السياسة الخارجية التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدور حول تعزيز مصالحه الشخصية، وليست صفقة القرن، أو ما باتت تعرف بـ«خطة السلام» الإسرائيلية – الفلسطينية إلا مثالًا آخر على تجاهل ترامب للأمن القومي الأمريكي، طالما أن ذلك سيصب في مصلحته الخاصة. 

هذا ما خلص إليه مايكل اتش فوكس، في مقال نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، حول السياسة الخارجية التي تطبقها إدارة ترامب، في ضوء تحليله للخطة التي طرحها للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكنها أثارت غضب الكثير من العرب والفلسطينيين. 

ويرى الكاتب أن ترامب قبل كل شيء يسعى إلى مصلحته الشخصية أولًا وليس لديه مانع من تسخير السياسية الخارجية الأمريكية لهذا الغرض مهما كانت العواقب بالنسبة للأمن القومي الأمريكي. 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ أسبوعين
«فلسطين المستقبلية».. فك ألغاز خريطة ترامب الجديدة
925
فريق العمل

صرف الانتباه عن الكوارث الداخلية

بينما كان محامو ترامب يقفون في قاعة مجلس الشيوخ الأمريكي يدافعون عن الرئيس في مواجهة الاتهامات الرامية لعزله، والتي تتضمن إساءة استخدامه السلطة، وكان المدعي العام الإسرائيلي في الوقت ذاته يقدم عريضة اتهام بالفساد ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في الوقت ذاته كان ترامب ونتنياهو يقفان سويًا في البيت الأبيض، يحاولان صرف الانتباه عن المشكلات التي يواجهانها في الداخل، واسترضاء قاعدتهما الانتخابية. 

الخطة التي أعلنها ترامب تقع في 181 صفحة، وتحتوي على الكثير من التفاصيل والرسوم البيانية، لكنها لا تستحق أن تُعامل كوثيقة سياسية جادة، بل هي بالأحرى لا تعدو أن تكون «حركة بذيئة بأصبعه الوسطى» للشعب الفلسطيني، وتضر أمريكا والإسرائيليين، وتلحق الضرر بدور أمريكا كداعم لعملية السلام، بحسب المقال.

تدعي الوثيقة أنها تحدد رؤية للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكنها لا تعمل سوى خلق المزيد من العقبات أمام تقدم عملية السلام! فالخطة تمنح إسرائيل كل ما يريده المتشددون الإسرائيليون: السيطرة الأمنية على جزء كبير من الضفة الغربية، والقدس كعاصمة غير مقسمة، وضم أجزاء من الضفة الغربية، ومن بينها غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية.

وفي الوقت نفسه لن يحصل الفلسطينيون على شيء، لكن هذه ليست مفاجأة على الإطلاق بالنظر إلى أن الخطة وُضعت دون استشارتهم. ولخص رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس رده على الخطة بقوله: «بعد هذا الهراء الذي سمعناه اليوم نقول: ألف لا…».

 هدف ترامب من هذه التمثيلية

يتابع الكاتب بأنه بينما كان حل الدولتين يصارع للبقاء على قيد الحياة قبل تولي ترامب منصبه، فإن قرارات ترامب – مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وخفض الدعم المالي الأمريكي للاجئين الفلسطينيين، ثم هذه الخطة – ستجعل السلام أكثر صعوبة إذا كان هناك أية إمكانية باقية له. 

وعلى المدى القريب يمكن أن تؤدي قرارات ترامب إلى تأجيج العنف، وهي نتيجة تدركها جيدًا وزارة خارجية ترامب، إذ أصدرت تحذيرًا أمنيًا للأمريكيين في إسرائيل في اليوم ذاته الذي أصدر فيه ترامب خطته. 

وعلى المدى الأطول سيزيد نهج ترامب فرص أمريكا لأن ينظر إليها الفلسطينيون كشريك محتمل في تسهيل السلام. وردًا على خطة ترامب كتب كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، في صحيفة «واشنطن بوست»: «تثبت الولايات المتحدة مرة أخرى أنها جزء من المشكلة…». ومن خلال منح دعم لا محدود لمواقف نتنياهو واليمين الإسرائيلي الراديكالية، شجع ترامب الإسرائيليين الذين يرغبون تطبيق رؤية يستحيل بموجبها تحقيق السلام مع الفلسطينيين.

المصالح الشخصية هي كل ما يهم ترامب

وأردف الكاتب قائلًا إنه «بالنسبة لترامب، فإن غرضه الحقيقي من هذه التمثيلية هو تعزيز مصالحه الشخصية». واستشهد الكاتب بما يجري حاليًا في مجلس النواب من مساءلة لترامب، ومحاكمته أمام مجلس الشيوخ، بسبب محاولته ابتزاز أوكرانيا من أجل تشويه منافسه السياسي. ونشأ هذا الفعل الذي تجري مساءلة ترامب بسببه من رغبته في استخدام منصبه الرسمي لتعزيز مصالحه الشخصية، بطريقة قوضت مصالح أمريكا في دعم أوكرانيا في معركتها ضد روسيا.

يتابع الكاتب أنه «لا ينبغي أن يمثل ذلك مفاجأة؛ إذ إن سياسة ترامب الخارجية كلها تتعلق بتحقيق مصالحه. فقد كان يندفع إلى اجتماعات القمة مع الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونج أون، حتى يتمكن من ادعاء النصر، بالرغم من عدم إحراز أي تقدم. كما بدأ حربًا تجارية مع الصين، ثم في النهاية وقع على صفقة وضعت أمريكا في وضع أسوأ مما كانت عليه عندما بدأت تلك الحرب التجارية. كل ذلك حتى يظهر ترامب كما لو كان يفي بوعد قطعه أثناء الحملة الانتخابية بأن يكون مفاوضًا قويًا مع الصين».

ثم هناك عدد لا يحصى من حالات تضارب المصالح التجارية المحتملة بالنسبة لترامب. وهذا التضارب يثير الشك في قرارات السياسة الخارجية لإدارة ترامب في جميع أنحاء العالم – مثل الهبات المقدمة إلى تركيا والصين، حيث توجد لعائلة ترامب مصالح تجارية. ويثير كذلك الشكوك حول الدوافع الحقيقية لترامب، وهي الشكوك التي يقال إن جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق لترامب تطرق إليها.

استرضاء الحلفاء

لذلك كان من المتوقع أن يحاول ترامب أن يصرف الانتباه عن محاكمته بحيلة سياسية تضر بالمصالح الأمريكية. وهناك إشارة واضحة توضح غرض تلك الخطة تتمثل في نوعية الجمهور الذي حضر الحدث الذي نظمه ترامب، إذ لم يكن يضم الكثير من الزعماء الفلسطينيين أو الإقليميين، بل غصّ بالمانحين مثل شيلدون أدلسون والزعماء المسيحيين الإنجيليين الذين يشكلون جزءًا أساسيًا من القاعدة السياسية الداخلية لترامب. كانت الرسالة واضحة: اقتحام ترامب عالم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو أمر يتعلق في المقام الأول بتقديم خدمات لمؤيديه السياسيين.

نتنياهو هو الآخر يريد استخدام خطة ترامب لتحسين وضعه السياسي في الداخل. فبعد فشله في جولتين انتخابيتين متتاليين، في الفوز بالدعم اللازم لتشكيل حكومة – وتوجيه اتهامات له بالفساد – بات نتنياهو معرضًا ليس فقط لخطر فقدان منصبه، بل أيضًا للذهاب إلى السجن. وهذا هو السبب في أنه قبل أسابيع قليلة من انتخابات أخرى، جاء نتنياهو إلى البيت الأبيض ليقف إلى جانب ترامب لطرح اقتراح يتعلق بالسياسة الأمريكية من شأنه أن يمنح نتنياهو وأنصاره الإسرائيليين المتشددين غطاء أمريكيًا لمواصلة ضم إسرائيل لأجزاء من الضفة الغربية.

كان السلام متعثرًا.. لكن ترامب جعله أكثر صعوبة

في السنوات الأخيرة بدت آفاق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعيدة في أفضل الأحوال. ومع ذلك فإن كل ما فعله ترامب هو «مفاقمة المشاكل». وكلما وسعت إسرائيل المستوطنات في الضفة الغربية، وحاول ترامب تطبيع مواقف السياسة الأمريكية الراديكالية، زاد ذلك من صعوبة بدء عملية سلام جديدة في المستقبل. وفي الوقت نفسه يستمر الشعب الفلسطيني في تحمل المعاناة تحت الاحتلال الإسرائيلي والسياسات التي تخنق الحريات الأساسية والفرص الاقتصادية.

يخلص الكاتب إلى أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وبغض النظر عن مدى صعوبة تحقيقه، يجب أن يكون دور أمريكا هو دعم هذا الهدف والتطلعات السلمية لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين.

لكن ترامب لم يكن ليكون أقل اهتمامًا بهذا الهدف. مثل تجاهله الصارخ لشعب هونج كونج، والجنود الأوكرانيين الذين يقاتلون ويموتون ضد روسيا، أو أولئك الذين يفرون من العنف في أمريكا الوسطى – والطرق التي تقوض بها كل هذه اللامبالاة الأمن القومي للولايات المتحدة – لا يهتم ترامب بأي نوع من الأضرار التي أوجدتها سياساته طالما أنها تحقق مصالحه السياسية الخاصة.

عربي

منذ أسبوعين
بالأرقام المفصلة.. هذا ما ستأخذه الدول العربية مقابل تمرير «صفقة القرن»
12561
فريق العمل

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد