كتب سيرجيو بيلتران جارسا، وهو فنان وناشط ومعماري مهتم بصناعة السينما والعمارة، مقالًا في صحيفة «الجارديان» البريطانية حول تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب مواقع التراث الإيرانية إذا ضربت طهران أي أهداف أمريكية بعد اغتيال قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني.

وركز الكاتب على قضية تهديد ترامب للتراث الثقافي، وما ينطوي عليه ذلك من ضياع كنوز لا تقدر بثمن بعد أن ضاع الكثير من التراث الإنساني والقطع الفنية في العراق وسوريا على يد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)».

وفي بداية مقاله حذر الكاتب من الاستهانة بتغريدة ترامب قائلًا: يجب ألا تؤخذ تحذيرات الرئيس الأمريكي على «تويتر» بضرب المواقع الثقافية الإيرانية «بسرعة كبيرة وبشكل شديد للغاية» باستهانة؛ فقد يخسر العالم هذه الكنوز المعمارية إلى الأبد.

كانت رسالة ترامب للعام الجديد، والتي نُشرت على «تويتر» في أعقاب اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني، واضحة لا لبس فيها: «ليكن هذا بمثابة تحذير بأنه إذا أقدمت إيران على ضرب أي أمريكيين أو أصول أمريكية، فإننا حددنا 52 موقعًا إيرانيا سنستهدفها… بعضها على مستوى عالٍ جدا ومهم لإيران والثقافة الإيرانية، وتلك الأهداف، وإيران نفسها، ستتعرض للضرب بسرعة كبيرة وبشكل شديد للغاية».

ويتابع الكاتب: لا يوجد مجال للشك: فالرئيس الأمريكي يهدد بتدمير التراث الثقافي، وهذا يمثل جريمة حرب وفقًا للعديد من القوانين الدولية التي رعتها الولايات المتحدة ووقعت عليها. مثل اتفاقيات جنيف لعام 1949 وقرار مجلس الأمن بالأمم المتحدة رقم 2347 لعام 2017، الذي «يشجب ويدين التـدمير الخـارج علـى القـانون للتراث الثقافي ممثَّلا – ضـمن جملة أمور – في تدمير المواقع الدينية والقطع الأثرية، وكذلك نهب وتخريب الممتلكات الثقافية من المواقع الأثرية والمتاحف والمكتبات والمحفوظات وغيرها من المواقع، في سياق النزاعات المسلحة، وخاصة من جانب الجماعات الإرهابية».

دولي

منذ 5 شهور
مترجم: هل كان اغتيال سليماني قانونيًّا وفق القانون الدولي والدستور الأمريكي؟

قوانين حماية التراث بعد الحرب العالمية الثانية

يندرج وصف المواقع الثقافية الأكثر قيمة في إيران تحت مباشرة هذه اللوائح، التي جرى التصديق عليها لأول مرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بعد أن خسرت كل الدول التي حاربت بعضها البعض مباني، وأعمالًا فنية، وتراثًا ثقافيًا لا يقدر بثمن، ويرجع ذلك في الغالب إلى التقدم التكنولوجي في وسائل الحرب. بينما تزايدت المخاوف من الحروب المستقبلية التي يستخدم فيها القصف الجوي على نطاق واسع، وحتى الحرب النووية، حتى أصبحت إحدى الأولويات الضرورية للأمم المتحدة حديثًا تتمثل ليس في حماية الأشخاص فحسب من التدمير العشوائي، بل أيضًا حماية المناطق التي يكسبون منها رزقهم.

Embed from Getty Images

ويتابع الكاتب أن هذا هو النهج الذي تصاغ من خلاله المصطلحات المختصرة الحالية مثل مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو: ليس باعتبارها قائمة بالمواقع الجميلة والقيمة التي يجب زيارتها أو مشاهدتها، ولكن كقائمة بالمناطق التي لا يمكن أن تشن فيها الحرب تحت أي ظرف من الظروف.

يؤكد الكاتب على أنه «مع تفاقم النزاعات المستمرة اليوم، والتي تشمل مسافات طويلة تفصل بين المهاجم وأهدافه؛ تطالب هذه التشريعات الموقعين عليها بالالتزام ببنودها أكثر من أي وقت مضى».

ترامب على خطى طالبان 

ويتابع الكاتب أنه في أعقاب تدمير طالبان لتمثال بوذا في مدينة باميان الأفغانية في عام 2001 وتخريب تنظيم «داعش» في عام 2015 لموقع مدينة «تدمر» الأثري في سوريا، أصبحنا أكثر وعيًا بهشاشة التراث الثقافي. وبينما كانت الضجة العالمية بعد الحريق الذي أتى على كاتدرائية نوتردام بباريس في الصيف الماضي صاخبة أيضًا؛ بدأ يسود الشعور بأن كنوز الماضي تتفلت من حمايتنا، وأصبح هذا الحال يعبر عن معاناة الثقافة المعاصرة. ومع ذلك يجب علينا أن نتذكر أن تكوين «طالبان» و«داعش» كأعداء همجيين يجعل من الأسهل بكثير على الجمهور التنديد بهذه الأحداث باعتبارها جرائم حرب.

انطباع خاطئ عن إيران

وأردف الكاتب أن «إيران دولة يساء فهمها على نطاق واسع، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تقييد الوصول إليها منذ الثورة الإيرانية في عام 1979، إضافة إلى أن السياسة الغربية في حقبة الحرب الباردة غلفت إيران بقشرة من الشيوعية، وصورتها على أنها أرض بربرية، وهو تصور لا يزال مستمرًا في الغرب حتى اليوم».

ويتابع الكاتب أن «النظام الإيراني – غير العلماني والقمعي – عزز سمعته السلبية مؤخرًا في ظل مزاعم بأنه اغتال أكثر من 1500 ناشط على الإنترنت في الأشهر الثلاثة الماضية وسط تعتيم تام».

في هذا السياق غالبًا ما يُنظر إلى إيران على أنها تعاني من فراغ ثقافي، بدلًا عن أن ينظر إليها على أنها مسقط رأس الإمبراطورية الفارسية، ولها إنجازات عظيمة في الفنون والعلوم.

إيران لديها 24 موقعا على قائمة اليونسكو و50 موقعًا تنتظر إدراجها

حاليًا هناك 24 موقعًا في إيران محمية من قبل اليونسكو، من بينها موقع «برسبوليس»، وهو واحد من آخر المجمعات الأثرية الضخمة من بلاد فارس القديمة، والذي تحميه المؤسسات الإيرانية؛ وساحة «نقش جهان» في أصفهان بمساجدها الخلابة وهندستها المعمارية التي تجمع بين الهندسة والرمزية الدينية والإتقان المادي؛ ومدينة «يزد» التاريخية، التي تجمع بين المشاهد المثالية التي نتخيلها لدى حديثنا عن الشرق الأوسط القديم والخيالي، وعن الليالي العربية «ليالي ألف ليلة وليلة».

Embed from Getty Images

علاوة على ذلك، اعتبارًا من أغسطس (آب) 2016، أدرج 50 موقعًا إضافيًا في إيران على قائمة اليونسكو المؤقتة لمواقع التراث العالمي، وما زالت في انتظار التصديق عليها. وبينما نتأمل هذه المجموعة من الكنوز المعمارية، يجب أن ندرك أن هذه الأماكن ليست معزولة عن أولئك الذين يعيشون ويحبون ويضحكون ويصلون داخلها وفي أرجائها، ويدرك الإيرانيون قيمتها أفضل من أي شخص آخر، وبذلوا جهودًا جديرة بالثناء للحفاظ عليها من حيث استعادتها ومشاركتها مع الآخرين.

ما يضر الإيرانيين يضر تراثهم وثقافتهم

ويتابع الكاتب أنه «لذلك لا يمكننا فصل قيمة المواقع عن الشعب الذي يمتلكها ويعيش فيها. لأن أي ضرر غير مبرر يحدث للإيرانيين، أو يضعف مؤسساتهم، سيعرض هذه المواقع حتمًا لخطر التلف، وهو نمط كان يجب أن نتعلمه من تجربة تدمر، ومن الموصل بعد الضرر الذي لا يمكن تعويضه للتحف التي كانت موجودة في المتحف هناك».

ويختتم جارسيا مقاله بتكرار تحذيره، قائلًا: «على الرغم من أن اليونسكو وضعت الأسس للحماية المطلقة للمباني التي لا تقدر بثمن، إلا أننا لم نفهم بعد بشكل أفضل العلاقة بين البشر وبيئتهم الثقافية. وفي ضوء خروج إدارة ترامب من اليونسكو في عام 2019، يجب عدم الاستهانة بتهديدات الرئيس الأمريكي للتراث الثقافي الإيراني. يجب أن نعرف جميعًا ما الذي يمكن أن يضيع إلى الأبد».

دولي

منذ 5 شهور
«فورين أفيرز»: هذه خيارات إيران للرد على اغتيال سليماني

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد