قال نوح فيلدمان، أستاذ الدستور والقانون الدولي بجامعة هارفارد الأمريكية، إنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أحدث شرخًا في العلاقات بين حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين، وأنّ على أحدهم إصلاح الضرر.

وأوضح فيلدمان في مقال له على موقع بلومبيرج أنّه بينما انشغل الجميع بشهادة جيمس كومي – مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق– أمام مجلس الشيوخ، تسبب ترامب في نشوب أزمة كبرى بين قطر من ناحية، والسعودية والإمارات والبحرين من ناحية أخرى.

كان ترامب هو السبب في الأزمة، حيث خدعه السعوديون ثم ذهب ليغرد متباهيًا بذلك على «تويتر». وتظل المعضلة الآن هي كيفية إخماد الحريق الدبلوماسي دون أن يتراجع ترامب عن تصريحاته، وهو ما يبدو أنّه لا ينوي فعله.

وحتى نفهم أبعاد الأمر وكيفية إصلاحه – يقول فيلدمان– سنبدأ بقطر التي تستضيف قاعدة «العديد» الأمريكية، وأكثر من 11 ألف عنصر من قوات التحالف، وتنطلق منها العمليات نحو أفغانستان وسوريا والعراق. وتحاول قطر موازنة الهيمنة السعودية على منطقة الخليج. وتنطلق منها إحدى كبرى الشبكات الإخبارية العالمية؛ الجزيرة.

برر السعوديون قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع قطر برعايتها الإرهاب. لكن في حقيقة الأمر، كانت تعليقات ترامب خلال زيارته إلى السعودية هي ما منح الضوء الأخضر للمملكة للهجوم على دولة تعتبرها خنجرًا في خاصرتها، ومصدرًا خطيرًا للأخبار السلبية.

يرى فيلدمان أنّ ترامب لم يتعمد إشعال الأزمة. فمثلما تظهر تغريداته على تويتر؛ يبدو أنّ السعوديين قد خدعوه. قال ترامب إنّه أخبر المجتمعين برغبته في تجفيف تمويل الأيديولوجيات المتطرفة. وبالنظر إلى طبيعة سلوك ترامب، فما يُفهم من كلامه هو أنّه يشير إلى رجال الدين والمدارس والمساجد التي تنشر الوهابية المتشددة. لكن القادة – ووفقًا لترامب– أشاروا على الفور صوب قطر.

ولم يتبين لترامب أنّ هذه كانت طريقة لصرف الانتباه عن المملكة، والتلويح بإمكانية التحرك ضد قطر، وقد ابتلع الطعم، حسبما يرى فيلدمان. على إثر ذلك، اعتقد السعوديون أن ترامب سيدعم هجومًا ضد قطر، وهو ما تجنبته أمريكا في الماضي بسبب التحالف العسكري القوي مع الدوحة.

«بلومبيرج»: لماذا قطعت دول خليجية علاقاتها مع قطر؟ 11 سؤالًا يشرح لك

نجحت المقامرة السعودية – يشير فيلدمان– فبدلًا من أن ينأى بنفسه عن خلاف بين حليفين لأمريكا، تباهى ترامب على الفور بأنه السبب في ذلك. ولكن ثمة ثلاثة أدلة تثبت أنه لم يكن ينوي ذلك في الأساس:

أولًا: وصفه قطر خلال خطابه في السعودية بـ«الشريك الاستراتيجي الحاسم».

ثانيًا: القلق الذي أبداه الجيش الأمريكي من الخطوة السعودية ودعم ترامب لها. فقد قال متحدث باسم الجيش إن تغريدات ترامب لا محل لها من الإعراب في السياسة الأمريكية. وقد أشاد البنتاجون بالتزام قطر الكامل بأمن المنطقة.

ثالثًا: ناشد وزير الخارجية ريكس تيلرسون الدول العربية بالكف عن حصار قطر، بينما واصل ترامب مدح الخطوة.

ومن هنا – كما يؤكد فيلدمان– يتبين لنا أن ترامب لم يكن على علمٍ بما دُبر ليلًا لقطر. وعلى ما يبدو، فإنّه لا يدرك مدى أهمية قطر بالنسبة إلى الولايات المتحدة. ويتساءل فيلدمان: لكن كيف يمكن حل الأزمة؟

لا يمكن لأمريكا التخلي عن حليف إقليمي مثل قطر. وإذا ما جرى ذلك، ستتبارى القوى الإقليمية الأخرى للقيام بدورها. وإذا ما اتجهت قطر نحو روسيا وإيران – اللتين تحاولان الاستفادة من خطأ ترامب الفادح– فهذا سيناريو أسوأ. كما أن تركيا – الحليف الأمريكي الذي بدأ يتجه أيضًا نحو روسيا وإيران– سارعت بتوفير احتياجات قطر من المواد الغذائية بعد الحصار.

ويعتقد فيلدمان أن السعودية ترغب في إطاحة حاكم قطر، وهو ما سيأتي بنتائج كارثية. إن الشيخ تميم حليف لأمريكا. وإذا جرى التخلص منه، سيظن العالم أن السعودية هي المتحكم في المنطقة وليس أمريكا. وأقل ضرر سيتمثل في تقديم قطر تنازلات كبيرة للسعودية بما يحفظ ماء وجه ترامب، ولا يجبره على التراجع عن آرائه.

تتمثل تلك التنازلات في توقف قطر عن دعم حماس والإخوان المسلمين. فقد ظهر أنّ لقطر تأثيرًا إيجابيًّا في حماس بعد أن دفعتها إلى إعلان القبول بحل الدولتين للصراع العربي- الإسرائيلي. وقد يساعد هذا السعودية وأمريكا على تقديم مبادرة للسلام.

لهذه الأسباب.. الريال القطري في أمان بعيدًا عن الأزمة مع الدوحة

وقد تلجأ قطر إلى تخفيف تعاملاتها مع إيران، لكن الأمر ينطوي على صعوبة بسبب حقل الغاز الطبيعي المشترك بينهما. وتبقى مشكلة أخيرة هي قناة الجزيرة، التي يبغضها السعوديون وتمولها قطر. يُسمح للشبكة الإخبارية انتقاد كافة البلدان العربية، ونقل كافة سلبياتها باستثناء قطر. فإذا قلمت الدوحة أظافر الجزيرة، فربما تطفئ بعضًا من لهب غضب السعودية.

يبقى العنصر الأهم هنا – كما يشير فيلدمان ختامًا– هو أن السعوديين لا يهتمون بتمويل قطر للإرهاب، وإنما ما يزعجهم هو سعي قطر لتجاوز دور المملكة، وانتقادات قناة الجزيرة. ويتعين على أمريكا التحرك لجسر الهوة بين حلفائها، وإلا فإن خطأ ترامب سيقوض مصالح الولايات المتحدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد