تحصل الحكومة المصرية على حزمة مساعدات سنوية من الولايات المتحدة تصل لـ1.5 مليار دولار منذ توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» عام 1978. الثلاثاء الماضي، ألغت الإدارة الأمريكية جزءًا منها وجمدت جزءًا آخر حتى يتحسن وضع حقوق الإنسان في مصر، وأصدرت الخارجية المصرية بيانًا يدين القرار ويصفه بأنه «يفتقر للحكمة».

لم يكن يتوقع أحد أن ينتهي شهر عسل «ترامب» و«السيسي» بهذه السرعة؛ لذا يحاول الكاتب زيشان عليم، المختص بالشؤون الخارجية في موقع «Vox» الأمريكي، في تقرير له نقل رؤية عدد من المختصين تقف على الأسباب التي جعلت «ترامب» يقدم على خطوة كهذه، رغم هوايته في مدح «السيسي» منذ توليه.

يبدأ التقرير بالحديث عن زيارة السيسي الأولى للبيت الأبيض؛ «حين استقبل ترامب ضيفه الرئيس المصري، وهو ديكتاتور عسكري انقلب على رئيس بلاده المنتخب ديمقراطيًّا وقتل أكثر من 800 متظاهر في يوم واحد وسجن الآلاف من المعارضين منذ توليه، ودعمه ترامب يومها من كل قلبه».

قال «ترامب»: «أريد فقط للجميع أن يعلموا – إن كان لديهم أي شك – أننا نقف خلف الرئيس السيسي بقوة، لقد قام بدور مذهل في وضع شديد الصعوبة». لذا كان قرار إدارة «ترامب» بإلغاء مساعدات بقيمة 96 مليون دولار وتأجيل أخرى بـ195 مليونًا – بدعوى قلقها على الديمقراطية وحقوق الإنسان – قرارًا خارجًا عن سلوك «ترامب» المعتاد، حسب المقال.

يتساءل عليم: «ماذا يحدث إذًا؟ هل غيرت إدارة ترامب رأيها فجأةً؟ أم هناك شيء آخر يدور؟».

الإجابة صعبة؛ خاصة أن كل ما نعرفه هو خطاب الإدارة الأمريكية البلاغي المبهم حول انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وهو ما لا يتسق مع احتفاء «ترامب» سابقًا بسلطوية «السيسي». قالت متحدثة الخارجية الأمريكية «هيذر نويرت» خلال مؤتمر صحافي، الأربعاء الماضي، إن «الأمر يتعلق بحقوق الإنسان، وهي – كما تعلمون – أمر مهم. هذا جزء مما نفعله هنا كل يوم: ندعو لحقوق الإنسان».

لكن هناك عدة خبراء – ممن تواصل معهم الكاتب – لهم نظرية أخرى، ففي رأيهم يظن البيت الأبيض أن «السيسي» تمادى في قمعه، ويحاول إيقافه بطرق مبتكرة. كما أنها ربما تكون أيضًا فرصة للضغط على مصر من أجل قطع علاقاتها طويلة الأمد مع كوريا الشمالية.

ينتقل المقال للحديث عن قانون منظمات المجتمع المدني (المنظمات غير الحكومية) الذي يتحدث عنه المحللون لقمعه منظمات مدنية مثل هيومان رايتس ووتش. أقر السيسي هذا القانون في مايو (أيار) الماضي، ويشكل خطوة جديدة ضمن عداوة حكومته الطويلة مع المجتمع المدني.

في محاولة لإغلاق منظمات المجتمع المدني أو تكبيلها على الأقل، أقرت الحكومة عددًا من المواد ضمن هذا القانون منها: رسوم تأسيس مرتفعة، ومتطلبات إضافية لتجديد التصاريح، وتصريح حكومي لنشر الدراسات والأبحاث. كلها مواد صممت لتفقد هذه المنظمات قوتها، ويمكن أن تصل عقوبة خرقها للحبس.

يعرض القانون العاملين الأمريكيين في مصر للخطر، بحسب المقال، فهم المسؤولون غالبًا عن إدارة الدعم الأمريكي عن طريق منظمات المجتمع المدني. حصل بعضهم على أحكام بالسجن سابقًا، ويتوقع المحللون أن يسوء وضعهم بعد إقرار القانون.

قال مايكل دون – مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد كارنيجي – لـVox: «بشكل ما، يرجع الموضوع لسياسة «أمريكا أولًا». إن كانت مصر حليفًا ينول منا دعمًا ماديًا فعليها ألا تقمع الأمريكيين».

اقرأ أيضًا: ترجمة ملخص جلسة الكونجرس: انتهاكات حقوق الإنسان في مصر قد تخفض المعونة العسكرية

كيف فاجأ السيسي الإدارة الأمريكية بقانون منظمات المجتمع المدني؟

يشير المقال لغضب الإدارة الأمريكية – وصدمتها – من طريقة إقرار القانون أيضًا، وليس فقط من القانون نفسه؛ حيث وعد فريق السيسي إدارة «ترامب» بأن الرئيس المصري لن يوقع القانون المثير للجدل بعدما وافق البرلمان عليه، وذلك أثناء زيارته للبيت الأبيض في أبريل (نيسان) الماضي.

لكن هذا ما فعله السيسي في مايو (أيار) بعد أسبوع من لقائه ترامب في الرياض، ويقول الكاتب إنه ربما ما شجعه على هذا هو ما قاله «ترامب» للقادة العرب: «لم نأت لإلقاء المحاضرات، لم نأت لنشرح لشعوب أخرى كيف تعيش». يقول أحد أعضاء إدارة «ترامب» لـCNN إن «البيت الأبيض» شعر بالتضليل بعدما أقر «السيسي» القانون.

«عبرت إدارة ترامب عن قلقها حيال القانون بما يكفي، وقال السيسي إنه لن يوقع عليه، ثم وقع بعدها. لقد خابت توقعاتهم». هذا ما تقول تمارا ويتس للكاتب، وهي زميلة أولى بمركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكنجز.

يبدو أن «السيسي» فشل في الالتزام بالمعايير – المنخفضة جدًا – التي وضعتها إدارة «ترامب» له، حسب رأي الكاتب. غُفر له كل ما فعله في أول لقاء له مع «ترامب»، لكن الإدارة الأمريكية لم ترغب أن يصعد «السيسي» الأمور أكثر؛ خاصة بطريقة تهدد الأمريكيين والمصالح الأمريكية.

ربما تحاول الإدارة الأمريكية تقويم «السيسي»

يطرح المقال احتمالًا بأن الإدارة الأمريكية ربما لا تحاول إفساد العلاقات مع مصر بتعليقها 195 مليون دولار من المساعدات، بل تحاول تشجيع مصر على تحسين وضعها؛ فقد أجّل وزير الخارجية الأمريكي ريكس تليرسون حزمة بـ195 مليون دولار بطريقة مبتكرة.

يرتبط صرف هذه الحزمة من المساعدات – تحديدًا – بمجموعة من الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان التي يضعها الكونجرس ويجب على مصر تطبيقها لتتسلم المساعدات؛ وبما أن مصر لم تطبق هذه الشروط فلا يفترض أن تحصل على تلك المساعدات. لكن «تليرسون» يملك سلطة خاصة في الإفراج عن المساعدات بدعوى الأمن القومي، ويمكنه استخدامها لمنح المساعدات لمصر. وهذا ما فعله – بمعنى أن أموال مصر لم تذهب للأبد – لكنه وضع المال جانبًا وقال إن على مصر تحسين سجلها في حقوق الإنسان لتحصل عليه.

يشرح الكاتب بكلمات أخرى أن تليرسون وقف على أرض وسط بين منع المساعدات لعدم تطبيق مصر الشروط، كما لم يعطها لمصر دون تعهدات مسبقة. سيُبقي «تليرسون» على المال، «حتى نرى تقدمًا في أولويات مصر الأساسية» بحسب حديث أحد أعضاء إدارة «ترامب» لـCNN.

«كان يمكنهم جعلها هي العصا، بدلًا من ذلك جعلوها الجزرة»، تقول ويتس للكاتب وتقصد المساعدات.

ماذا قد تطلب الإدارة الأمريكية من مصر؟

يسأل الكاتب عما قد يريده «تليرسون» من مصر ليفرج عن المساعدات. يجيب محللون بأن قائمة الشروط قد تضم أشياء عديدة من ضمنها: وقف تنفيذ القانون الجديد الذي أقرته مصر، أو تخفيف قمعها للصحافيين، أو الحد من انتهاكات جيشها لحقوق الإنسان في صراعه في شبه جزيرة سيناء.

احتمالية أخرى يذكرها المقال، وهي أن الولايات المتحدة ربما تستغل المال في الضغط على مصر وإغوائها بقطع علاقاتها التجارية والعسكرية – ذات الأمد الطويل – مع كوريا الشمالية. أعلن البيت الأبيض عن مكالمة بين «السيسي» و«ترامب» في يوليو (تموز)، أظهرت أن «ترامب» سبق وضغط على «السيسي» في هذا الأمر.

ينتهي التقرير بحديث «ساره يركز»، زميلة برنامج الشرق الأوسط بمعهد كارنيجي، حيث تقول: «لن أتفاجأ إن كانت كوريا الشمالية أثرت بشكل ما في اتخاذ هذا القرار الآن؛ فالحكومة الأمريكية تحاول الضغط على الحكومات الأخرى لتقطع علاقاتها بكوريا الشمالية. كان القرار بسيطًا للإدارة الأمريكية بعدما جمعت مصر بين انتهاكات حقوق الإنسان واستمرار علاقتها بكوريا الشمالية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد