عندما ينشب صراع بين أمريكا والاتحاد الأوروبي بسبب التجارة، قد لا يرقى هذا الصراع إلى مستوى الشدة والتأثير الجيوسياسي للحرب التجارية الأمريكية-الصينية.

كتب إدوارد ألدن، الأستاذ الزائر بجامعة ويسترن واشنطن، والباحث الكبير في مجلس العلاقات الخارجية، مقالًا في مجلة «فورين بوليسي» حول الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي تمثل المنافسة بين شركة «بوينج» الأمريكية لصناعة الطائرات ومنافستها «إيرباص» الأوروبية جانبًا كبيرًا منها. ويرى الكاتب أن استمرار هذا الصراع يفتح الفرصة أمام الصين للاستحواذ على المزيد من الصناعات.

عندما ينشب صراع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب التجارة، قد لا يرقى هذا الصراع إلى مستوى الشدة والتأثير الجيوسياسي للحرب التجارية الأمريكية- الصينية. ولكن ما تفتقر إليه النزاعات التجارية عبر الأطلسي من الدراما، فإنها تعوض عنه بتاريخ من الخلافات غير القابلة للتسوية والعناد المطلق، وهو الأمر الذي لا يبشر بالخير لمضي العلاقة قدمًا، بغض النظر عمن سيفوز في انتخابات الرئاسة الأمريكية.

نزاع يستمر بين الحليفين لمدة 15 عامًا

يضرب الكاتب على ذلك مثلًا: النزاع الذي استمر لأكثر من 15 عامًا حول الإعانات الحكومية المختلفة التي تتمتع بها شركتا تصنيع الطائرات المتنافستان «إيرباص» و«بوينج». إذ أعلنت شركة «إيرباص» والمفوضية الأوروبية يوم الجمعة الماضي أنهما سيغيران شروط دعم الدولة، في محاولة لإقناع الولايات المتحدة برفع الرسوم الجمركية التي تبلغ 7.5 مليار دولار.

Embed from Getty Images

جاءت هذه الخطوة بعد أن صعدت واشنطن الخلاف الشهر الماضي بالتلويح بأنها سوف تستهدف الاتحاد الأوروبي بنوع من الرسوم الجمركية العقابية. وفي ظل ما يسمى بانتقام الأرجوحة «carousel retaliation» (وهو تكتيك تجاري يرمي إلى نقل الرسوم إلى منتجات مختلفة في الدول المستهدفة)، قالت الولايات المتحدة إنها ستقوم بتدوير تعريفاتها الحالية من 10 إلى 25% على المنتجات الأوروبية إلى مجموعة مختلفة من المواد كل ستة أشهر، مما يؤثر في سلع مثل الشاحنات، والبيرة، والزيتون، والكحوليات. ولم تقل واشنطن بعد ما إذا كانت مستعدة لرفع التعريفات استجابة لخطوة الاتحاد الأوروبي الجديدة. لكن لدى الجانبين تاريخًا من رفض مفاتحات الجانب الآخر.

نزاع «إيرباص» و«بوينج» يعطل اتفاق الشراكة

ويمثل النزاع المستمر بين «إيرباص» و«بوينج» أحد النزاعات التي عطلت شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، وهو اسم فخم، كان من المفترض أن يكون اتفاقًا شاملًا للمواءمة بين القوتين العظميين في التجارة، في مواجهة التحدي المتزايد الذي تشكله الصين.

ولكن في عام 2016، بعد ثلاث سنوات و15 جولة من المفاوضات، مات الاتفاق المزمع دون الانتهاء من فصل واحد منه. وأدت المعارضة الشعبية على جانبي المحيط الأطلسي للصفقات التجارية التي ينظر إليها على أنها انتهاك للسيادة، وعدم قدرة بروكسل وواشنطن على الاتفاق على الدور المناسب للتنظيمات والإعانات الحكومية، إلى القضاء على هذا الجهد. ولم يحزن سوى القليل على موت الاتفاق عندما جرى التخلي عنه بهدوء، حتى قبل تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه وبدء مقاومته المنهجية للتجارة.

اليوم، حيث يصعب التعرف تقريبًا إلى عالم التجارة العالمية الذي كانت تحكمه القواعد يومًا ما، يلوح في الأفق فشل ذلك الاتفاق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وتحتاج الصين التي تميل إلى تأكيد الذات على نحو متزايد، والتي رفضت الرضوخ لمطالب التجارة الأمريكية – بينما تقمع المعارضة الداخلية وتفرض قانونًا أمنيًّا جديدًا على هونج كونج – إلى رد قوي ومنسق من الولايات المتحدة وأوروبا، اللتين تشتركان في مصالح مماثلة وتهيمنان سويًّا على التجارة العالمية. ولكن بدلًا من ذلك، تغرق أوروبا وأمريكا في معاركهما التجارية التي تزداد احتدامًا.

ترامب يهدد بفرض رسوم جمركية على السيارات الأوروبية

في الشهر الماضي، كرر ترامب تهديده بفرض رسوم جمركية باهظة على السيارات الأوروبية، تستهدف في المقام الأول الشركات الألمانية مثل «فولكس»، «فاجن»، و«دايملر». وزعم ترامب أمام الصحافيين الأسبوع الماضي أن الاتحاد الأوروبي «جرى تشكيله من أجل الاستفادة من الولايات المتحدة»، وقال مرارًا إن أوروبا «تعاملنا بطريقة أسوأ من الصين».

وبدأت الولايات المتحدة أيضًا في إجراء تحقيق بموجب القسم 301، وهو القانون نفسه الذي استخدم لفرض الرسوم الجمركية على الصين، حول الضرائب الرقمية التي يجرى تحصيلها أو قيد الدراسة في الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الأعضاء فيه.

ترامب وبنس مع قادة الجيش الأمريكي

وتعهد الاتحاد الأوروبي بدوره بأن يرد بالمثل على أي تعريفات أمريكية جديدة. وحذر المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي، فيل هوجان، من أنه يتوقع علاقة مضطربة على نحو خاص مع الولايات المتحدة في الأشهر التي تسبق الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني).

يضيف الكاتب: إن العداء يؤدي إلى تآكل العلاقة، خاصة بالنظر إلى القيم المشتركة الأخرى بين أكبر قوتين تجاريتين في العالم، والتي يجب أن تكون نموذجًا لبقية العالم. إذ كان بناء نظام التجارة العالمي الحديث مشروعًا قادته الولايات المتحدة وأوروبا على مدى عدة عقود بعد الحرب العالمية الثانية.

وما لم يتمكن الاثنان من إيجاد سبل لكي يتعاونا – في العلاقات التجارية والاقتصادية والدفاع والتحديات العالمية المشتركة مثل الأوبئة وتغير المناخ – ستكون آفاق النظام العالمي في المستقبل قاتمة. وبدلًا من ذلك، يضرب الاثنان الآن مثالًا على كيفية عدم حل الاختلافات.

كيف تدهورت العلاقة إلى هذا الحد؟ وهل يمكن معالجة ذلك؟

من أجل فهم التوترات الكامنة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتعلم الدروس لحلها، من المفيد أن نبدأ بنقطة الصراع العقيم بين «بوينج» و«إيرباص» بشأن الهيمنة على سوق الطائرات المدنية في العالم.

منذ إنشاء شركة «إيرباص» المدعومة حكوميًّا في عام 1970، في البداية كتحالف بين العديد من شركات تصنيع الطائرات الأصغر في أوروبا، كانت بطلًا أوروبيًّا ورائدًا عالميًّا في مجال الطيران. لكن «بوينج» فقدت الكثير من بريقها منذ حادثتي التحطم المميتين لطائرتها من طراز 737-MAX الجديدة في عامي 2018 و2019، والمزاعم اللاحقة بهفوات السلامة، لكن الشركة ما تزال أكبر مُصدر إلى الولايات المتحدة، وأقرب ما تكون إلى بطل تصنيع وطني.

وتخوض الشركتان صراعات مميتة منذ منتصف الثمانينيات، عندما حصلت «إيرباص» على طلبيات كبيرة من شركات الطيران الأمريكية، مثل «بان آم»، و«نورثويست»، و«أمريكان». وتزعم الولايات المتحدة أن شركة «إيرباص» نجحت إلى حد كبير بسبب التمويل السخي الذي تقدمه الحكومات الأوروبية في انتهاكٍ لقواعد التجارة العالمية. وتدفع «إيرباص» بأن شركة «بوينج» تمتعت بمزايا مماثلة من خلال عقودها المربحة من البنتاجون ووكالة ناسا، والعديد من الإعفاءات الضريبية على مستوى الدولة.

يتوقف جزء من نزاع شركات الطائرات على سؤال جوهري يبرز مرة أخرى مع صعود الصين: إلى أي مدى يجب السماح للدول مخالفة القواعد حتى تتمكن شركاتها من اللحاق بالشركات المهيمنة في السوق؟

Embed from Getty Images

لا توجد إجابة قانونية عن هذا السؤال، لأنه يستلزم تسوية تفاوضية، مهما كانت صعوبة تلك المفاوضات. فلن تتخلى أوروبا عن طموحاتها لتكون قوة رائدة في الفضاء والطيران، كما لن تسمح الولايات المتحدة بشل «بوينج» بسبب المنافسة من شركة «إيرباص».

ولكن بدلًا من الحل الواضح المتمثل في التوصل إلى اتفاق ودي، قدمت حكومة الولايات المتحدة شكوى إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2004، وردَّت أوروبا بشكوى مضادة. واستمرت الشكوى التي قاتل فيها أعلى المحامين التجاريين أجرًا في العالم، لمدة 16 عامًا دون قرار.

في العام الماضي، قضت منظمة التجارة العالمية بأن الولايات المتحدة لها الحق في «تعويضات» بقيمة 7.5 مليار دولار (منظمة التجارة العالمية تحدثت عن الحق في فرض رسوم جمركية)، ومن المتوقع على نطاق واسع أن تصدر حكمًا مماثلًا لصالح شركة «إيرباص» في خريف هذا العام، لتحكم للاتحاد الأوروبي بالتعريفات التعويضية الخاصة به، والتي ربما تصل إلى 10 مليارات دولار.

بعبارة أخرى، فإن 16 عامًا من القتال لم تحقق سوى تعريفات جديدة تضر بمصدري المنتجات غير ذات الصلة، ولم تساعد أي من الشركتين. وليس من الواضح ما إذا كانت الخطوة الأخيرة التي قامت بها «إيرباص» سوف تصل بالقتال إلى حل طال انتظاره، كما يقول الكاتب.

الأشقاء المتنافسون

هذا الفشل المدمر للذات صاغ نموذجًا للعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبدلًا من إيجاد حلول للمشكلات التجارية تحظى بقبول الطرفين، تخندق كل طرف على نحو أعمق وراء الرأي العام الذي كان في الغالب ملتهبًا.

هل يجب أن تسمح أوروبا باستيراد الدجاج الأمريكي المطهر على نحو آمن بالكلور، والذرة المزروعة من البذور المعدلة وراثيًّا؟ هل تستفيد الشركات الأمريكية مثل «أمازون» و«آبل» على نحوٍ غير عادل من الاختلافات في القواعد الضريبية للشركات؟ يوضح المقال أن كل هذه الأمور أصبحت مادة للمعارك التجارية الملحمية، مع عدم استعداد أي من الطرفين للتوصل إلى حل وسط، أو التعايش بهدوء مع خلافاتهما.

مثل الأشقاء المتنافسين، خاض الجانبان المعارك نفسها مرة بعد أخرى، وفي كل مرة كانا يشعران بأنهما على صواب، وأنهما يتعرضان لظلم أكثر من المرة السابقة. وخلال مفاوضات شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلنطي، لم يحققا سوى تقدم ضئيل في قطاعات مثل السيارات، حيث تختلف قواعد المنتجات في التفاصيل، ولكن لا يمكن تقريبًا تمييزها في التزامها بسلامة المستهلك.

المخاطر كبيرة والصين أهمها

ولا شك أن القتال سيكون مسليًّا ما لم تكن المخاطر كبيرة. إذ أدى العجز عن حل مثل هذه القضايا إلى توسيع الصدع عبر المحيط الأطلسي، وترك الباب مفتوحًا أمام بكين، بحسب الكاتب. على سبيل المثال، تواصل الصين استخدام الإعانات الحكومية الضخمة للاستحواذ على الأسواق العالمية في صناعة تلو الأخرى، من الصلب إلى الألواح الشمسية إلى السيارات.

العالم والاقتصاد

منذ 4 شهور
«تشاتام هاوس»: طموحات الاتحاد الأوروبي في العالم مهددة لهذا السبب

وبالنظر إلى خلافاتهما بشأن الإعانات، مثل تلك التي تقدم إلى «إيرباص» و«بوينج»، لم تشكل الولايات المتحدة وأوروبا أبدًا جبهة موحدة أمام الصين. أما في القواعد الخاصة بالمنتجات، تسوق الصين مرارًا ادعاءات غير موضوعية، كما تفعل أوروبا، لمنع الواردات لأسباب مزعومة تتعلق بالصحة أو السلامة. رسخت الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا الفكرة القائلة بأن قواعد المنتجات هي مسألة وطنية بحتة، حتى لو كانت تستخدم عن عمد مرارًا لعرقلة التجارة.

الضرائب على الشركات هي ميدان معركة آخر. مع سعي الحكومات المحموم في جميع أنحاء العالم إلى توفير موارد لمكافحة جائحة كوفيد-19، فإنها تحتاج إلى إيجاد طرق أفضل لفرض الضرائب على الشركات العالمية مثل «آبل» التي أصبحت أكثر فعالية في التجنب الضريبي. وتهدد الولايات المتحدة وأوروبا بفرض تعريفات جمركية ضد بعضهما البعض بدلًا من إيجاد أرضية مشتركة.

كانت سياسة ترامب التجارية «أمريكا أولًا» مدمرة للذات على نحو خاص، إذ يَنظر إلى كل قضية تجارية على أنها معركة صفرية يجب على الولايات المتحدة أن تفوز بها بأي ثمن، مما يحول دون حدوث أي تعاون يخدم مصالح الطرفين. ولكن يجب أن يكون واضحًا أن فوز المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن في انتخابات نوفمبر لن يعالج كل جروح العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حسبما يخلص المقال.

ويتابع الكاتب: يجب على القادة على جانبي الأطلسي أن يعيدوا تعلم الدرس المتمثل في أن التعاون على المدى الطويل أكثر أهمية من المكاسب قصيرة المدى، مهما كانت شعبية الخيار الأخير بين السياسيين والناخبين وقادة الرأي الذين يركزون على الاختلافات بين الجانبين.

ويختم المقال بالقول: على الولايات المتحدة وأوروبا أن تعترفا بأن القيم والمصالح التي توحدهما – وليس أقلها الحفاظ على الرخاء والاستقرار العالمي في مواجهة الصين الصاعدة – أكبر بكثير من المشاحنات الصغيرة التي تفرق بينهما.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد