ليس لواشنطن الحق في إعادة فرض العقوبات على إيران لأنها لم تعد طرفًا في الاتفاق النووي الإيراني.

كتب صاحب صديقي، كاتب عمود ومحلل سياسي ومدير تحرير المجلة الإيرانية «الدبلوماسي»، مقالًا في مجلة «فورين بوليسي» حول محاولة الولايات المتحدة إعادة فرض عقوبات على إيران انطلاقًا من كونها طرفًا مشاركًا في الاتفاق الإيراني النووي، بالرغم من أن انسحابها من الاتفاق يلغي ذلك.

وفي بداية مقاله ذكر الكاتب أن الولايات المتحدة سلَّمت يوم الخميس إخطارًا إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تطالب فيه بإعادة فرض جميع العقوبات السابقة التي أقرتها الأمم المتحدة على إيران بموجب القرار رقم 2231. وأشارت إدارة ترامب إلى حدوث انتهاكاتٍ خطيرة في الاتفاق النووي الإيراني المُبرم عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة في مايو (أيار) 2018. ورُفِعت جميع عقوبات مجلس الأمن المفروضة على البلاد بموجب القرار رقم 2231، الذي صادق على الاتفاق النووي.

دولي

منذ 8 شهور
سيف لا يُغمد أبدًا.. دليلك لفهم العقوبات الأمريكية على إيران وتاريخها

وبعد أقل من 24 ساعة من تقديم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الإخطار إلى مجلس الأمن، أعرب 13 عضوًا من أعضاء المجلس الخمسة عشر الدائمين وغير الدائمين عن معارضتهم لجهود الولايات المتحدة لإعادة فرض العقوبات الدولية على طهران. وشددوا في خطاباتهم على أنه لا يحق لواشنطن التذرع بالاتفاق لإعادة فرض العقوبات نظرًا لانسحاب إدارة ترامب منه.

مغالطات جولدبرج

ولفت الكاتب إلى مقالٍ نشرته مجلة «فورين بوليسي» في الآونة الأخيرة، والذي استشهد فيه ريتشارد جولدبرج، عضو سابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، بالقرار رقم 2231 لتبرير دعوة الولايات المتحدة لإعادة فرض العقوبات على الرغم من انسحاب واشنطن من الاتفاق. ويرى جولدبرج أن الحكومة الأمريكية تحتفظ بحق دائم في تفعيل القرار واستخدام آلية «سناب باك (العودة التلقائية لفرض العقوبات الشاملة على إيران)»؛ لأن القرار لا ينص على أن الدولة التي كانت مشاركة في الاتفاق النووي يومًا ما لا يمكنها استخدام آلية النزاع.

ومن الصعب تصديق أن الإدارة الأمريكية قد أسست نيتها في تفعيل الآلية على مثل هذه الحجة الضحلة والضعيفة من الناحية القانونية. ودون شرح حقوق الدولة المشاركة وواجباتها، يستشهد جولدبرج بالقرار، ويجادل مُخطئًا بأن الولايات المتحدة لم تزل مشاركة في الاتفاق النووي.

Embed from Getty Images

إن مصطلح «الدولة المشاركة» ليس مجرد لقب شرفي. وتشمل المشاركة في الاتفاق النووي، المعروف أيضًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA، المشاركة في الاتفاقية التي بدأت في عام 2015، وستستمر حتى عام 2025. ولا يُقبل بأية حال من الأحوال بالنسبة لدولة انسحبت من هذه المشاركة في عام 2018 أن تظل مشاركة في الاتفاق. والولايات المتحدة إما أنها دولة مشاركة في الاتفاق وستبقى فيه حتى عام 2025، أو أنها ليست دولة مشاركة فيه وانسحبت منه. إن الأمر بسيط على هذا النحو.

جدل حول وضع الولايات المتحدة

إن حقيقة أن الولايات المتحدة لم تعد دولة مشاركة في الاتفاق أمر اعترف به قادة ومسؤولون أمريكيون بارزون، بحسب الكاتب. وفي الواقع عند الإعلان الرسمي عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في 8 مايو 2018، بموجب أمر تنفيذي صادر عن الرئيس دونالد ترامب تحت عنوان «وقف مشاركة الولايات المتحدة في خطة العمل الشاملة المشتركة»، أعلنت الدولة رسميَّا أنها أنهت مشاركتها في الاتفاق النووي. وذكر ترامب وقف المشاركة الأمريكية في خطة العمل الشاملة المشتركة أربع مرات في ذلك الأمر التنفيذي.

وفي رسالة رسمية بتاريخ 11 مايو 2018، أبلغت حكومة الولايات المتحدة جميع الأطراف المشاركة في خطة العمل الشاملة المشتركة رسميَّا أن الولايات المتحدة لن تشارك بعد الآن في الاجتماعات والأنشطة المتعلقة بخطة العمل الشاملة المشتركة. وعلاوةً على ذلك صرح بومبيو في ذلك الوقت أن «الرئيس ترامب أنهى مشاركة الولايات المتحدة في خطة العمل الشاملة المشتركة».

إن حقيقة أن الولايات المتحدة وُصِفت بأنها «دولة مشاركة في خطة العمل الشاملة المشتركة» في فقرة من القرار رقم 2231 هو أمر توصيفي بحت؛ إذ يُدرِج أسماء الدول المشاركة كحقيقة واقعة في وقت تبني القرار في عام 2015.

Embed from Getty Images

وحتى لو افترضنا أن الولايات المتحدة لم تزل دولة مشاركة، وهي ليست كذلك، فإن جولدبيرج يقدم حجة أخرى مضللة تتعلق بعملية استخدام آلية «سناب باك» لإعادة فرض العقوبات. ويقول إن العقوبات ستعود إلى حيز التنفيذ تلقائيًّا في غضون 30 يومًا بعد أن تقدم الحكومة الأمريكية إخطارًا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وبالنظر إلى نص القرار الأصلي تتضح لنا هذه المسألة؛ حيث توضح الفقرة 10 من القرار رقم 2231 كيف يمكن للدول المشاركة في خطة العمل الشاملة المشتركة أن تستخدم آليات تسوية المنازعات (التي تُناقش في الفقرتين 36 و37 من الاتفاق) في حال تبين لها أن عدم التزام إيران بالاتفاق يشكل «عدم تنفيذ خطير». وفي الواقع يُعد اللجوء إلى آلية «سناب باك» بمثابة المرحلة الأخيرة من آلية حل النزاعات الخاصة بخطة العمل الشاملة المشتركة، والتي يمكنها استعادة قرارات الأمم المتحدة السابقة التي جرى تعليقها بموجب القرار 2231.

هل خرقت إيران الاتفاق؟

وأوضح الكاتب أن الخلل الثالث في حجة جولدبرج هو ادِّعائه بشأن انتهاك إيران الصارخ للاتفاقية الدولية. وتستند حجته إلى الادِّعاء بأن إيران بدأت في خرق الاتفاق قبل الأطراف الأخرى؛ متناسيًا أن الولايات المتحدة قد انتهكت الاتفاقية أولًا. وفي الواقع انتهكت الولايات المتحدة الاتفاق على نحو صارخ من خلال إعادة فرض عقوبات مختلفة وفرض «أقصى ضغط» على إيران منذ أن أوقفت مشاركتها في 2018، في حين بدأت إيران تدريجيًّا فقط في تقليص التزاماتها بعد عام واحد بالضبط من الانسحاب الأمريكي امتثالًا للآليات الواردة في الاتفاق نفسه.

ووفقًا للفقرة 36 ​​من الاتفاق، يمكن لإيران تقليص التزاماتها، كليًّا أو جزئيًّا، في حالة الخرق الجزئي أو الجوهري للالتزامات من قِبل دول أخرى. وحتى بعد انسحاب واشنطن، التزمت طهران تمامًا بالاتفاق لمدة عام كامل كما جرى التحقق من ذلك في 15 تقريرًا متتاليًا صادرًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

تأكيد بولتون على انسحاب أمريكا

ويضيف الكاتب قائلًا: وعلاوةً على ذلك أكد جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق لترامب، وبريان هوك، الممثل الأمريكي الخاص السابق لإيران، أن الولايات المتحدة قد انسحبت من خطة العمل الشاملة المشتركة.

دولي

منذ شهر
مترجم: خطة بايدن لحل أكبر مشكلات العالم.. كيف سيتعامل مع الاتفاق النووي الإيراني؟

وأخيرًا يتجاهل جولدبرج مبدأً عامًا موجودًا في القرار 2231 والفقرة 37 من خطة العمل الشاملة المشتركة: حسن النية في استخدام آليات تسوية المنازعات. حسن النية مبدأ مقبول بوجه عام في تنفيذ المعاهدات والاتفاقيات الدولية. واللجوء إلى آلية «سناب باك» تماشيًا مع خطة العمل المشتركة الشاملة والقرار يجب ألا يحدث إلا لحل نزاع، وإعادة الأطراف إلى التزاماتها بموجب الاتفاق.

وشدد الكاتب في ختام مقاله على أن ما تفعله الإدارة الأمريكية الحالية وتقوله فيما يتعلق بخطة العمل الشاملة المشتركة يشير إلى نيتها الرامية إلى القضاء على الاتفاق بدلًا عن التصرف بحسن نية. ولم ترفض إدارة ترامب التقيد بالتزاماتها الخاصة بخطة العمل الشاملة المشتركة فحسب، بل منعت أيضًا الأطراف الأخرى في الاتفاق، وكذلك الدول الأعضاء الأخرى في الأمم المتحدة من تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق والقرار رقم 2231 منذ عام 2018. وبعيدًا عن تجاهل تعدد الأطراف، كما يزعم جولدبرج، فإن الأطراف الأخرى في الاتفاق – روسيا والصين والحكومات الأوروبية – تتمسك بمبدأ تعدد الأطراف، بينما تمارس واشنطن شكلًا متطرفًا من الأحاديَّة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد