يُعد تعيين سفير عماني جديد في سوريا دليلًا على أن هناك انفراجة في موقف الجامعة العربية تجاه الأسد؛ وذلك في وقتٍ تثير فيه تعاملات البيت الأبيض مع سوريا موجة من التكهنات.

نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تحليلًا لزافي بارئيل، محلل الصحيفة لشؤون الشرق الأوسط، تناول فيه الموقف العربي والأمريكي من النظام السوري، وما إذا كانت هناك صفقة تطبيع بين سوريا وإسرائيل تلوح في الأفق.

تغيُّر في الموقف العربي تجاه سوريا

يقول زافي في مستهل تحليله، إنه قبل ثلاثة أسابيع، قدَّم تركي بن محمد البوسعيدي، السفير العماني الجديد في سوريا، أوراق اعتماده إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد. والبوسعيدي أول سفير خليجي يتولى منصبه في دمشق بعد إخراج سوريا من جامعة الدول العربية عام 2011. 

Embed from Getty Images

وقبل حوالي عامين، خرقت الإمارات العربية المتحدة الحصار الدبلوماسي المفروض على سوريا عندما فتحت سفارة في دمشق، وعيَّنت قائمًا بالأعمال فيها، وانضمت إليها البحرين بعد مرور يوم واحد فحسب. وبدت سوريا في ذلك الوقت مستعدةً للعودة إلى المظلة العربية، وكذلك بدت الجامعة العربية من ناحيتها مستعدةً لإعادة النظر في عضوية سوريا فيها، حتى إن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أعلن أنه على استعداد لإرسال شحنة أسلحة إلى سوريا لمساعدة نظام الأسد في محاربة المعارضة، بحسب التقرير.

لكن في الوقت الحالي، يبدو موقف جامعة الدول العربية واضحًا؛ إذ قال أحمد أبو الغيط، الأمين العام للجامعة، مؤخرًا إن عودة سوريا إلى المنظمة ليس مطروحًا على طاولة النقاش. لكن الظروف قد تتغير؛ إذ أصبحت سوريا موضع اهتمام متزايد، خاصة أنها أصبحت بؤرة تنافس دبلوماسي بين عدد من الدول.

مصالح روسيا وتركيا في سوريا

يلفت التحليل إلى أن روسيا تريد وبشدة أن يحقق نظام الأسد الشرعية العربية التي يحتاجها للانضمام إلى المجتمع الدولي وتلقي التبرعات والمساعدات، التي تشتد حاجته إليها، من هيئات التمويل الدولية. ولدى الروس والسعودية والإمارات مصلحة مشتركة في وقف تمدد النفوذ الإيراني، والأهم من ذلك ربما هو إقامة حائط دفاعي ضد الوجود التركي في سوريا خاصة، وفي الشرق الأوسط عامة.

وجدير بالذكر أن تركيا ما تزال تَعُدُّ الأسد حاكمًا غير شرعي للبلاد، والسبب الواضح في ذلك يتمثل في عمليات القتل الجماعي التي ارتكبها ضد شعبه. ولأنقرة أيضًا أسباب أكثر واقعية؛ إذ قد يدفعها اكتساب نظام الأسد الشرعية العربية والدعم الروسي إلى مغادرة الأراضي السورية، ومن ثم سَلْب قدرتها على قتال المعارضة الكردية هناك، بحسب التقرير.

وألمح الكاتب إلى أنه ما يزال بإمكان تركيا الاعتماد على دعم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فمع أن واشنطن تُعد حليفًا استراتيجيًّا للأكراد، فإن ترامب لم يحرِّك ساكنًا لإخراج تركيا من المناطق الكردية التي فرضت سيطرتها عليها. واقتصر تدخل واشنطن الأساسي في سوريا على فرض عقوبات صارمة على النظام، مثل تلك التي فُرِضت في يونيو (حزيران) جزءًا مما سُمِّي بقانون قيصر الذي يعاقب أي فرد، أو شركة، أو دولة، لديها أي علاقة مع نظام الأسد باستثناء المساعدات الإنسانية.

مفاوضات أمريكية سورية خلف الكواليس

واستدرك الكاتب قائلًا: ولكن تبيَّن في الوقت نفسه أن لدى البيت الأبيض تعاملات مع سوريا؛ إذ وفقًا لصحيفة «وول ستريت جورنال»، أرسل ترامب رسالة إلى الأسد في مارس (آذار) عرَضَ فيها التفاوض من أجل الإفراج عن مواطنَيْن أمريكيَيْن وهما أوستين تيت، الصحافي المستقل الذي اختفى في سوريا عام 2012، ومجد كمالماز، الذي اعتُقل على حاجز سوري عام 2017 وظل معتقلًا لدى النظام منذ ذلك الحين.

Embed from Getty Images

وقبل بضعة أسابيع، أرسل ترامب كاش باتيل، كبير مستشاريه للحرب على الإرهاب، إلى دمشق لمناقشة المسألة، ولكنه لم يحقق أي نتائج تُذكر؛ إذ اشترط الأسد خروج جميع القوات الأمريكية من سوريا ورفع العقوبات عنها مقابل إطلاق سراحهما. 

وأطلقت حقيقة إجراء هذه المفاوضات سلسلة من التخمينات والتقييمات فيما يتعلق بموقف ترامب من سوريا. تساءل المُعلِّقون العرب عما إذا كانت سوريا «في طريقها إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل رفع العقوبات عنها»، وما إذا كانت «المحادثات بشأن إطلاق سراح المواطنَيْن الأمريكيَيْن هي الخطوة الأولى من صفقة أكبر يخطط لها ترامب». فيما يقول بعض الخبراء السوريين إن تعيين السفير العماني في دمشق قد يدل على أن هذه الخطوة لاقت ترحيبًا من السعودية وكانت استمرارًا لجهود تعزيز العلاقات بين الإمارات ونظام الأسد.

الجولان مقابل التطبيع مع إسرائيل

يذكر التحليل أن الأسد نفسه سارع إلى انتقاد فرصة التطبيع مع إسرائيل وتثبيطها؛ إذ قال ببساطة في مقابلة مع التلفزيون الروسي في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) إن «التطبيع سيكون مقابل إعادة الأراضي التي احتلَّتها إسرائيل في سوريا»، وأضاف أن: «سوريا لا تُجري مفاوضات مع إسرائيل». 

ولم يتطرَّق الأسد مطلقًا إلى القضية الفلسطينية ولا الشروط التي وُضِعت وقت مبادرة السلام العربية والتي يجب على إسرائيل بموجبها الانسحاب من كل المناطق التي احتلتها، وليس مرتفعات الجولان فحسب. ولم يُدِن الأسد رسميًّا أيضًا اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، بل اكتفى بالبيان الناقد الذي أصدره حزب البعث. ولم ترد سوريا رسميًّا حتى على المفاوضات المباشرة والنادرة التي يجريها لبنان مع إسرائيل حول ترسيم حدودهما البحرية.

عربي

منذ شهر
ضرب التقارب مع تركيا.. ما وراء مفاوضات ترسيم الحدود بين إسرائيل ولبنان

واختتم الكاتب تحليله بالقول إنه من المحتمل ألا تتطور هذه التلميحات والإشارات في أي وقت قريب إلى اتصالات مباشرة أو غير مباشرة بين إسرائيل وسوريا. وحتى لو تحقق الكابوس وأُعِيد انتخاب ترامب وحمل في حقيبته مقترحًا بشأن صفقة جديدة مع إيران، فلن تنسحب إسرائيل من مرتفعات الجولان تحت أي ظرف من الظروف.

والإجماع الإسرائيلي لا يترك أملًا ولو ضعيفًا في أن تجري محادثات بشأن الانسحاب، وقد تعزز ذلك الإجماع أكثر بعد اعتراف ترامب نفسه بالسيادة الإسرائيلية على المنطقة. ومن غير المتوقع أن يُغيِّر الرئيس الديمقراطي جو بايدن، في حال انتخابه، الأساس الدبلوماسي الذي وضعه ترامب في سوريا. ولن يُطالب بالانسحاب الإسرائيلي من الجولان وربما لن يرفع العقوبات. ونقطة التحول هذه المرة يجب أن تأتي من الدول العربية نفسها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد