نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي مقالًا لريبيكا راي، باحثة أكاديمية في جامعة بوسطن الأمريكية، تناولت فيه الحروب التجارية التي خاضها دونالد ترامب خلال ولايته الأولى في الحكم، وهل عادت هذه الحروب بالنفع على الشعب الأمريكي أم أنها أثقلت كاهله بأعباء اقتصادية جديدة كان في غنى عنها.

استهلت الكاتبة مقالها بالقول إن الانتخابات الأمريكية في عام 2016 كانت بمثابة استفتاء على التجارة الحرة، والتي ينظر إليها عددٌ من الأمريكيين على أنها مسؤولة عن تدمير ملايين الوظائف الأمريكية في قطاع التصنيع. لكن الانتخابات الأمريكية في عام 2020 قد ترتبط بمزايا الحروب التجارية.

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
كيف يشعل ترامب شرارة حرب تجارية عالمية الآن؟

وخلال ولايته الأولى في البيت الأبيض، مزَّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصفقات التي أُبرِمت في السابق، وشنَّ حربًا تجارية ضد الصين، وأعاد التفاوض على بنود اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. وتزعم حملة ترامب الانتخابية أن حربه التجارية نجحت في تحقيق أهدافها، وأن سياساته كانت ستؤدي إلى استعادة وظائف قطاع التصنيع – حتى حلَّت جائحة كوفيد-19 – لذلك ينبغي على المصِّوتين في انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة أن ينتخبوا ترامب ويمنحوه ولاية ثانية لأربع سنوات أخرى.

خصوم ترامب من الديمقراطيين يعترضون

واستشهدت الكاتبة بما قالته السيناتور كامالا هاريس أثناء مناظرتها التي أجرتها مع مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي الحالي، «خسرت إدارة ترامب هذه الحرب التجارية»، مشيرةً إلى فقدان الولايات المتحدة قرابة 300 ألف وظيفة في قطاع الصناعة خلال ولاية ترامب الأولى، فضلًا عن إفلاس المزارعين وتعثُّرهم ماليًّا.

واستطردت الكاتبة قائلة: بصفتي عالمة اقتصاد أُجري أبحاثًا ودراسات عن السياسة الاقتصادية الدولية، أعتقد أن دافع ترامب لإعادة التفكير في السياسة التجارية كان مفهومًا ومعقولًا، إذ إنه من الناحية المنطقية، إذا ما ألحقت التجارة الحرة الضرر بالعمال الأمريكيين، ينبغي علينا أن نضع قيودًا وحواجز أمام هذه التجارة لكي نوفر الحماية لهؤلاء العمال حتى لو وصل الأمر للاستعداد «لخوض الحرب».

بيد أن الحروب يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية، والحروب التجارية لا تختلف كثيرًا عن ذلك – حسبما تقول الكاتبة.

الخاسرون من التجارة الحرة

وتخبرنا النظرية الاقتصادية – بحسب الكاتبة – أن التجارة الحرة تعني توافر أكبر قدر من السلع الأرخص، نظرًا لأن كل شيء يُنتَج في المكان الذي يُمكنه تصنيع المنتج بأقل تكلفة. وصحيحٌ أن الأمر يبدو وكأنه صفقة جيدة بالنسبة للمستهلكين والصناعات المُصدَّرة، مثل الزراعة التي ستجد لمنتجاتها كثيرًا من المشترين. لكنه في الوقت نفسه يبدو الأمر وكأنه صفقة مجحفة وجائرة بالنسبة لعمال قطاع التصنيع مع انتقال المؤسسات الصناعية إلى دول مثل المكسيك والصين؛ حيث تتوفر العمالة بتكلفة أقل.

Embed from Getty Images

وهذا ما حدث بعد أن أصبحت اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية سارية المفعول في عام 1994 وانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001. وفي كل الحالات، كان عمال قطاع التصنيع من بين أكبر الخاسرين، إذ انخفض التوظيف في القطاع من أقل من 18 مليون حالة توظيف في عام 1990 إلى ما يزيد عن 14 مليون بنسبة قليلة في عام 2004.

التيار يسير عكس اتجاه التجارة الحرة

وأبرزت الكاتبة أن عديدًا من السياسيين أصبحوا نتيجةً لذلك أكثر حذرًا بشأن دعم صفقات التجارة الحرة. وحينما كان جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي السابق، عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي في عام 1993، صوَّت مع عديد من نواب الحزب الديمقراطي للتصديق على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، لكن بايدن وجميع نواب الحزب الديمقراطي تقريبًا صوَّتوا بـ«لا»، بعد ما يزيد عن عقدين بقليل، عندما طُرح مشروع قانون التجارة الحرة مع أمريكا الوسطى وجمهورية الدومينيكان للتصويت، وقد مُرر مشروع القانون بصعوبة.

وعلى الرغم من توقيع الإدارة الأمريكية التي كان بايدن عضوًا فيها على اتفاق الشراكة الاقتصادية الإستراتيجية عبر المحيط الهادئ في عام 2016 – والذي كان سيُمهد الطريق لإنشاء أكبر منطقة تجارة حرة في العالم – واجه المشروع معارضة من كبار الديمقراطيين بالإضافة إلى ترامب، وهو ما أعاق تمرير الاتفاق في مجلس الشيوخ وعرَّضه للخطر، وأدَّى إلى انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق الشراكة في عام 2017.

وتابعت الكاتبة قائلة: عندما أطلق ترامب حملته الانتخابية الرئاسية في عام 2016، كانت معارضته للصفقات التجارية مثل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية إحدى القضايا المميزة المطروحة في برنامجه. وفي الوقت الذي كان فيه قادة الحزب الجمهوري من أشد المؤيدين للتجارة الحرة في أكثر الأحيان، كان وعد ترامب باستعادة وظائف قطاع التصنيع إلى الولايات المتحدة بمثابة يد العون التي منحته الفوز في الانتخابات التمهيدية والفوز بالرئاسة الأمريكية في نهاية المطاف، وذلك لأن عددًا متزايدًا من الناخبين الأمريكيين بدأوا ينظرون إلى التجارة على أن لها أثارًا سيئة على الشعب الأمريكي.

وقد وفَّى ترامب بوعوده وتعهداته، بعدما أصبح رئيسًا للولايات المتحدة، وفرض تعريفات من جانب واحد على مجموعة من المنتجات الصينية، وهي قائمة تبلغ قيمتها الإجمالية حاليًا حوالي 550 مليار دولار، فضلًا عن معظم واردات الألومنيوم والفولاذ، وهكذا بدأت حروب ترامب التجارية.

وأردفت الكاتبة قائلة: إن بحثي الذي أجريتُه مع زملائي في جامعة بوسطن يُظهر أن الاتفاقيات التجارية أضرَّت بالعمال الأمريكيين ضررًا محققًا، لكن حروب ترامب التجارية لم تحل مشكلة انتقال المؤسسات الصناعية إلى الخارج، وهي المشكلة التي كان من المفترض أن تحلها الحروب التجارية.

مشكلة الحروب التجارية

لقد ادَّعى ترامب أن «الحروب التجارية جيدة ويسهل الفوز بها». ويبدو أن ترامب استند في حديثه هذا إلى افتراض أن شركاء أمريكا التجاريين لن ينتقموا أو يردوا على هذه السياسة، وقد أخطأ في افتراضه هذا. إذ ردَّت الصين على السياسات الأمريكية الجديدة مرارًا وتكرارًا، في عدد من جولات إستراتيجية كان فيها العين بالعين والسن بالسن، عن طريق فرض رسوم جمركية على صادرات أمريكية تقدر قيمتها بـ185 مليار دولار أمريكي، وعلى المنتجات الزراعية تحديدًا.

Embed from Getty Images

وبعدما شعر مزارعو فول الصويا في الولايات المتحدة بنضوب أكبر في أسواقهم، اضطرت إدارة ترامب إلى إنفاق 23 مليار دولار لتعويض بعض خسائر المزارعين. وبذلك سيكون أكثر من ثلث دَخْل المزارع في عام 2020 من الإعانات الحكومية.

وعندما خططت إدارة ترامب، في وقت سابق من هذا العام، لفرض رسوم جمركية على مادة الصلب القادمة من كندا، تعهدت الدولة المجاورة لأمريكا من الجهة الشمالية بالانتقام، وهو ما كان سيُلحق بالغ الضرر بالمصدِّرين الأمريكيين، لذا تراجع ترامب عن خططه.

وخلُصت الكاتبة إلى أن هذه هي مشكلة الحروب التجارية، تشنها البلاد بهدف حماية عمَّالها، لكن الأمر ينتهي بها إلى كثير من الضرر الذي تلحقه بنفسها، إذ يُؤدي فرض تعريفات جمركية انتقامية إلى زيادة تكلفة الصادرات، وهو ما يُلحق الضرر بالشركات والعاملين داخليًّا وخارجيًّا.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن سياسة الولايات المتحدة قد أغفلت خصمها الأساسي: مكافحة انتقال المؤسسات الصناعية الأمريكية إلى خارج البلاد، وهو الأمر الذي ظلت معدلاته تتصاعد، وأدَّى تخفيض الضرائب في عام 2017، على سبيل المثال، إلى أن أصبح نقل الوظائف إلى الخارج أكثر نفعًا وجذبًا، وهو ما جعل تحقيق الهدف الأساسي للحرب التجارية بعيد المنال.

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
«فورين بوليسي»: كيف سيبدو الاقتصاد العالمي بعد الجائحة؟ 9 علماء اقتصاد يجيبون

وترى الكاتبة أن الحروب التجارية لا تؤتي أُكلَها إلا إذا كانت الدول التي تشنها تمتلك رؤية واضحة، وأن تسفر هذه الحروب عن إحداث تغييرات ذات جدوى في كيفية أداء جميع الناس لأعمالهم، وهذا أيضًا لم يحدث.

وفي حين أن ترامب توصل إلى إبرام صفقة «المرحلة الأولى» مع الصين في يناير (كانون الثاني)، يبدو أنها ستجعل مشكلة نقل الوظائف إلى الخارج أسوأ. وقد وافقت الولايات المتحدة على تخفيض التعريفات الجمركية على البضائع الصينية على اعتبار أن ذلك جزءًا من الصفقة، وقالت الصين إنها ستشتري كثيرًا من المنتجات الأمريكية، وخاصة فول الصويا.

وصحيحٌ أن الصفقة قد تُصلح بعض الأضرار التي سببتها الحرب التجارية، مثل مساعدة مزارعي فول الصويا المتعثرين، لكنها ستُسهل نقل الوظائف إلى الخارج لأنها ستؤدي إلى أن تصبح عمليات النقل إلى الصين أكثر نفعًا للشركات الأمريكية وجلبًا للأرباح، وذلك نظرًا لأن الصين وافقت أيضًا على التوقف عن مطالبة الشركات الأجنبية التي تُنشئ أعمالًا تجارية داخل حدودها بنقل حق المعرفة التكنولوجي إلى الشركاء المحليين.

طريقة أفضل لحماية العمال

وذكرت الكاتبة أن أحد الاستثناءات الجديرة بالملاحظة لكل هذا هي الاتفاقية التي أُبرِمت بين الولايات المتحدة، والمكسيك، وكندا، وأصبحت سارية المفعول في يوليو (تمّوز)، والتي يعزم ترامب على إحلالها محل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. ويبدو أن هذه الصفقة ستؤدي على الأرجح إلى مزيد من نقل الوظائف إلى الخارج، إلى المكسيك، بسبب دعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي لأحكام العمل والبيئة التي ترفع الحد الأدنى من أجور عمال شركات صناعة السيارات المكسيكية.

Embed from Getty Images

وفي الواقع يشير هذا الأمر إلى أحد أفضل السبل التي تحد من الاستعانة بالخارج في وظائف التصنيع: إجراء المفاوضات بشأن الاتفاقيات التجارية التي تضع معايير أرقى بخصوص العمل والبيئة على أن تلتزم بها جميع الأطراف المُوقِّعة على الاتفاقيات. وهذا لن يساعد العمال والمجتمعات في البلدان الأخرى على الحصول على معاملة أفضل فحسب، بل سيجعل العمال الأمريكيين أكثر قدرة على المنافسة من خلال زيادة تكلفة ممارستهم للأعمال هناك؛ مما يؤدي على الأرجح إلى أن تقلل الشركات الأمريكية من نقل وظائفها إلى الخارج.

واختتمت الكاتبة مقالها قائلة إن الأدلة تشير إلى أن التفاوض والتعاون أفضل الوسائل للحد من نقل الوظائف إلى الخارج، وليس خوض الحروب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد