تُكثف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -متمثلة في جاريد كوشنر- جهودها لتسويق خطة السلام الأمريكية في الشرق الأوسط، أو ما يعرف بـ«صفقة القرن». ومن تلك الجهود ما كشفه موقع «مكلاتشي» الأمريكي حول توجيه وكالات أمريكية لجمع وتحليل تغطية الإعلام العربي لعملية السلام الأمريكية. 

يناقش الكاتب الفلسطيني سام بحور في تقرير نشره موقع «لوب لوج» جدوى هذه الجهود. ويشير في البداية إلى أن جاريد كوشنر، مستشار وصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وأحد المهندسين الرئيسيين لجهود السلام الأمريكية في الشرق الأوسط، أطلق هجومًا متقدمًا في إحدى ساحات القتال الرئيسية في الشرق الأوسط: الاتصالات بوسائل الإعلام. وبالنسبة لشخص يتباهى بقدرته على إيجاد «خطة عمل للمنطقة»، يبدو كوشنر طالبًا جامعيًّا مبتدئًا في دراسة إدارة الأعمال أكثر من كونه شخصًا يقوم بتجميع خطة لتعزيز السلام بصورة جدية.

كوشنر يوجه الإعلام العربي

ويقول الكاتب: إن وكالة «مكلاتشي دي سي» نشرت مؤخرًا قصة لم تعرها الكثير من وسائل الإعلام الغربية الكثير من الاهتمام. حيث يقوم كوشنر، مسلحًا بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين وخطة اقتصادية متعثرة، بقيادة عملية تحليل بيانات للتأثير على وسائل الإعلام العربية بشأن السلام في الشرق الأوسط.

وقال مايكل مايلنر، الصحفي من «مكلاتشي دي سي»: إن وكالات حكومية، وبتوجيه من جاريد كوشنر، جمعت بين أدوات تحليل البيانات والخبرات البشرية للمرة الأولى لتصنيف وسائل الإعلام العربية رسميًّا، فيما يتعلق بتغطيتها لعملية السلام في الشرق الأوسط.

في ما يبدو وكأنها محاولة مشؤومة أخرى لمعالجة فشل جهوده حتى الآن، وآخرها ورشة عمل «السلام من أجل الازدهار» التي عقدت في البحرين، يبدو كوشنر وفريقه على استعداد للذهاب إلى أبعد مدى لتلقيم العرب عنوة محاولة إدارة ترامب فرض اتفاق استسلام على الفلسطينيين بدلاً من معالجة القضايا الأساسية مباشرة.

وينقل الكاتب ما جاء في التقرير على لسان ثلاثة من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية: الغرض من مشروع كوشنر هو التواصل مع السكان المحليين بطريقة مؤثرة قدر الإمكان، للوصول لفهم أفضل «لما يقود الشارع» في العالم العربي، حتى يتمكن هو وفريقه من جعل اتصالاتهم أكثر دقة.

ويناقش الكاتب تلك الفكرة فيقول: أولًا، لماذا يجب أن يثق «الشارع العربي» في أي شخص ينتمي لـ«مستنقع ساسة واشنطن»؟ ثانيًا، هل يجري كوشنر مسحًا للسوق للوقوف على ما يريده «العملاء» العرب أم أن اهتمامه ينصب فقط على كيفية بيعهم «المنتجات الرديئة» التي تم تجهيزها بالفعل، مثل الدعم الأعمى لبرنامج سياسي يميني متطرف في إسرائيل يدفع المنطقة بأسرها نحو جولة أخرى من العنف، ناهيك عن تقريب إسرائيل من زوالها؟

وقال أحد كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية: «لقد قضينا الكثير من الوقت في صياغة خطة سياسية، وصياغة خطة اقتصادية، ولهذا أردنا قضاء ذات القدر من الوقت في فهم البيئة الإعلامية الإقليمية». 

وسخر الكاتب مما وصفه المسؤول الأمريكي بـ«فهم … البيئة»، مشيرًا إلى أنه لا يبدو أن أي مسؤول «كبير» تكّشف له الحاجة لإلقاء نظرة عميقة على ما شكَّل تلك «البيئة» على مدى العقود السبعة الماضية، والذي يتمثل في إنشاء دولة إسرائيل بالقوة، ونزع ملكية الفلسطينيين قسرًا، و52 عامًا من الاحتلال العسكري الأمريكي – الإسرائيلي العنيف ووجود أكثر من 600 ألف مستوطن إسرائيلي غير شرعي في الضفة الغربية وفرض الحصار الإسرائيلي الخانق على مليوني فلسطيني في قطاع غزة والتمييز الهيكلي والمؤسسي داخل دولة إسرائيل – والقائمة تطول.

كوشنر لا يفهم المنطقة العربية جيدًا

ويتساءل الكاتب: ألم يكن من المفيد أكثر إجراء دراسة استقصائية لمعرفة آراء السكان ومعتقداتهم الإقليمية؟ لكن لا يبدو هذا هو الحال، لأن الهدف الوحيد هنا هو البيع، وليس التعلم.

وأضاف مسؤول الإدارة الأمريكية البارز أن الكثير من المنافذ الإعلامية التي كانت معادية لأمريكا أو معادية لإسرائيل في الماضي لم يكن لديها اتصال أو وصول لحكومة الولايات المتحدة.

ويمضي الكاتب في تساؤلاته: هل هذه الإدارة الأمريكية جاهلة تمامًا بالتاريخ الحديث للمنطقة؟ ألا يعلم العراقيون أن الولايات المتحدة وحلفاءها شوهوا بلدهم؟ ألم يعلم اللبنانيون أن السفن الحربية الأمريكية كانت تقصفهم في حرب لبنان عام 1982؟ هل الفلسطينيون الذين يعيشون تحت الاحتلال العسكري غير مدركين لبيع الولايات المتحدة للطائرات الأمريكية من طراز إف-16  و إف-35 لإسرائيل لقصف الفلسطينيين لإجبارهم على الخضوع؟ ربما تلقت المنطقة جرعة واحدة مكثفة من «التوعية» الأمريكية، ونتيجة لذلك، لم تعد وسائل الإعلام العربية على استعداد لشراء الأكاذيب الأمريكية بعد الآن.

ويلفت الكاتب إلى أن تقرير «مكلاتشي» أشار إلى أن كوشنر أعطى التكليف بالمشروع في أغسطس (آب) من العام 2018، بعد فترة وجيزة من انتهائه هو وفريقه المعني بالسياسة من صياغة العناصر السياسية الرئيسية من خطتهم للإسرائيليين والفلسطينيين، ومرة أخرى، ما الذي يحاول البائع تسويقه للمستثمرين في مشروع قبل تحليل احتياجات / رغبات اللاعبين الرئيسيين أولًا؟ كوشنر ليس فقط وضع العربة أمام الحصان، لكنه تجاهل الحصان تماما.

ويشير الكاتب إلى أن جهود كوشنر تنقسم إلى فئتين، تقوم إحداها بتقييم الاستهلاك العام للأخبار في كل بلد في المنطقة، فيما تفحص الفئة الثانية من التقارير «وسائل الإعلام المحددة، وتقيم حيادية كل مؤسسة في كيفية تصويرها لسياسة الولايات المتحدة، وتقييم تأثيرها وتوضيح طبيعة ملكيتها، بناء على تحليلات من وكالتين حكوميتين تفحصان المواد الإعلامية المتاحة للجمهور»، وهو ما يعتبره الكاتب أمرًا مُدْهِشًا للغاية إذا لم تكن الأرواح على المحك، وما الذي يحدد «الحياد» في نظر جاريد؟ إن ما يعنيه كوشنر في الواقع هو «إلى أي مدى تكون وسائل الإعلام في الشرق الأوسط مؤيدة لإسرائيل؟».

تأثير الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط

كما جاء في التقرير أيضًا أن فريق كوشنر اكتشف أن «انتشار الهواتف المحمولة بين الفلسطينيين مرتفع لدرجة أن أغلبية الفلسطينيين يحصلون الآن على أخبارهم عبر الأجهزة المحمولة أثناء انتظارهم في الطوابير لعبور نقاط التفتيش الإسرائيلية».

 ويتساءل الكاتب: هل لاحظ التقرير أيضًا كيف تحظر إسرائيل على الفلسطينيين الوصول إلى خدمات الإنترنت الكاملة؟ وهل لاحظ أن إسرائيل لم تسمح للضفة الغربية بالوصول إلى خدمات الجيل الثالث إلا في العام الماضي وما زالت غزة تنتظر موافقة إسرائيل؟

كما قالت وكالة «ماكلاتشي» في تقريرها إن «التركيز الرئيسي هو فهم كيف تصف وسائل الإعلام في الشرق الأوسط الجهود الدبلوماسية للإدارة الأمريكية»، وسيكون من المستحسن أن يهتم كوشنر وفريقه أكثر بـ«لماذا» يفعلون ذلك وليس «كيف»؟ 

وقال نيد برايس، المتحدث السابق باسم مجلس الأمن القومي في إدارة أوباما: «لست قلقًا كثيرًا بشأن قدرتهم على التواصل أكثر من اهتمامي بجوهر اتصالاتهم»، وهو طرح أيده دينيس روس، مبعوث مخضرم في الشرق الأوسط خدم الرؤساء السابقين بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما، قائلًا إن تأثير الاتصالات الاستراتيجية محدود، مضيفًا أن «هذه الاتصالات تضل طريقها ببعض الطرق، لأنه إذا كان جوهر ما تمثله غير مقبول تمامًا، فلا يهم كيف يستهدفون وسائل الإعلام، وربما هذا ما كان ينبغي عليهم فعله في عام 2017، أما الآن فأنت تحاول عكس المواقف، وهذه مهمة شاقة للغاية، الاتصالات الاستراتيجية لا تكون موجودة في الفراغ». 

ويرى الكاتب في ختام تقريره أن خلاصة القول بسيطة ولا تتطلب إهدار المزيد من أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة في محاولة لترويض وسائل الإعلام العربية لقبول ما هو غير مقبول، لقد حان الوقت منذ فترة طويلة لتستيقظ هذه الإدارة الأمريكية وتشم رائحة الاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي دام 52 عامًا، عندها وعندها فقط ستنجح الاتصالات الاستراتيجية، وتحديدًا التواصل مع إسرائيل، حليفها الاستراتيجي، بضرورة الخروج من دولة فلسطين مرة واحدة وإلى الأبد.

«نيوزويك»: جاريد كوشنر.. كيف يسعى لإشعال الشرق الأوسط بدلًا من إحلال السلام؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد