ألغى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارًا تنفيذيًا كان يُلزم بإصدار تقريرٍ سنوى يُفصح فيه علنًا عن عدد الهجمات التي نُفذّت باستخدام طائراتٍ أمريكية يقودها طيار أو بدون طيار خارج مناطق الحروب المعلنة في إطار الجهود الأمريكية لمكافحة الإرهاب حول العالم، بالإضافة إلى ذكر العدد التقديري للضحايا المدنيين الذين سقطوا جراء هذه الغارات.

وفي هذا الصدد نشر موقع مدونة «لوب لوج» الأمريكية مقالًا للكاتب بول بيلار، الباحث الكبير في مركز الدراسات الأمنية بجامعة جورجتاون الأمريكية والمسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، يصف فيه قرار ترامب بأنَّه محاولة لإخفاء تكاليف حربه على الإرهاب لتجنُّب المساءلة السياسية، مشيرًا إلى أنَّ ثمة زيادة كبيرة في استخدام ضربات الطائرات بدون طيار في فترة ولاية ترامب عما كان الوضع عليه في عهد باراك أوباما.

«فورين بوليسي»: طبول الحرب تدق.. أجواء غزو العراق تحوم فوق إيران

وقال الكاتب: «إنَّ هذا التقرير، الذي كلَّف الرئيس السابق باراك أوباما بإصداره سنويًا بموجب قرارٍ تنفيذي عام 2016، كان يلقي على الأقل قدرًا ضئيلًا من الضوء على تداعيات استمرار (الحرب على الإرهاب) عبر مناطق شاسعة من آسيا وأفريقيا، من بينها بلدان ربما لم يسمع عنها كثيرٌ من الأمريكيين مطلقًا، وربما في أماكن لا يعلم معظم الأمريكيين أنَّ بلدهم تشن حربًا فيها».

مشيرًا إلى أنَّ إدارة ترامب تجادل بأنَّه لا توجد حاجة لإصدار مثل هذا التقرير، لأنَّ ثمة تقرير منفصل يُلزم وزراة الدفاع الأمريكية بتكليفٍ من الكونجرس بإحصاء أعداد الضحايا المدنيين الذين سقطوا جراء جميع الأنشطة العسكرية.

لكن، وفقًا للكاتب، ما لم يقله ترامب هو أنَّ قراره سيترتب عليه إبقاء أي ضربات جوية تشنّها وكالاتٌ أمريكية بخلاف وزارة الدفاع في طي الكتمان، في وقتٍ يُعد فيه استخدام ضربات الطائرات بدون طيار أحد مكونات هذه الحرب الجوية العالمية، التي تفيد تقارير بأنَّ إدارة ترامب تتوسّع فيها، على الأقل في أفريقيا.

ويرى بيلار أنَّه حتى إذا استثنينا هذه المعلومة الرئيسة التي أغلفها ترامب، فإنَّ الأساس المنطقي لإلغاء التقرير يتجاهل حقيقة أنَّ سياسات الحرب، ومن ثمَّ القرارات المُتّخذة في دولةٍ ديمقراطية بشأن استمرار أية حرب، لا تعتمد فقط على معلوماتٍ أُخفيت في مكانٍ ما في تقرير أكبر، لكن على التأثير على الوعي الجماهيري والمفاهيم العامة بشأن ما إذا كانت العملية العسكرية تحقَّق هدفها أم لا.

وبحسب الكاتب فإنَّ نشر تقرير مُخصّص لإحصاء عدد الضحايا المدنيين خارج مناطق الحرب قد يساعد على نحوٍ هامشي في زيادة إدراك الرأي العام لهذا البعد المُتعلّق بالاستخدام الأمريكي للقوة الفتّاكة، بالإضافة إلى أنَّه قد يفيد أيضًا في ضبط وتهذيب استخدام أي إدارة لهذا الشكل من القوة. وأرسى نفس الأمر التنفيذي الذي كلّف فيه أوباما بنشر التقرير السنوي قواعد اشتباك صارمة خاصة باستخدام ضربات الطائرات بدون طيار عندما يتّضح وجود مدنيين في الجوار.

ولفت المقال إلى أنَّه على الرغم من انتقاد بعض المحللين الأجانب أرقام الضحايا المدنيين الواردة في تقارير إدارة أوباما باعتبارها أقل من الأعداد الفعلية على أرض الواقع، لكنَّ نشر مثل هذا التقرير كان على الأقل خطوةً نحو المساءلة والشفافية.

حذر الكاتب من تداعيات تجاهل ضرورة الحد من خسائر الأرواح البشرية، مؤكدًا أنَّ سقوط ضحايا أجانب، حتى لو كانوا من المدنيين، لن يشغل اهتمام الرأي العام الأمريكي بنفس قدر وقوع خسائر في الأرواح الأمريكية.

ومع ذلك فقد ينطوي مقتل مدنيين جراء ضربات الطائرات بدون طيار على تكلفةٍ بالنسبة للأمريكيين على المدى البعيد تتجاوز الاعتبارات الأساسية للمبادئ الأخلاقية والإنسانية. فسقوط قتلى مدنيين أبرياء ومشاعر الاستياء التي تعقب وفاتهم يغذي الجماعات المُتطرّفة التي تبث رسالة كراهية وعنف وانتقام، لا سيما الانتقام من أي دولةٍ تسببت في هذا القتل. وفي هذا الصدد تؤدي ضربات الطائرات بدون طيار التي تسفر عن مقتل عددٍ من المدنيين إلى نتائج عكسية فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب.

وأضاف بيلار: «إنَّ كل إدارة أمريكية بالتأكيد حسَّاسة تجاه التداعيات السياسية السلبية لقضية تكاليف الحرب، لكنَّ ترامب، أكثر من معظم رؤساء الولايات المتحدة السابقين، يبدو أنَّه يولي اهتمامًا للناحية السياسية من القضية أكبر من اهتمامه بالملائمة والفعالية في استخدام القوة العسكرية».

ويدلل الكاتب على ذلك بالإشارة إلى أنَّه على الرغم من أنَّ شجب الانخراط الأمريكي السابق في حروب الشرق الأوسط كان أحد شعارات حملة ترامب الانتخابية، لكنه قرَّر بمجرد وصوله إلى السلطة، تعيين متشددي واشنطن مثل جون بولتون ومايك بومبيو، اللذين يحاولان إثارة حروبٍ مماثلة أخرى. أما بالنسبة لضربات الطائرات بدون طيار، فيستخدمها ترامب بصورةٍ أكبر كثيرًا من باراك أوباما.

ومن وجهة نظر الكاتب، تبرز هنا مقارنة وثيقة الصلة مع سياسة إدارة ترامب في ما يتعلق بالقوات الأمريكية الموجودة على الأرض في إفريقيا، التي نُشرت هناك باعتبارها جزءًا من نفس مهمة مكافحة الإرهاب.

فعلى الرغم من أنَّ إدارة ترامب تستخدم غارات الطائرات بدون طيار أكثر من أي وقتٍ مضى، فإنَّها تُواصل سحب القوات الأمريكية. لذا يبدو أنَّ الاختلاف يتمحور حول الضحايا الأمريكيين ومكانتهم وأهميتهم الجماهيرية؛ إذ جذب مقتل أربعة جنود أمريكيين في كمينٍ نصبه لهم مسلحون في النيجر في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2017 قدرًا كبيرًا من اهتمام الرأي العام. ويتّضح جليًا أن الحادث قد حفَّز تسريع انسحاب القوات.

ويلفت بيلار إلى إنَّه على الرغم من مشروعية إثارة التساؤلات حول هدف وجود تلك القوات الأمريكية في أماكن مثل النيجر بناءً على اعتبارات أخرى، فإنَّ عمليات التدريب والإرشاد التي تقدّمها تلك القوات للقوات المحلية أتاحت على الأقل فرصةً جيدة لتحقيق نجاحٍ ما في قضية مكافحة الإرهاب، مع عدد أقلٍ من الإصابات المدنية غير المقصودة مقارنًة بضحايا غارات الطائرات بدون طيار، التي تطلق الصواريخ من على بعد آلاف الأميال في الأجواء.

واختتم الكاتب مقاله مؤكدًا أنَّه من الصعب صياغة مبررٍ منطقي قوي لتكثيف حرب الطائرات بدون طيار في عمليات مكافحة الإرهاب، بينما في الوقت نفسه يجري تخفيض أو إنهاء الدعم لقوات الأمن المحلية، والتي يتعين عليها بالضرورة تحمل أغلب العبء والعمل الشاق في جهود مكافحة الإرهاب.

ويضيف الكاتب أنَّه في حال كان الرأي العام والجانب السياسي هما محل الاعتبار الأساسيين في الوقت الحالي، وليس وضع إستراتيجية سليمة طويلة الأمد، فمن ثمَّ لا تُثير سياسات وقرارت ترامب أي دهشة.

كيف يدمر الجيش الأمريكي نفسه بأسلحته؟

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد