تذكر الكاتبة إرين كننجهام* أن الغزو السوفيتي لأفغانستان، الذى وقع قبل عقود، دفع الآلاف من الناس إلى الفرار إلى إيران المجاورة. والآن، يبحث العديد من هؤلاء اللاجئين مرة أخرى عن موطن جديد في أرض جديدة، وهي تركيا، في محاولة يائسة للهروب من الظروف الاقتصادية القاسية التي أججتها العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

دولي

منذ 4 شهور
سيف لا يُغمد أبدًا.. دليلك لفهم العقوبات الأمريكية على إيران وتاريخها

جاء ذلك في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، أشارت فيه الكاتبة إلى أن عشرات الآلاف من اللاجئين تجشموا العام الماضي مخاطرة عبور الحدود الوعرة إلى تركيا – حليفة الولايات المتحدة – التي تعاني بالفعل من عبء اللاجئين الفارين إليها هربًا من الاضطرابات المتاخمة لحدودها.

وتعاني السلطات التركية من تواجد حوالي 4 ملايين لاجئ لديها، وهو ما يُعد أكبر عدد من النازحين في العالم، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، من بينهم أكثر من 170 ألف لاجئ أفغاني مسجل. وكافحت تركيا لاحتواء هذا التدفق رغم أن وكالات الإغاثة تقول إن عدد اللاجئين الوافدين من إيران في ازدياد.

وتقول الكاتبة إنه في مدينة فان شرق تركيا، على بعد حوالي 50 ميلًا إلى الغرب من الحدود الإيرانية، اضطر عدد متزايد من اللاجئين الأفغان إلى النوم في الشوارع، وفي الحدائق العامة، ومحطات الحافلات، لأن السلطات التركية تمنعهم من الانتقال إلى مسافات أبعد، والكثير من هؤلاء اللاجئين ولدوا في إيران أو عاشوا هناك لسنوات.

حملة ترامب للضغط على إيران 

تضيف الكاتبة أن هذه الأزمة الجديدة هي واحدة من العواقب غير المقصودة لحملة «الضغط الأقصى» التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تأمل إدارته أن تجبر طهران من خلالها على التفاوض لوضع حد لبرنامجها الخاص بالطاقة النووية والصواريخ الباليستية.

وتشمل الاستراتيجية الأمريكية فرض حظر تجاري واسع النطاق مع فرض قيود على المعاملات المصرفية، وصادرات النفط، وإمدادات قطاع السيارات الإيراني، وإجراءات أخرى أكثر.

Embed from Getty Images

وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، رفعت إيران أسعار الغاز على نحو مفاجئ لدعم الأموال المخصصة للتبرعات النقدية، مما أدى إلى اندلاع موجة من الاضطرابات في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق التي تضم جاليات أفغانية كبيرة.

ووفقًا لبيانات وزارة الداخلية التركية، يشكل الأفغان أكبر مجموعة من الأشخاص الذين يعبرون الحدود بشكل غير قانوني إلى تركيا. وتذكر الحكومة أن أكثر من 184 ألفًا من الأفغان الذين لا يحملون وثائق عبروا الحدود العام الماضي – وهو رقم أكبر بكثير من العدد الذي بلغ حوالي 100 ألف في عام 2018. ولا تميز الحكومة التركية بين الأفغان الذين عاشوا في إيران قبل العبور إلى تركيا وأولئك الذين عبروا ببساطة «ترانزيت» من إيران.

وأفادت منظمات محلية لمساعدة اللاجئين أن الكثير من الأفغان تسللوا عبر الحدود دون أن يكتشفوا، ومعظمهم جاء فارًا من المصاعب في إيران.

اللاجئون والصراع المميت من أجل الحياة

يصف اللاجئون الذين قاموا بهذه الرحلة مسيراتهم المروعة عبر التضاريس الوعرة الحافلة بالجثث المتناثرة لمن لقوا حتفهم على طول الطريق. فبعض اللاجئين انهاروا من الإرهاق أو انفصلوا عن عائلاتهم وسط الفوضى وهاموا على وجههم في الظلام.

وقال آخرون إن قوات الأمن التركية أو الإيرانية أطلقت النار عليهم، أو تخلى عنهم المهربون الذين حصلوا منهم على ما يعادل آلاف الدولارات لتهريبهم عبر الحدود التركية.

وصل رمضان مؤخرًا مع أطفاله الثلاثة، وقال إنه بينما كانوا يسيرون عبر الممرات الجبلية ليلًا، سقطت زوجته من على حافة التل.

وتضرب الكاتبة مثلًا بشخص اسمه رمضان، وهو رجل من إقليم غزنة في أفغانستان، يستخدم اسمًا واحدًا فقط للتعريف بشخصه، وصل مؤخرًا مع أطفاله الثلاثة، وقال إنه بينما كانوا يسيرون عبر الممرات الجبلية ليلًا، سقطت زوجته من على حافة التل. وأضاف رمضان إنه كان يسمع صراخها من الوادي، لكن المهربين أجبروهم على الاستمرار في المشي (دون أن يلقوا بالًا لمن سقط).

وتلتقط مريم فضلي، وهي أم أفغانية لستة أطفال وعاشت في طهران منذ 10 سنوات، خيط الكلام فتقول: «مشينا لمدة 24 ساعة، وكنا نرى جثث البشر الذين لقوا حتفهم. وكان بعضهم متوفي وأذرعهم أو أرجلهم مكسورة»

يكمل التقرير: جلست أرملة ذات صوت خفيض من شمال أفغانستان، حزينة مع أطفالها في مكان عشبي في محطة الحافلات الرئيسية في مدينة فان. كانوا وصلوا قبل أيام فقط، بعد أن شعروا بالخوف من أنهم لم يعد بإمكانهم البقاء على قيد الحياة في إيران.

وأمرت الشرطة التركية اللاجئين بالجلوس في محطة الحافلات، بينما تستعد السلطات المحلية لتسجيل الوافدين الجدد. وبمجرد معالجة الأمر، يجري نقلهم إما إلى مدينة أخرى، أو نقلهم إلى معسكر مُجهز بالخيم وخاضع للحراسة، أو في بعض الحالات، ترحيلهم إلى أفغانستان، وهو مكان لم يره كثير منهم أبدًا (حيث ولدوا وتربوا في المنفى).

3 ملايين أفغاني يعيشون في إيران 

وتذكرنا الكاتبة بأن إيران تستضيف حوالي مليون لاجئ أفغاني مسجلين لدى الأمم المتحدة، وتسمح لهم بالعمل في بعض الصناعات. وبدأ الأفغان يصلون بأعداد كبيرة إلى إيران في أعقاب الغزو السوفيتي لبلادهم عام 1979.

وتقول وكالات الإغاثة والأمم المتحدة إن ما يصل إلى ثلاثة ملايين أفغاني يعيشون في إيران، ومعظمهم لا يحملون وثائق ثبوتية، وبالتالي هم عرضة بشكل كبير للصراع الاقتصادي والاجتماعي.

Embed from Getty Images

وفي إحدى فترات الظهيرة في محطة الحافلات في مدينة فان، احتشدت مؤخرًا عشرات العائلات الأفغانية معًا على السجاد المنسوج المفروش على العشب، بينما كانت النساء يحممن أطفالهن في نافورة صغيرة ويعلقون الغسيل على سياج مربوط بسلسلة صدئة.

وفي تلك الأثناء، تجول رجل يرتدي سترة رمادية، وهو أفغاني قال إنه عاش في إيران لمدة 30 عامًا، في ساحة انتظار السيارات ممسكًا بغلاية دافئة، وراح يسكب الشاي لزملائه اللاجئين.

ينقل التقرير عن تامانا غلامي، البالغة من العمر 20 عامًا، وهي لاجئة عاشت في طهران مع زوجها الأفغاني، وهو خياط عاطل عن العمل حاليًا: «كثير من الأفغان يغادرون إيران متوجهين إلى تركيا بسبب الوضع الاقتصادي. لقد ساء كل شيء بالنسبة لنا بسبب السياسات الأمريكية الجديدة تجاه إيران».

وسافر الزوجان إلى «فان» مع أقاربهم، الذين قالوا إنهم غادروا أفغانستان خلال الصيف بسبب تلقيهم تهديدات من مسلحي طالبان في قريتهم الزراعية في الشمال. وقالت العائلة المتنامية الأفراد إنها سعت إلى حياة أكثر استقرارًا في تركيا أو أوروبا.

وتضيف تامانا غلامي، التي لفت وجهها بوشاح منقوش بألوان الفيروز والذهب: «في إيران، لا توجد وظائف، وقد يكون هناك عدد قليل من الوظائف للاجئين الأفغان. كل شيء مكلف، وليس لدينا تصريح بالعمل. ونعلم أننا لن نكون قادرين على تحمل تكاليف إنجاب الأطفال إذا بقينا هناك».

على هامش الحياة

وتقول الكاتبة إن عشرات اللاجئين الآخرين في محطة الحافلات رددوا قصة غلامي ذاتها عن الفقر وانعدام الأمن. وقالوا إنهم في إيران اكتسبوا وجودًا هامشيًّا باعتباره جزءًا من طبقة مهاجرة فقيرة، وتولوا أداء وظائف وضيعة كعمال يومية، ومزارعين، وخياطين، وحدادين. وواجهوا قدرًا من التمييز ضدهم في العمل وفي الشوارع، وعاشوا تحت تهديد مستمر من الترحيل والاعتداء المنتظم من قبل الشرطة.

عندما أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات في عام 2018، كان الأفغان من بين أول من عانى من تداعيات تلك العقوبات.

وعندما أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات في عام 2018، كان الأفغان من بين أول من عانى من تداعيات تلك العقوبات، حيث انخفضت الواردات وارتفعت الأسعار، مما جعل المواد الغذائية الأساسية صعبة المنال بالنسبة للعديد من الأسر الأفغانية. وأوقف أصحاب الأعمال رواتب للموظفين أو استغنوا عنهم، بذريعة انخفاض التجارة.

قال رضا أحمدي، البالغ من العمر 23 عامًا: «كنت أعمل في بدروم أحد متاجر صنع الأحذية. وفي ظل ارتفاع الأسعار، ظل راتبي كما هو».

وأضاف أحمدي أنه غادر أفغانستان وهو طفل، عندما كانت طالبان تسيطر على البلاد، وعاش في إيران منذ ذلك الحين.

وواصل أحمدي حديثه قائلًا: «عندما بدأت العقوبات، توقف رئيسنا عن دفع رواتبنا في الوقت المحدد، أو بدأ يدفع لنا أقل مما كان مستحقًا لنا. وأصبحت أعمل يومًا وأتوقف اليوم التالي. كان الوضع صعبًا للغاية».

من يغلق الباب أمام المساعدات الدولية؟

ووفقًا للمجلس النرويجي للاجئين، وهو أحد أكبر خمس وكالات مساعدة دولية غير حكومية تعمل في إيران، فإن إيصال المساعدات إلى اللاجئين الأفغان معرض للخطر، لأن البنوك ترفض تحويل الأموال بسبب العقوبات.

وقال جان ايجلاند، أمين عام المنظمة، في بيان له: «نحن نواجه أبوابًا موصدة في كل مكان».

ونتيجة لذلك، قال إيجلاند «إن عدد الأفغان المحتاجين تضاعف تقريبًا، ما دفع قرابة 3 ملايين شخص إلى براثن مستويات حرجة من الجوع».

Embed from Getty Images

أما رجبا رضائي، البالغ من العمر 50 عامًا، فوصل إلى إيران من مقاطعة سامانجان في أفغانستان وهو مراهق. وقال رضائي، إنه على الرغم من قيود العمل التي تفرضها إيران على الأفغان، إلا أنه تمكن في نهاية المطاف من فتح ورشة لتصنيع البلاستيك في مدينة قم، حيث أنتج صنادل مطاطية لتباع في الأسواق المحلية.

لكن إدارة ترامب فرضت عقوبات على أكبر شركة قابضة للبتروكيماويات في إيران وأكثر من 30 شركة تابعة لها. ومن ثم، أصبح سعر البوليمر البلاستيكي الذي يحتاجه رضائي لتصنيع الأحذية لا يمكن أن يتحمل تكلفته. ترتب على ذلك، توقف العملاء عن تقديم طلبات للشراء. وفي ضوء ذلك، وبعد أكثر من ثلاثة عقود في إيران، باع رجب رضائي مصنعه وفر إلى تركيا مع زوجته وأطفاله.

«لم يعد لدي نقود ولا حياة»

وقال رجب من شقته الصغيرة في مدينة فان: «كان بمقدورنا بالكاد التعايش مع حياتنا من قبل، لكننا الآن لم يعد بإمكاننا التعامل مع الموقف. فلم يعد لدي نقود ولا حياة. ولذا، قررنا الهرب من هذا الجحيم».

وتتابع الكاتبة: لم ينس رجب، مثله مثل اللاجئين الآخرين، أن يصف لنا رحلته المحفوفة بالمخاطر عبر الحدود التركية مع زوجته التي كانت حاملاً في ذلك الوقت.

في الأشهر الأخيرة، اضطرت السلطات إلى توسيع المقبرة لاستيعاب العدد المتزايد من اللاجئين الأفغان الذين يلقون حتفهم.

وفي إحدى المقابر الواقعة شمال مدينة فان، ترى أعدادًا متزايدة من القبور المحفورة حديثًا، تقف شاهدة على مدى المخاطر التي تكتنف الرحلة، وعدد الذين يتجشمون عناء هذه الرحلة الوعرة.

ويشرف على عمليات الدفن سيد مصطفى هاشمي، وهو أفغاني يعيش في فان منذ أكثر من عقد من الزمان. وفي الأشهر الأخيرة، اضطرت السلطات إلى توسيع المقبرة لاستيعاب العدد المتزايد من اللاجئين الأفغان الذين يلقون حتفهم على طول الطريق.

وتذكر الكاتبة في ختام مقالها، إلى أن بعض الذين دُفنوا هنا، على منحدر شبه مستوٍ بالقرب من محطة القطار المركزية، قُتلوا في حوادث طرق أثناء قيام المهربين بنقلهم من الحدود، ولقي آخرون حتفهم على الطرق الجبلية ونقل القوات التركية جثثهم لدفنها. ومات معظمهم هذا العام، وكثير منهم لم يكن يحمل ما يدل على هويته، ولذلك حملت قبورهم مجرد علامة إسمنتية بسيطة مطلية بمزيج من الأرقام والحروف.

وقال محمد حسين سلطاني، البالغ من العمر 34 عامًا، وهو إمام أفغاني تطوع لتغسيل الجثث وإعدادها للدفن: «إذا لم تتوصل المشرحة إلى عائلاتهم، سواء كانوا أمواتًا أو أحياء، فسوف يتصلون بي وسأدفنهم، دون أي اسم وبدون ذكر أي شيء عنهم». ويضيف سلطاني: «لقد فقدوا الأمل في حياتهم، لذلك جاؤوا إلى هنا. ولكن لا يوجد حل لمشكلتهم».


  • إيرين كننجهام، مراسلة لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية مقيمة في إسطنبول، تغطي الصراع والاضطرابات السياسية في منطقة الشرق الأوسط. وكانت تعمل سابقًا مراسلة في مكتب الصحيفة بالقاهرة، وأسهمت في تغطية الحروب في أفغانستان وغزة، وليبيا، والعراق.

دولي

منذ 5 شهور
مترجم: أكبر 5 موجات هجرة خلال العقد الماضي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد