نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية مقالًا للصحافي ديفيد جراهام تناول فيه الانتخابات الأمريكية والتكهنات بشكل الولاية الثانية لترامب في حاله فوزه. مشيرًا إلى استعداد الرئيس الأمريكي لإقالة مجموعة من كبار الموظفين المُعينين بالحكومة وتعيين آخرين من الموالين له. 

دولي

منذ 4 أسابيع
«نيوزويك»: في يوم الانتخابات.. نسبة تأييد ترامب غير «مبشرة»

استهل الكاتب المقال بقوله عندما يترشح رئيس ما لولايةٍ ثانية، تبدو الانتخابات وكأنها منافسة بين الرغبة في التغيير من خلال (مرشح جديد) والاستمرار مع النظام القائم من خلال (الرئيس الحالي). بيد أن الانتخابات الأمريكية لعام 2020 لا تتناسب مع هذه الحالة، ومثلما كانت الولاية الأولى لدونالد ترامب تشوبها الغرابة، ربما تمثِّل الولاية الثانية تحولات جذرية عن السنوات الأربع المنصرمة حتى في حال العودة النسبية إلى الحياة الطبيعية في عهد جو بايدن. بعبارة أخرى إنها انتخابات لإحداث التغيير في كلتا الحالتين – والسؤال الذي يطرح نفسه: أيُّ نوع من التغيير سيحدث؟

سقوط البلاد إلى الهاوية حال فوز ترامب

لم يأبه بعض أنصار ترامب بمخاوف منتقديه ووصفوهم بالمتشائمين قائلين: «السماء لم تقع على الأرض بعد، أليس كذلك»؟ إلا أن هذا رد أحمق، ليس فقط لأن البلاد تعرضت لعدد من الأزمات خلال مدة رئاسته، بل لأن هناك المزيد من المؤشرات التي تتنبأ بسقوط البلاد إلى الهاوية في حال فوز ترامب بولاية ثانية. إذ لن يشعر الرئيس، الذي لن يكون مضطرًا لمواجهة الناخبين مرةً أخرى، بأنه في حاجة إلى الاعتدال في أي من مواقفه أو دوافعه العديدة التي لا تحظى بشعبية.

إقالة فاوتشي

وأوضح الكاتب أن أسهل طريقة يمكن من خلالها تخيل ما سيحدث هو النظر إلى تعيين الموظفين. فقد ألمح الرئيس ترامب بالأمس إلى أمرين مهمين عن الأشخاص الذين من المرجح تعيينهم في الإدارة الجديدة. كان أبرزهما أنه وعد حال فوزه في الانتخابات بإقالة أنتوني فاوتشي من منصبه، وهو أفضل خبراء الأمراض المعدية في البلاد. وخلال تجمع انتخابي حاشد في فلوريدا اشتكى ترامب من تغطية جائحة كورونا، حتى مع وصول عدد حالات الإصابة بمرض كوفيد-19 إلى أعلى نقطة في الولايات المتحدة واستمرارها في الارتفاع. وبدأت الحشود تهتف مطالبةً بـ«إقالة فاوتشي!». وتوقف ترامب مؤقتًا للسماح بتزايد الصيحات ثم أجاب: «لا تخبروا أحدًا، لكن دعوني أنتظر قليلًا بعد الانتخابات».

Embed from Getty Images

ونوَّه الكاتب إلى أن ترامب دائمًا ما يصرِّح بأقوال مرتجلة خاصًة أثناء التجمعات الحاشدة، لكن هناك عددًا من الأسباب التي تجعل من الصعب تصديق تصريحاته هذه المرة. إذ رفض الرئيس مرارًا وتكرارًا نصائح الطبيب، وكان لا يمتثل للسياسة الاحترازية المتَّبعة لمواجهة فيروس كورونا، حتى عندما أصبح فاوتشي أكثر صراحةً ووضوحًا.

وخلال مكالمة له مع فريق حملته الانتخابية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) صرَّح ترامب برغبته في إقالة فاوتشي، لكن ما مَنَعه أن فاوتشي يحظى بشعبية كبيرة، وذكر قائلًا: «في كل مرة يظهر على شاشات التليفزيون دائمًا ما يفجر قنبلة بسبب تصريحاته، لكن القنبلة الأكبر ستكون بسبب إقالته». وعلى كل حال إذا أُعيد انتخاب ترامب فإنه سيكون أقل قلقًا بشأن شعبيته. ولن يستطيع الرئيس إقالة فاوتشي على نحو مباشر – لأنه موظف حكومي – لكن يُمكِنه أن يأمر من عيَّنهم بفعل ذلك. وإذا لم يفعلوا ذلك، فسيقِيلَهم من مناصبهم، متبعًا أسلوب نيكسون، حتى يجد من ينفذ رغبته.

وأضاف الكاتب قائلًا: إذا لم تصدق ما أقول، فاطَّلع على ما خطط له بشأن الموظفين الآخرين الذين سيعينهم. فضلًا عما أعلنه أمس مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن التحقيقات التي يجريها في حادثة حاول فيها مجموعة من الهَمَج، الذين كانوا مُستقلِّين شاحنات مزيَّنة بأعلام ترامب، دَفْع حافلة بايدن هاريس إلى خارج الطريق في تكساس. وعلى الفور عَمِد ترامب إلى دحض تصريحات المكتب الفيدرالي؛ إذ كتب في تغريدة له قائلًا: «في رأيي لم يرتكب هؤلاء الوطنيون أي خطأ. وبدلًا عن ذلك يجب أن يحقق مكتب التحقيقات الفيدرالي والقضاء مع الإرهابيين والفوضويين والمحرضين من حركة أنتيفا (حركة احتجاج يسارية)، الذين يحرقون مدننا التي يديرها الديمقراطيون ويؤذون شعبنا».

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي ضمن قائمة المُقَالين

وذكر الكاتب أن اسم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، كريستوفر راي، برز بالفعل في القوائم التي كتبها مراسلون يتمتعون بمصادر جيدة بشأن الإقالات ذات الأولوية القصوى إذا أُعِيد انتخاب ترامب. وقد تتذكر أن راي انتهى به المطاف في هذا المنصب بعد أن أقال ترامب جيمس كومي في مايو (أيار) 2017، في أحد أكثر قراراته الرئاسية ضررًا.

وجدير بالذكر أن مدة البقاء في هذا المنصب تبلغ 10 سنوات، وعلى الرغم من أن الرؤساء لديهم الصلاحية لإقالة مديري مكتب التحقيقات الفيدرالي، إلا أنهم عادةً لا يستخدمونها. لكن من المرجح إقالة راي لأنه أثبت أن لديه حصانة كبيرة ضد الضغوط السياسية بحسب خبرة ترامب. (على عكس كومي، لم يُقدِم راي على فِعْل ما أراده ترامب بشأن المرشح الديمقراطي).

هناك شخص آخر تحتمَل إقالته، وهو وزير الدفاع مارك إسبر. وكما هو الحال في مكتب التحقيقات الفيدرالي، فإن الدور الذي يؤديه خلال إدارة ترامب يكون توجيهيًا. كان جيمس ماتيس أول رئيس للبنتاجون، وكان يحظى باحترام واسع في واشنطن، واستقال أواخر عام 2018 بسبب خلافٍ مع الرئيس بشأن سياسة سوريا. وعُيِّن إسبر مكانه، والذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع بأنه غير كفء – والذي يمثل بذاته جماعة ضغط لصالح عملاق الأسلحة رايثيون، ومؤهله الرئيس صداقته الطويلة الأمد مع وزير الخارجية، متملق ترامب الموثوق به، مايك بومبيو.

Embed from Getty Images

لكن إسبر أثبت أيضًا أنه مستقل للغاية. ومع أن معايير الجودة ليست مرتفعة: نأى إسبر بنفسه ببساطة عن توجيه ترامب غير الحكيم في يونيو (حزيران) بإخلاء المتظاهرين من ساحة لافاييت خارج البيت الأبيض. ومع ذلك انتشرت شائعات منذ ذلك الحين عن إقالة إسبر من منصبه إذا انتُخِب ترامب مرةً أخرى.

والاسم الرابع في هذه القائمة هو اسم مديرة وكالة المخابرات المركزية جينا هاسبل. شأنها شأن راي، كانت دائمًا لا تتمتع بالكفاءة أثناء عملها في إدارة ترامب؛ لأنها مسؤولة مهنية وليس لديها ما يربطها بقوة بالرئيس.

من يتولى الوظائف رفيعة المستوى في الولاية الثانية؟

وطرح الكاتب تساؤلًا: من الذي يستطيع شغل هذه الأنواع من الوظائف الرفيعة المستوى في ولاية ترامب الثانية؟ وتعد إدارة المخابرات الوطنية المكان المناسب للبحث عن مفاتيح حل هذا السؤال. كان دان كوتس، أول من شغل هذا المنصب في إدارة ترامب، وهو سفير سابق وعضو مجلس الشيوخ عن ولاية إنديانا.

عندما أُجبِر دان كوتس على الاستقالة (أنت تعرف النمط الآن: كان يكرِّس جهوده للقيام بعمله، لكنه لم يكرِّس جهوده بدرجة كافية لصالح الرئيس)، عين بدلًا عنه مؤقتًا ريك جرينيل، وهو متنمر سياسي سيئ السمعة، بحسب الكاتب. وبعد البداية الخاطئة عين ترامب في هذه الوظيفة جون راتكليف، الذي لم يكن مجرد مثال على الاختراق الحزبي، والذي أخفق في تقديم سيرته الذاتية، ولكنه أيضًا غير مؤهل للمنصب، بحسب النص الواضح للتشريع الأساسي الذي أوجد هذا المنصب.

Embed from Getty Images

هناك مثال آخر مفيد وهو مايكل كابوتو، الذي كان لمدة وجيزة وعلى نحو فوضوي، المتحدث الرئيس باسم وزارة الصحة، والخدمات الإنسانية، في وقت سابق من هذا العام، قبل أن يأخذ إجازة إلى أجل غير مسمى بسبب مرض خطير. كابوتو هو ذلك النوع من الأشخاص الذين لن يحصلوا على وظيفة عليا في إدارة عادية، وبالأخص ليس في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية في خضم الجائحة. لكن إذا فاز ترامب فإن النتيجة المحتملة هي المزيد من التفويض الذاتي للحكومة ليس على مستوى المتحدث باسم الحكومة فحسب، ولكن في الأدوار القيادية أيضًا.

وبحسب ما ذكره الكاتب، صُمِّمت عملية التصديق في مجلس الشيوخ للحماية من قيام الرئيس بتعيين هذا النوع من المعينين في وظائف أساسية، ولكن لا يوجد سبب وجيه للاعتقاد بأنه سيحمي البلاد خلال مدة ولاية ترامب الثانية. لنفترض أنه إذا فاز ترامب في الانتخابات بولاية ثانية، فإن الجمهوريين أيضًا يشغلون مجلس الشيوخ. وأظهر أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون القليل من الرغبة في الوقوف في وجه ترامب على مدى السنوات الأربع الماضية. لنتأمل قضية راتكليف، التي أدَّت فيها اعتراضات الجمهوريين إلى إغفال ترشيحه في البداية، ولكن عندما أعاد ترامب راتكليف، صوَّت 49 جمهوريًا لتأييده (لم يصوِّت أربعة أشخاص؛ بينما لم يعارضه أحد).

سيأتي موقف أكثر غرابة إذا استولى الديمقراطيون على مجلس الشيوخ حتى في حال خسارة بايدن. ولن يرفض مجلس الشيوخ الديمقراطي تأييد أي شخص يرشحه ترامب طالما لديه مؤهلات ممتازة، وسيكون الضغط عليه لمعارضة المرشحين من قاعدته الانتخابية هائلًا. وفي غضون ذلك، أوضح ترامب أنه يريد تعيين الأشخاص الذين ينفذون رغبته فقط. والنتيجة المحتملة هي أن ترامب سيعتمد على نحو أكبر على المعينين «بالتوصية».

لن يستطيع أحد إيقاف ترامب

وسيكون هذا انتهاك صارخ للدستور، لكن من الذي يمنع ترامب؟ ربما يكون الدرس الأكثر أهمية في المدة الماضية هو أنه إذا كان الرئيس على استعداد لخرق القواعد، فلن يستطيع أحد تقريبًا منعه من القيام بذلك. وقد يحاول الديمقراطيون عزله مرة أخرى، لكن من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ، ولن يوقِف ذلك ترامب.

إذا كان تعيين الموظفين نوعًا من السياسة، كما أشار سكوت فولكنر المساعد السابق لرونالد ريجان، فإن معدل تعاقب الموظفين المحتمل يعطي رؤية واضحة لتصرفات ترامب خلال مدة ولايته الثانية، والتي ستكون أشبه في بعض النواحي برسم كاريكاتوري بَشِع لترامب في ولايته الأولى. وبين السيطرة الديمقراطية المفترضة على مجلس النواب، وربما على مجلس الشيوخ، وقرار ترامب بعدم اهتمامه بوضع برنامج لولاية ثانية، من المرجح أن يحقق الكونجرس أقل من إنتاجه الضئيل على مدى السنوات الأربع الماضية.

فلسفة

منذ شهر
نعوم تشومسكي: ترامب أسوأ مجرم في تاريخ البشرية.. وهكذا أرى الانتخابات المقبلة

بيد أن تعيين ترامب للقادة الأقل كفاءة محل قادة مذعنين له تمامًا يعني أن البيت الأبيض يمكن أن يذهب إلى أبعد من ذلك في بعض الأمور المُقلِقة التي قام بها بالفعل. ويتضمن ذلك تقويض الحريات المدنية، وحرية الصحافة، وحماية العمال، وتراجع التأمين الصحي، من خلال المحاكم والإجراءات التنفيذية، وتحويل السلطة التنفيذية إلى امتداد لمصالح ترامب الشخصية. وعلى الصعيد العالمي، حيث يتمتع الرئيس بالفعل بمجال واسع، كما كتب الصحافي توماس رايت، فإن ذلك يعني التفكك الشامل للنظام العالمي الذي نعرفه.

واختتم الكاتب المقال قائلًا: «إن النتيجة لمثل هذا التغيير يمكن أن تكون إعادة توجيه الحكومة الفيدرالية والولايات المتحدة على نحو جذري. وإذا كان من الممكن تعريف ولاية ترامب الأولى بأنها سُلطة حكم أمريكية، حتى وإن كانت سيئة بوضوح، فقد لا يمكن التعرف على الولاية الثانية على الإطلاق».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد