شهِد أمس الإثنين المناظرة الرئاسية الأولى بين المرشحين الرئيسيين في انتخابات الرئاسة الأمريكية، «هيلاري كلينتون» عن الحزب الديمقراطي، و«دونالد ترامب» عن الحزب الجمهوري. المناظرة لم تخرج كثيرًا عن التوقعات؛ هيلاري كانت على أتمّ استعدادٍ للمناظرة. كانت كلمتها منتقاة بعناية أبعدت عنها أشباح الزلات التي تُكلّف صاحبها خسائر فادحة.

ترامب، على الجانب الآخر، قال بنفسه قبل المناظرة إنه لا يؤمن بقضاء الكثير من الوقت في التحضير للمناظرات، وهو ما منحه قدرًا من العفوية صبّ في مصلحته في بداية المناظرة. لكن «الكلمات تُحدث فرقًا عندما تترشّح للرئاسة»، كما قالت هيلاري قرب نهاية المناظرة. وقد سقط ترامب في أخطاء ربما تكلفه الكثير، خاصة فيما يتعلّق بموقفه المالي والضريبي. في مقاله بمجلة «النيويوركر»، يستعرض «جون كاسيدي» كيف أظهرت هيلاري وجه ترامب الحقيقي، في مناظرتهما الأولى.

الغفلة

الخطأ الأول الذي وقع فيه ترامب هو الغفلة. بينما استطاعت هيلاري مهاجمة خصمها بذكاءٍ وطرح النقاط التي تستند إليها حملتها والتي تُقوّص حملة غريمها كذلك، غفل ترامب عن التطرق إلى نقطتين أساسيتين ساهمتا في دفع حملته بقوّة إلى الأمام. الأولى هي موقفه الحازم من قضية الهجرة، والثانية هي إصراره على أن هيلاري – والسياسيين المحترفين – دمىً تحركها مصالح الشركات الكبرى.

بالكاد تطرّق ترامب إلى هاتين النقطتين في المناظرة؛ لم يتحدّث بما يكفي عن السور الذي ينتوي بناءه على الحدود الأمريكية المكسيكية، ولم يُشر إلى «المصالح» التي تحرّك هيلاري.

التهرّب الضريبي

ليس ذلك فقط، بل إنّه لم يُحسن الردّ على واحدٍ من أهمّ الأسئلة الشائكة الموجّهة إليه، وهي رفضه نشر إقراره الضريبي. عندما سأله مدير المناظرة عن سبب امتناعه، أجاب بأنه سيفعل عندما «تنشر هي رسائل البريد الالكتروني التي حذفتها». تلقّفت هيلاري تلك الإجابة متجاهلة القضية التي أثارها ترامب، لتثير تكهّنات خبيثة حول السبب وراء عدم نشره إقراره الضريبي.

«يجب أن تسألوا أنفسكم: لماذا يرفض نشر إقراره الضريبي؟ ربما هو ليس ثريًا كما يقول.. ربّما هو ليس خيّرًا كما يزعم. أو ربّما هو لا يريد للشعب الأمريكي، كل من يشاهدوننا الليلة، أن يعرف أنّه لا يدفع الضرائب الفيدرالية.»

يقول «كاسيدي» إنّه كان من المتوقع أن ينتبه ترامب إلى الخطر الذي يحدق به. لكنه لم يفعل. ترامب قاطع كلينتون عدة مرات خلال المناظرة، وهذه المرة لم يتوان عن مقاطعتها، قائلًا: «هذا يجعلني ذكيًا». إجابة صادمة بكل تأكيد لمتابعي المناظرة. ربّما اعتقد «ترامب» أنّ الرأي العام الأمريكي سيعجب بقدرته على التهرّب من دفع الضرائب على دخله الهائل كتحدٍ للنظام.

رجل أعمال ناجح؟

لم ينته الأمر هنا. استمرّت هيلاري في الحديث عن تأثير عدم دفع الضرائب على الاقتصاد الأمريكي والإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم. حوّل مدير المناظرة دفة الحوار إلى فضيحة البريد الإلكتروني، وردّت هيلاري بأنّ ما فعلته من إنشاء خادمٍ خاصٍ لرسائلها كان خطئًا تحمّلت مسؤوليته. لكن ترامب لم يستغلّ هذه النقطة على النحو الأمثل كما كان أي مناظر أفضل ليفعل، مكتفيًا ببعض التعليقات حول الأمر. قبل أن يرجع بنفسه إلى تهرّبه من الضرائب، قائلًا إنك «لا تعرف الكثير من خلال الإقرار الضريبي»، وملقيًا اللوم على السياسيين الذين لا يعرفون شيئًا عن المال، والذين استنزفوا الإنفاق الحكومي في أفكارٍ لا طائل منها، قائلًا: «حان الوقت لكي يحظى هذا البلد بشخصٍ يديره لديه فكرة عن المال».

حاول ترامب استغلال كونه رجل أعمال ناجحٍ لمصلحته. لكن هيلاري أشارت إلى العاملين والمهندسين والحرفيين الذين التقت بهم، والذين رفض ترامب أن يدفع إليهم أجورهم فور الانتهاء من العمل. قالت هيلاري إن مهندسًا يجلس الآن في صفوف المشاهدين عمل مع ترامب ولم يوفّه أجره. قاطعها ترامب مرة أخرى: «ربما لم أكن راضيًا عن عمله».

«إنني أستغلّ القوانين»

لم تتوقّف هيلاري عن هجومها، قائلة إنّ أعمال ترامب أفلست ست مرات، في محاولة للتشكيك في إدارته للأعمال. وكان ردّ ترامب يعكس الوجه الحقيقي له، بلا أدنى تحفّظ.

«لقد بنيت شركة لا تصدّق، وبعضًا من أعظم الممتلكات في أي مكانٍ في العالم. استخدمنا قوانين معيّنة موجودة بالفعل. وعندما تتحدث الوزيرة كلينتون عن أن الناس لا يتلقّون أجورهم، أولًا لقد دفعنا لهم الكثير فعلًا، لكننا استغللنا قوانين البلاد. إن كنت تريدين تغيير القوانين، فقد كنتِ هنا منذ فترة طويلة، غيّري القوانين. لكنني أستغلّ قوانين البلاد لأني أدير شركة. التزامي الآن تجاه تحقيق الرخاء لنفسي، وعائلتي، والموظفين لدي، وشركاتي. وهذا هو ما أفعله.»

يقول «كاسيدي» إنّ ترامب لم يكن ليقول الأمر بوضوحٍ أكثر: هذا هو ما يفعله. لقد كشف عن وجهه الحقيقي، في مناظرة رئاسية أمام الملايين، وقد كانت كلينتون هي من قادته إلى الفخ.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات