نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية مقالًا للكاتب الصحفي يوري فريدمان، المتخصص في تغطية الشؤون العالمية والسياسات الدولية، ويتناول المقال كيف تلجأ إدارة ترامب دائمًا إلى وسيلةٍ واحدة مكررة لمعالجة أيًّ مما يواجهها من الأزمات السياسية الخارجية المعقدة، وكيف يظهر أثر ذلك حديثًا مع التدخل العسكري التركي في سوريا.

Embed from Getty Images

حركة ترامب اليتيمة

يستهّل فريدمان مقاله بالقول إن تركيا لا بدّ وأنها توقعت الوصول لهذا الأمر سلفًا، ربما لم يكن ذلك باديًا عندما أجرى الأسبوع الماضي الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مكالمةً هاتفية مع نظيره الأمريكي مطلعًا إياه على نيته شن هجومٍ ضد الأكراد شمال شرقي سوريا، والذي أدى إلى انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة على إثرها، وتقدم قوات النظام السوري والقوات الروسية، وكذلك التركية، لملء الفراغ، فضلًا عن فرارِ عشرات الآلاف من المدنيين، وتصاعد المخاوف من انتهاز تنظيم داعش الفرصة للعودة إلى الساحة من جديد.

لكن وفي صباح اليوم التالي للمكالمة، ظهر التهديد بـ«تدمير اقتصاد تركيا وهدمه كليًّا» على منصة تويتر، مكان دونالد ترامب المفضل للاستفزازات من هذا القبيل، كما يصف الكاتب. لم يكن رد الفعل هذا مفاجئًا على الإطلاق، بل متوقعًا من رئيسٍ أبدى مرارًا وتكرارًا خلال السنوات الثلاث الماضية مقاومةً لاستخدام القوة، وارتيابًا تجاه أيّ محاولة دبلوماسية لا تتضمن مهاراته الشخصية بالتفاوض.

وبالنسبة للعقوبات الاقتصادية، فقد وجد فيها ترامب بقعته المفضلة ما بين مشقّة الدبلوماسية، وتكلفة العمل العسكري الباهظة، إذ تشبع رغباته في تطبيق الضغط الاقتصادي المطلوب والقابل للتصعيد والتخفيض، بالتناسب مع الصفقات التي يسعى لها، وفقًا لما يذهب إليه الكاتب. لكن في حالة الاجتياح التركي في سوريا، ظهرت محدودية قدرة هذه الوسيلة التي يسعد بها ترامب، وإليها يلجأ دائمًا.

يدعو ترامب أردوغان لزيارته في البيت الأبيض، ويهدد بالقضاء على اقتصاد بلده في الوقت نفسه. وتعطي إدارة ترامب الضوء الأخضر ضمنيًّا للتحرك العسكري التركي في سوريا، ومن ثم تنادي بإنهائه وتهدد بالعقوبات الاقتصادية بعد أيام من انسحاب قواتها من المنطقة.

يعود فريدمان إلى تاريخ استخدام العقوبات بصفتها أداة سياسية للحكومات؛ إذ كانت موجودةً على هذه الشاكلة منذ الإغريق القدماء على الأقل. إلا أن العقوبات المالية، وحظر السفر، وغيرها من العقوبات المحددة والمعقدة، لم تظهر إلا مع إدارة جورج دبليو بوش، وفقًا للكاتب، وقد انتشرت وتضاعفت في عهد ترامب.

يُطبّق الآن ما يبلغ عدده 32 برنامجًا من برامج العقوبات المتطورة النشطة، التي تنفذها الحكومة الأمريكية، ويتسّم بعضها بالضخامة الاستثنائية مع أهدافٍ طموحة للغاية، بما في ذلك إرغام ديكتاتور كوريا الشمالية على التخلي عن ترسانة الأسلحة النووية ودفع الزعيم الروحي لإيران للتخلي عن مساعيه النووية ومكائده في الشرق الأوسط، وكذلك إجبار زعيم فنزويلا الاستبدادي على التخلي عن السلطة، لتبدأ العملية الديمقراطية في ذلك البلد.

يختصر فريدمان الأمر كالتالي: أصبحت وسيلة إدارة ترامب الثابتة والوحيدة لمواجهة أكثر مشكلات العالم تعقيدًا وأصعبها، تتمثل في الضغط الاقتصادي على الدول المستهدفة، مع إبقاء الباب مفتوحًا لاستمرارية الحوار والعرض بتخفيفِ ذلك الضغط، إذا ما عدّلوا مواقفهم وفقًا للمطلوب. وقد أثبتت إدارة ترامب براعتها في فرض الضغوط على تلك الدول، ولكن تبدو قلة كفاءتها حينما يتعلق الأمر بإحداثِ تغيير في السلوك. وكما يذكّر فريدمان، فإن الإدارة فشلت حتى الآن في تحقيق النتائج المرجوة في كلّ من إيران، وكوريا الشمالية، وفنزويلا، وأخيرًا في سوريا.

Embed from Getty Images

هل توقعت تركيا العقوبات؟

يؤكد فريدمان اطلاع الحكومة التركية وخبرتها بالنهج الأمريكي الآنف ذكره، قبل بدء عمليتها العسكرية ضد الأكراد حتى، وتأتي هذه الخبرة ليس من مراقبة ترامب وحسب، بل من تجربتها السابقة لهذا التكتيك وتعرضها له. في العام الماضي، فرض ترامب عقوباتٍ على اثنين من المسؤولين الأتراك، ورفع تعريفة الفولاذ والألمنيوم على تركيا ضمن محاولاته للضغط على أنقرة؛ بهدفِ الإفراج عن القس الأمريكي المسجون أندرو برونسون. ساهمت تلك العقوبات في التسبب بانخفاضٍ حادٍ في قيمة العملة التركية آنذاك، وفقًا للكاتب، وقد أُطلق سراح برونسون في النهاية.

ورغم احتمال تكرار سيناريو برونسون مجددًا، فإن هذا لم يكن كافيًا هذه المرة لإبقاء تركيا تحت السيطرة، وفقًا للكاتب، وهو أمرٌ يؤكده اعترافات المسؤولين الأمريكيين أنفسهم. إذ ينقل فريدمان تصريح مسؤول كبير في إدارة ترامب يوم الاثنين الفائت – في أثناء اجتماع لتزويد الصحفيين بالمعلومات وبشرط عدم الكشف عن هويته- والذي قال فيه إن الحكومة التركية «ستخبركم بثقة تامة بأنه لم يوجد شيء فعلناه، بطريقة أو أخرى، من شأنه أن يثني الأتراك عما يريدون فعله في هذه الحالة».

يعتقد فريدمان أن أردوغان لم يحتج للتكهن بما في جعبة ترامب من حيل، إذ إن الأخير كان يكشف كل ما في يديه من أوراق بالفعل. ويستدرك قائلًا: ربما وضع أردوغان في حسبانه مسألة الانتقام الاقتصادي المحتملة وتكلفتها، في أثناء اتخاذه قرار المضي في هجومه في سوريا، إذ ينقل عن سونر چاغاپتاي – وهو باحث تركي في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومؤلف كتاب «إمبراطورية أردوغان»– تأكيده بأن الرئيس التركي توقع العقوبات الأمريكية على الأغلب، مشيرًا إلى وجود علاقة جيدة بين أردوغان وترامب إلى درجة وجود «افتتان سياسي متبادل بينهما» بوصفهما رئيسين قويين متماثلين في التفكير، على حد تعبيره.

Embed from Getty Images

يضيف الباحث التركي أن أردوغان يتوقع أن ترامب سـ«ينقذ العلاقة» في النهاية، كما هو الحال في الصيف الماضي حينما تراجع الرئيس الأمريكي عن فرض عقوبات على تركيا، صدق عليها الكونجرس بسبب شراء تركيا – وهي عضو في حلف الناتو- لمنظومةِ دفاع صاروخية روسية. ويعقّب الباحث التركي بأن: «أردوغان يراهن على ذلك مرة أخرى: أن ترامب سيمنع العقوبات المدمرة ضد اقتصاد وجيش تركيا بعد الاجتياح التركي».

في الوقت الحالي، يبدو أن هذا الرهان يؤتي ثماره، وفقًا لفريدمان، إذ تتالى الدعوات الشديدة في الكونغرس لمعاقبة تركيا اقتصاديًّا، وقد أذن ترامب يوم الاثنين بفرضِ عقوباتٍ على المرتبطين بـ«أعمال تركيا المزعزعة للاستقرار في شمال شرق سوريا»، مع رفع التعريفات الجمركية على الفولاذ، وتعليق المفاوضات التجارية بين واشنطن وأنقرة.

لكن وحتى الآن، لم تصل العقوبات سوى لثلاثة مسؤولين أتراك فقط، بالإضافة لوزارتيّ الدفاع والطاقة في البلاد. ويحتمل أن يكون أثر العقوبات ورفع التعريفة الجمركية على الفولاذ أثرًا ضئيلًا؛ لأن صادرات الفولاذ التركي إلى الولايات المتحدة انخفضت بالفعل، إثر فرض الرسوم الأمريكية السابقة، كما أن الصفقة التجارية بين الولايات المتحدة وتركيا لم تكن أصلًا قريبة من الإتمام.

تختلف ردة فعل أعضاء التحالف ضد تنظيم داعش بقيادة الولايات المتحدة، إذ يراقبون برعب ما يسببه الحدث الأخير من عكسِ مسار الانتصارات التي حققوها ضد ذلك التنظيم الإرهابي، ما يدفعهم لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه التدخل العسكري التركي.

على سبيل المثال، حظرت فرنسا وألمانيا صادرات الأسلحة لتركيا. كما وعد أعضاء الكونجرس الديمقراطيون والجمهوريون بتنفيذ انتقامهم الخاص، خاصة مع دعوة رئيسة مجلس النواب نانسي پيلوسي إلى استصدارِ قرار مشتركٍ من الحزبين لنقضِ قرار ترامب في سوريا، وفرض عقوبات على تركيا أشد من التي فرضها البيت الأبيض. وأوضح جاغابتاي أن عقوبات إدارة ترامب تعد «متساهلة وخفيفة للغاية»، وتبدو أقرب لمحاولةِ لـ«تخفيفِ حدة» جهود الكونغرس لمعاقبة تركيا.

Embed from Getty Images

ملاذ من القرارات الصعبة

مع الوضع بعين الاعتبار إدراك أردوغان وتوقعه الوصول لهذه النتيجة، فقد يكون قد وازن الجانب الإيجابي بالنسبة لمصالحه من العملية العسكرية في سوريا ضد القوات الكردية، والتي تعدها الحكومة التركية قوات إرهابية، لها صلة بالتمرد الكردي داخل تركيا، ليجده يتفوق على الجانب السلبي متمثلًا في العقوبات وردود الفعل الأمريكية والدولية.

«فورين بوليسي»: هل كانت تستطيع تركيا تجنب التدخل العسكري في سوريا؟

ينقل فريدمان تعليق إليزابيث روزنبرغ – والتي سبق وعملت على سياسة العقوبات في إدارة أوباما وهي الآن في مركز الأمن الأمريكي الجديد- في رسالة بريدٍ إلكتروني ردت بها عليه قائلةً: «إذا أصبحت العقوبات الأمريكية رمزية غالبًا، ستكون هذه تكلفة اقتصادية أو دبلوماسية بسيطة نسبيًّا تتحملها تركيا لتعزيز أهدافها العسكرة في المنطقة».

يتسم تطبيق العقوبات على تركيا بالتشوش والالتباس على الهدف، وهو عيب وصم جهد العقوبات الأمريكية السابقة ضد إيران، وكوريا الشمالية، وفنزويلًا بالمثل. يحاول ترامب الآن كبح جماح عمليةٍ عسكرية قد سبق وأعطاها الضوء الأخضر ضمنيًّا منذ أيامٍ فقط، وذلك يتمثل بقبوله لخطط أردوغان وسحبه القوات الأمريكية من منطقة المعركة. فيما يدعو أردوغان الآن لزيارته في البيت الأبيض، ويهدد بتدمير اقتصاده في الآن ذاته.

النظام المالي الأمريكي نظام قوي، لكن ليس قويًّا لدرجةِ إيقاف هجوم عسكري، وإدارة ترامب تضع أعباءً وتوقعات ثقيلة على ما يمكن للعقوبات أن تفعله.

علاوة على ذلك، وضمن مسألة ارتباك الهدف التي يحللها فريدمان، يذكر التالي: صرّح مسؤولو إدارة ترامب بأن هدف العقوبات يتمثل في منع تركيا من ذبح المدنيين عشوائيًّا، والقضاء على الجماعات العرقية، وإعادة توطين اللاجئين السوريين بالإكراه، مع إجبار الأتراك على التفاوض بشأن وقفٍ لإطلاق النار، ثم التوصل إلى حلّ لصراعهم مع الأكراد. لكن إخماد الحريق العسكري الذي يتكشف ويتفاعل في الوقت الحالي، لا يمكن عبر تلك الإجراءات التي تستغرق وقتًا طويلًا لجني ثمارها، والتي تعتمدها إدارة ترامب.

يؤكد فريدمان أن النظام المالي الأمريكي نظام قوي، لكن ليس لدرجةِ إيقاف هجوم عسكري في مساره. لقد استغرق الأمر سنواتٍ من فرض العقوبات الدولية والضغط على إيرانِ بها حتى وافقت على الالتزام بالقيود المفروضة على برنامجها النووي، خلال إدارة باراك أوباما. في الواقع، يواصل مسؤولو إدارة ترامب اليوم تقديم المشورة الناصحةِ بالمزيد من الصبر تجاه العقوبات المفروضة في عامي 2017 و2018 حتى تظهر علامات فعاليّتها على إيران، وكوريا الشمالية، وفنزويلا.

يعقّب خوان زاراتي، وهو مسؤول كبير في مجال العقوبات ومكافحة الإرهاب في إدارة جورج دبليو بوش، ويشغل الآن منصب رئيس شبكة النزاهة المالية – ويأتي هذا التعقيب في رسالة بريد إلكتروني موجهة لفريدمان-: «تضع الإدارة والكونجرس أكثر فأكثر مطالب وتوقعات ثقيلة وفورية على قدرة العقوبات والتدابير المالية على معاقبة وردع، وحتى تغيير السلوك فيما يتعلق بالتحديات الشائكة لأمننا القومي كله».

يضيف زاراتي أن: «هذه الغريزة الأولى للتوجه لاستخدام العقوبات من شأنها إعفاء صانعي السياسة من اتخاذ قرارات صعبة أخرى بشأن استخدام القوة والأدوات الأمريكية، بما في ذلك القوة العسكرية وتدابير الاستخبارات، لاستكمال أو تمكين فعاليتها»، ويتابع: «في حالة تركيا وسوريا، فإن فعالية التهديد بفرضِ عقوبات ضد دمشق وأنقرة كانت ستنجز ببقاء القوات الأمريكية في مكانٍ تدافع فيه عن السلام الموجود، مع التمسك بالمناطق القيمة، والعمل مع المقاتلين الأكراد لاحتواء تهديد داعش».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد