علمًا بالتهديدات التي يتعرض لها صحافيوها في الخارج، خاصة أولئك الذين ينشرون تقارير عن الحكومات الاستبدادية».

ورأى أراموس أن ما صرح به أحد المسئولين لاحقًا كان صادمًا، إذ قال إن إدارة ترامب «حاولت منع التحذير المتعلق بوالش من الوصول إلى الصحيفة»، واستشهد بما قاله ناشر التايمز إيه. جي. سولزبيرجر في عمود رأي يوم الاثنين: «كان المسؤولون يعتزمون إخفاء المعلومات، والسماح بتنفيذ الاعتقال».

«فورين بوليسي»: الشرق الأوسط يمر بلحظة حاسمة وأمريكا ستقرر شكل مستقبله

تشجيع أمريكي ضمني لوحشية الأنظمة الاستبدادية 

يشير المقال إلى أن هذا الحادث، الذي كشف عنه سولزبيرجر أول مرة، في أثناء كلمة ألقاها في جامعة براون في وقت سابق من يوم الاثنين، «يضيف حلقة جديدة مُفزعة لتوجهات الإدارة الأمريكية المُتعلقة بمهاجمة الصحافة، وتقويض حقوق الصحافيين، في أثناء تعرضهم للتهديد في جميع أنحاء العالم».

ويعتقد سولزبيرجر في مقاله أن ترامب غيّر نظرة العالم إلى الولايات المتحدة، بعد أن كانت ذات يوم تُرى على أنها المدافع الأكبر عن حرية الصحافة، مستشهدًا بالتهديدات الأخيرة التي تضمنها خطاب رئيس الوزراء الكمبودي (هدد الصحفية الأمريكية هانا بيتش إن لم تدعم روايته في إحدى القضايا)، وحظر وسائل التواصل الاجتماعي في تشاد، ومحاولات اعتقال الصحافيين الأجانب في مصر، التي وصف ترامب رئيسها المستبد مازحًا بـ«ديكتاتوره المفضل».

وأضاف سولزبيرجر: «هذه الحملات الوحشية تحظى بقبول سلبي، وربما يشجعها رئيس الولايات المتحدة ضمنيًّا».

وأشار كاتب التقرير إلى رفض الرئيس ترامب الإقرار بأن الحكومة السعودية أمرت باغتيال جمال خاشقجي، كاتب عمود في صحيفة «واشنطن بوست»، حسبما خلص المحققون الدوليون.

واستشهد أيضًا بتصريح سولزبيرجر بأن استخدام الرئيس المتكرر لعبارة «الأخبار المزيفة» تسبب في تبني أكثر من 50 رئيسًا أجنبيًّا لدعوات مماثلة، ولم يرد البيت الأبيض على الفور على طلب أراموس للتعليق.

Embed from Getty Images

وكتب والش، مدير مكتب صحيفة «نيويورك تايمز» في القاهرة، مقالات في أوائل عام 2017، حول القمع الذي تمارسه البلاد بحق جماعات حقوق الإنسان، وطرد أحد المعارضين البارزين للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والجهود غير الفعالة إلى حد كبير لمحاسبة الرئيس الأسبق حسني مبارك.

كما قاد بثًّا مباشرًا لحدث عبر شبكة الإنترنت من القاهرة في مارس (آذار) 2017، تناول القيود الصارمة المفروضة على الصحافة المرئية في مصر.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، تلقت «نيويورك تايمز» مكالمة من مسؤول أمريكي يفيد بأن والش كان مستهدفًا، وكتب سولزبيرجر يوم الاثنين أن المحادثة حينها «اتخذت منعطفًا مفاجئًا ومُحزنًا».

وقال المسؤول إن إدارة ترامب أرادت إخفاء التحذير، والسماح للمسؤولين المصريين بتنفيذ الاعتقال. في الواقع، خشي المسؤول أن يُعاقَب على تنبيهه الصحيفة بما كان على وشك الحدوث. لذلك لجأت الصحيفة إلى مسقط رأس والش في أيرلندا للحصول على المساعدة؛ وعلى الفور، اصطحب مسؤولون من السفارة الأيرلندية في القاهرة الصحافي من منزله إلى المطار، كما كتب سولزبيرجر.

وأحالت السفارة الأيرلندية في القاهرة طلبًا للتعليق إلى وزارة الخارجية الأيرلندية، التي لم ترد على الفور على المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني العديدة، وكذلك لم يرد والش سريعًا على الرسائل.

واستشهد سولزبيرجر – في أثناء حديثه في جامعة براون- بالحادث لتوضيح تداعيات فشل ترامب في الدفاع عن حرية الصحافة في جميع أنحاء العالم. وتابع قائلًا: «أَدُق ناقوس الخطر لأن كلماته (ترامب) خطيرة، وتحمل عواقب واقعية في جميع أنحاء العالم».

وألمح أراموس إلى أن منظمة «مراسلون بلا حدود» – وهي منظمة غير ربحية تناضل من أجل حرية الصحافة- لاحظت انخفاضًا حادًّا في عدد من البلدان التي يمكن أن يمارس الصحافيون عملهم فيها بأمان.

وبحسب المنظمة، فإن 8% فقط من 180 دولة قُِّيمت على أنها تمتلك بيئة إعلامية «جيدة» للصحافيين في عام 2019، وسط قبضة محكمة وعنف مشدد، وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة 48، وكانت مصر في المرتبة 163.

لم تكن محاولة مصر الأولى 

في وقت لاحق من كلمته، ذكر سولزبيرجر حادثة وقعت في فبراير (شباط)، استهدفت فيها الحكومة المصرية أحد صحافيي «نيويورك تايمز». وهذه المرة، كانت جهود المصريين ناجحة:

كتب ديفيد دي كيركباتريك، المراسل الدولي لصحيفة التايمز، والمتخصص في شئون الشرق الأوسط، ورئيس مكتب القاهرة السابق، كتابًا بعنوان «في أيدي الجنود: الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط»، انتقد فيه الحكومة المصرية. وعند سفره إلى القاهرة في فبراير الماضي، احتُجز كيركباتريك لساعات دون طعام أو ماء. ثم وُّضِع على متن رحلة متوجهة إلى لندن حيث يقيم.

وقال سام ويربرج، المتحدث باسم السفارة الأمريكية في القاهرة، في وقت لاحق: إن المكتب «قلق» بشأن الحادث، وأثار الأمر مع المسؤولين المصريين. غير أن رد فعل السفارة بشأن الحادثة كان مختلفًا «بصورة غير معلنة». فبعد أن احتجت صحيفة «نيويورك تايمز»، تحدث مسؤول كبير من السفارة إلى سولزبيرجر مستنكرًا احتجاج الصحيفة قائلًا: «ماذا كنت تتوقع أن يحدث له؟ إن تقريره جعل الحكومة تبدو سيئة».

واختتم أراموس مقاله بتغريدة استشهد بها عمود سولزبيرج، كتبتها نائبة نيويورك ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وهي إحدى منتقدي ترامب الأكثر صراحة في الكونجرس، واصفة الرئيس بـ«الاستبدادي»، قائلة: «هذا ما يفعله الاستبداديون».

كيف رأى النشطاء والمثقفون المصريون تظاهرات الجمعة.. وما مصير الحراك؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات