وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا غير مسبوق يستهدف الحماية القانونية الممنوحة لوسائل التواصل الاجتماعي، والتي تمنع الناس من مقاضاتها وملاحقتها، ويأتي ذلك بعد تهجّم ترامب على تويتر واتهامه له بتقييد حرية التعبير وممارسة الرقابة التمييزية، مهددًا بتنظيم وسائل التواصل الاجتماعي أو «إغلاقها بالقوة».

يبيّن المؤلف والصحفي الأمريكي الحائز على جائزة بوليتزر تشارلي سافاج في تقريره الجديد في صحيفة «نيويورك تايمز» التداعيات المحتملة لهذا القرار والمسائل القانونية المتعلقة به، وأهمية ذلك في سياق صلاحيات وسائل التواصل الاجتماعي بصورةٍ أعمّ.

1- كيف تحتمي شركات وسائل التواصل الاجتماعي بمظلّة القانون؟

يمنع قانونٌ صادر عام 1996 –بند 230 من قانون آداب التواصل الأمريكي- الأشخاص من مقاضاة مقدّمي «خدمات الحاسوب التفاعلية» بدعوى التشهير في حال نشر المستخدمون رسائل تشهيريّة على تلك المنصات. ويفيد القانون بأن مشغّلي مواقع الإنترنت الوسيطة لا تُعامل على أنها الناشر أو المتحدث المتيح لمنشورات الآخرين، ويشرح الكاتب أن هذه الفئة تشمل عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك ويوتيوب وغيرها وصولًا حتى للمدوّنات التي بها مكان متاحٌ للقراء لنشر تعليقاتهم.

وفي حُكمٍ ذي صلة، يمنح نصّ قضائي هذه المواقع حماية من الدعاوى التي قد تُرفع عليها بتهمة الإزالة الخاطئة أو غير المشروعة للمحتوى. يمنح النص المشغّلين حصانةً فيما يخص قرارات «حسن النيّة» لإزالة أو تقييد المنشورات التي قد يعتبرونها «بذيئة أو فاحشة أو فاسقة أو قذعاء أو مفرطة العنف أو مضايقة أو كانت محلّ اعتراض لأسباب أخرى، سواء تمتّعت هذه المواد بحمايةٍ دستورية أم لا».

2- كيف يُستهدف هذا الدرع الآن؟

يشكّل القرار التنفيذي الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الخميس خطرًا خاصًا على الدرع الذي تحتمي به وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك عبر طرحه رؤيةً بها استثناء لحصانة مواقع الويب القانونية. يقارب القرار المسألة عبر الحجّة التالية: إذا كان هنالك موقع يقيّد الوصول إلى محتوى الآخرين عن سوء نية ويتجاوز نقطة إزالة أنواع المحتوى المرفوض المفصّل في القانون، إذن يجب اعتباره ناشرًا لا منصة محايدة -وبالتالي يفقد حصانته القانونية من الدعاوى القضائية.

إذا ما بُنيت القوانين على هذه الرؤية، يمكن مقاضاة شركات وسائل الإعلام الاجتماعية بسبب المحتوى التشهيري الذي ينشره أناسٌ على منصاتهم. يذكر الكاتب مثالًا هنا استخدام ترامب تويتر للتلميح زورًا بأن مقدّم البرامج جو سكاربورو في محطة (إم إس إن بي سي) الأمريكية قتل مساعدته السابقة لوري كلاوسوتيس عام 2001، وبالتالي يمكن وفقًا للرؤية المطروحة أن يتهم سكاربورو منصة تويتر بتهمة التشهير في حال أراد ذلك، وفي حال إثباته أيضًا أن ترامب استوفى معايير منصة تويتر ليكون محررًا بها.

Embed from Getty Images

قد تفشل مثل هذه الدعاوى القضائية حتى في ظل رؤية أمر ترامب التنفيذي للقانون، فكما يشرح الكاتب بالنسبة للمثال السابق: يجب على المحكمة أولًا أن تقرر أن شركة وسائل التواصل الاجتماعي المُتّهمة قد انخرطت في السلوك التحريري المعنيّ بما يكفي لتفقد حصانتها. وقد يثبّط هذا القرار التنفيذي شركات وسائل التواصل الاجتماعي عن تأديةِ دورٍ فعال في تنظيم المحتوى على منصّاتهم، ما يزيد من مخاطر وتكلفة ممارسة الأعمال التجارية.

3- كيف يحاول القرار فرض هذا التفسير؟

من خلال تقديمِ طلب بإصدار هيئة الاتصالات الفيدرالية قاعدةً لـ«توضيح» ما إذا كان قانون الحصانة ينطوي ضمنيًا على الاستثناء الذي ينشده ترامب. وعلى وجه التحديد، يوجّه القرار التنفيذي وزارة التجارة للطلب من هيئة الاتصالات الفدرالية الأمريكية تطوير لوائحها فيما يتعلق فيما إذا كان على شركات التواصل الاجتماعي أن تفقد الحصانة المعطيّة لها وفقًا لبند 230 من قانون آداب التواصل الأمريكي عند تقييدها للمواد المنشورة بسوء نية، ويشمل هذا أيّ إجراءات «احتياليّة أو ذرائعيّة أو متضاربة مع شروط الخدمة الخاصة بالمزوّد» وفقًا لما يقوله القرار التنفيذي.

تُعتبر هيئة الاتصالات الفدرالية وكالة مستقلة خارج سيطرة الرئيس الأمريكي ترامب، وهناك ثلاثة أعضاء من الجمهوريين واثنان من الديمقراطيين في لجنتها ذات الخمسة أعضاء.

Embed from Getty Images

4- هل ستحدث هذه القاعدة فرقًا قانونيًا؟

وفقًا للخبراء القانونين: لن تحدث فرقًا على الأرجح. أولًا، وبالرغم من إشراف هيئة الاتصالات الفدرالية على أجزاء من قانون الاتصالات حيث يتوخّى الكونجرس تلك اللوائح –مثل قواعد شركات الهاتف- إلا أن القرار لا يفسّر لماذا سيكون للهيئة أيّ دور في تفسير البند 230 بصورةٍ رسمية. فالمحاكم هي من تتعامل مع الدعاوى القضائية، لا هيئة الاتصالات.

علاوةً على ذلك، توضح بروفسور القانون في جامعة روتجرز إيلين جودمان –وهي مختصة في قضايا الاتصالات الرقمية وقضايا حرية التعبير- بأن المحاكم ترتاب أساسًا في الادعاءات القائلة بأن لدى هيئة الاتصالات الفيدرالية سلطة ضمنية لتنظيم المسائل الإضافية التي لم يمنحها الكونجرس بصورةٍ صريحة، حتى عند ارتباطها بصلةٍ وثيقة بمسؤولياتها الأساسية. تضيف جودمان: «إنها مجرد ضوضاء. لا سؤالٌ صعبٌ هنا، فمن الواضح أن ليس لدى هيئة الاتصالات الفيدرالية سلطة قضائية».

لن تحدث القاعدة فرقًا قانونيًا كبيرًا وفقًا لتقديرات الخبراء، إذ لا تتمتع هيئة الاتصالات الفدرالية بسلطةٍ قضائية في هذا المجال، فالمحاكم هي من تتعامل مع الدعاوى ولا يمكن للوائح الهيئة أن تتجاوز القانون الذي سنّه الكونجرس على أيّة حال.

وفي النهاية، لا يمكن للوائح الهيئة تجاوز القانون الذي سنه الكونجرس. يمنح القانون ظاهريًا مواقع الويب مجالًا واسعًا لتقييد أو إزالة المشاركات التي تعتبرها سيئة، بما في ذلك فئة فضفاضة للغاية من المنشورات التي تُعتبر محلّ اعتراض وفقًا للنصّ القانوني. ومع ذلك، يمكن لهذا القرار التنفيذي أن يتسبب في البدء بجدلٍ سياسياتيّ ومن صلاحيات الكونجرس تغيير النظام الأساسي. يوّجه القانون النائب العام وليام بي بر أيضًا نحو وضع مسودة تشريعية للكونجرس للنظر بذلك، وهو ما يحتمل أن يؤدي لتعزيز الهدف السياسي المتمثل بتقليص الحماية القانونية الممنوحة ضمن بند 230 لشركات التكنولوجيا النافذة.

5- ما هو التحرير غير اللائق وفقًا لترامب؟

يوضّح الكاتب أن قرار ترامب التنفيذيّ لا يبيّن معايير التحرير غير اللائق. وبالنظر لتوقيت القرار وسياقه، يبدو أن الفكرة الأقرب للذهن تتمثل بمحاولة الرئيس الأمريكي ترامب بمنع تويتر من وضع علامات تعجب زرقاء على تغريداته وتدلّ هذه العلامات على افتقار المحتوى للدقة موجّهة القراء إلى ضرورة التحقق من المنشورات.

يتضمن القرار شكايةً من إفراد ترامب بالإجراء، وقد قال ترامب للصحفيين أن عملية تفحص الحقائق التي أجراها تويتر كانت عبارة عن «نشاطٍ سياسي». بيد أنه لم يتبيّن بعد كيف ستتوافق تفاصيل التغيير التي يرتئيها الأمر التنفيذي مع شكوى ترامب، ولا سيما أن منصة تويتر لم تزل أو تقيّد تغريدات ترامب بل وضعت علامات تحققية عليها فحسب.

يذكّر الكاتب بالتزام إدارة ترامب لفترة طويلة بفكرة استهداف شركات وسائل التواصل الاجتماعي، ويبدو ذلك خصوصًا مع وجود مسوّدة سابقة لنفس القرار التنفيذي –النسخة السابقة من المسودة لم تحتو عبارات تخصّ عبارات تويتر لتقصّي الحقائق- ما يعني أن الإدارة قد صاغت نسخة القرار منذ زمن.

تحتوى بعض البنود المذكورة في القرار على أمور من قبيل الإشارات للشكاوى بأن الشركات تمنع محتوى معينًا أو مستخدمين محددين بناء على وجهات نظرهم السياسية، وتدلّ هذه البنود على أن القرار يستهدف أيضًا أمرًا آخرًا: المنع المظلل (وهو أسلوب يتهم البعض وسائل التواصل الاجتماعي باستخدامه، حيث يُحجب محتوى حساباتٍ ما دون دراية صاحب الحساب بذلك، وبالتالي تقيّد المنصّة وصولية المحتوى إلى مجتمع المستخدمين المستهدف).

أعرب بعض المحافظين عن نظريتهم التي تفيد بأن تويتر يقمع منشوراتهم لأسباب سياسية عن طريق إخفائها عن المستخدمين الآخرين، وعلى الرغم بأن كتاباتهم ظاهرة بالنسبة لأصحابها-ويفترض لهذه الممارسة المزعومة أن تتناسب بشكل أكبر مع فكرة تقييد الوصول للمحتوى المنشور بأسلوب مضلل. نفت شركة تويتر إقدامها على فعل ذلك، لكن ترامب أيّد هذا الاتهام في يوليو (تموز) 2018 وتعهد بالنظر إليه.

Embed from Getty Images

6- ما آثار القرار التنفيذي المحتملة الأخرى؟

يشير الكاتب إلى احتمالية فتح القرار التنفيذي لمراجعاتٍ أخرى قد تؤدي بدورها إلى إجراءات لاحقة. وكان ترامب قد طلب سابقًا من رئيس كل دائرةٍ أو وكالة تنفيذية إنتاج تقرير عن مقدار الأموال الإعلانية المُنفقة على المنصات عبر الإنترنت. ستقوم وزارة العدل بعد ذلك بمراجعة ما إذا كانت مثل هذه المنصات تمارس نوعًا من التمييز القائم على وجهة النظر عبر فرضها قيودًا معينة على المحتوى المنشور ومن ثم تقييم مدى وجود أيّ أماكن «إشكالية» لخطاب الحكومة، وفي ذلك تهديد ضمنيّ بحظر الترويج الممول من دافعي الضرائب على منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

بدأ ترامب أيضًا بإجراء مراجعتين أيضًا تمعنان النظر في اتخاذ إجراءٍ نهائي يقضي بمنع منصات التواصل الاجتماعي من تقييد الوصول إلى منشورات المستخدمين بطرق لا تكشفها شركات التكنولوجيا. طلب ترامب من لجنة التجارة الفيدرالية دراسة هذه المسألة، وكذلك طلب من وزارة العدل إنشاء فريق عمل مع وكلاء النيابة العامة للبحث في إمكانية استخدام قوانين الولاية للتصدّي لنفس المسألة أيضًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد