نشر موقع «المونيتور» الإخباري تقريرًا أعدَّته الصحافية اللبنانية، حنان حمدان، سلَّطت فيه الضوء على غزو «التوك توك» لشوارع لبنان؛ إذ مع تفاقم الأزمة الاقتصادية الطاحنة وتدهور الأوضاع المعيشية في لبنان، استبدل كثيرون «التوك توك» بعرباتهم الفارهة لأداء مهامهم أو الذهاب لأعمالهم أو توصيل بضائعهم.

تشير الكاتبة في مطلع تقريرها إلى أن «التوك توك»، وهو عربة تسير على ثلاثة دواليب (عجلات)، باتت مشهدًا مألوفًا على نحو متزايد في بعض شوارع لبنان، لا سيما في الأحياء المكتظة والريف بوصفها وسيلة مواصلات جديدة.

«التوك توك» مصدرًا للدخل

وأوضحت الكاتبة أن الأزمات الاقتصادية والمالية التي تعصف بالبلاد منذ نهاية عام 2019، وانهيار العملة المحلية، فضلًا عن انفجار الأسعار، دفعت كثيرًا من اللبنانيين للبحث عن تأمين مصدر دخل برأس مال ضئيل. وقد اختار كثيرون امتلاك «توك توك»، والذي تتراوح تكلفته بين ألف و2500 دولار لأغراض النقل والعمل.

دولي

منذ شهر
«المونيتور»: كيف تحولت الأزمة اللبنانية إلى بوابة للنفوذ الروسي في سوريا؟

ونقل الموقع الأمريكي عن ناصر الأحمد، وهو شاب في العشرينيات من عمره متزوج ولديه ابنة، قوله: «اشتريتُ عربة «توك توك» منذ عامين مقابل 1500 دولار، وأستخدِمَه للقيادة داخل الضاحية الجنوبية لبيروت وحولها لجمع الخردة المعدنية وشرائها ونقل البضائع. وأصبح «التوك توك» مصدر الدخل الوحيد لي ولعائلتي. ولا يعمل «التوك توك» بالغاز لأنه يحتوي على بطارية قابلة لإعادة الشحن. وقد أصبح عديد ممن أعرفهم يمتلكون «التوك توك» الآن».

ويتميز «التوك توك» بصغر حجمه، إذ إنه يتسع لثلاثة ركاب فضلًا عن السائق. ولا يستهلك «التوك توك» الغاز ويمكن قيادته في الشوارع والأحياء الضيقة التي لا يمكن للسيارات الوصول إليها. كذلك يُعد «التوك توك» مركبة صديقة للبيئة لأنها تعمل بالكهرباء وتُعد أفضل وسيلة لنقل البضائع في الأماكن التي تشهد اختناقات مرورية.

لبنان بين الأمس واليوم

ولفت التقرير إلى أن «التوك توك» ظهر لأول مرة في لبنان قبل ما يقرب من أربع سنوات، عندما ظهرت أولى العربات في الأسواق الشعبية والأحياء الفقيرة في الضواحي الجنوبية لبيروت، في مناطق مثل الأوزاعي والرحاب وكذلك في مدينة طرابلس شمال لبنان، في حيي باب التبانة والحدادين وفي السوق القديم. وتُستخدم هذه العربات بالأساس لنقل البضائع وتوصيلها.

Embed from Getty Images

واليوم، يمكن مشاهدة مئات من عربات «التوك توك» تجوب الشوارع في مناطق لبنانية مختلفة، معظمها في الريف، ولا سيما في سهل البقاع وضواحي بيروت. وتُستخدَم هذه العربات كذلك بوصفها أكشاكًا متنقلة لبيع القهوة والطعام ونقل البضائع. بل إنها حلَّت محل سيارات الأجرة في بعض المناطق نظرًا إلى أن أجرة نقلها رخيصة موازنةً بالمركبات العادية. ويتقاضى سائقو «التوك توك» ما بين ألفين إلى 3 آلاف ليرة لبنانية (1.30 دولار إلى دولارين) للرحلة الواحدة، مقابل 4 آلاف ليرة لبنانية (2.60 دولار) يتقاضاها سائقو سيارات الأجرة. وكان آخرون يقودونها بدلًا من سيارتهم.

ونوَّه التقرير إلى أن أسعار النقل العام ارتفعت في العام الماضي بسبب الأزمة الاقتصادية المستمرة. وفي غضون ذلك، تتزايد أسعار الغاز يوميًّا في لبنان بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمية. لكن يرجع ذلك أيضًا إلى حقيقة أن شركات توزيع وقود البنزين يتعين عليها تغطية 10% من أسعار المشتقات النفطية بالعملة الصعبة (الدولار) المتوفرة في السوق السوداء، حيث وصلت الليرة اللبنانية إلى أكثر من 12500 ليرة للدولار الواحد.

رحلات رخيصة

ويغطي البنك المركزي 90% من سعر الوقود بالسعر الرسمي البالغ 1515 ليرة. وما فَتِئَ اللبنانيون يكافحون لتعبئة سياراتهم بالوقود، ذلك أن محطات الوقود تقتصد في كمية الوقود التي توفرها أو تغلق المحطة بحجة نقص الكميات المتوفرة.

يقول كمال، الذي يملك عربة توك توك في سهل البقاع في شرق لبنان، للموقع: «كنت عاطلًا عن العمل منذ تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد والأزمة التي تلت ذلك، إلى أن اشتريت «التوك توك»، وهو الآن مصدر دخلي الوحيد مثل عديد من الشباب في المنطقة».

وبدوره قال بلال أبو هيكل، الذي يملك مع شريكين آخرين، شركة لتوصيل البضائع ونقل الأفراد: «يوجد حوالي 1200 توك توك من مختلف الأشكال والأنواع في سهل البقاع وحده».

وأضاف: «أسَّستُ الشركة مع شريكي في فبراير (شباط) 2020، ومقرها باريلياس في سهل البقاع. وفي ذلك الوقت، كانت عربات «التوك توك» قليلة جدًّا ولم أكن أتوقع أن يزداد عددها بهذه السرعة. وتمتلك شركتنا حاليًا ثماني عربات «توك توك»، وقد وسَّعنا نطاق أعمالنا، ونوصِّل الآن بضائعنا ليس في باريلياس وحدها، ولكن أيضًا إلى المدن المجاورة مثل شتورة وزحلة».

Embed from Getty Images

وأشار أبو هيكل إلى أن «الطلب على «التوك توك» أمر جيد في هذا الوقت. في السابق كنا نفرض رسومًا قدرها ألف ليرة لبنانية (0.60 دولار) مقابل رحلة التوصيل الواحدة. ونتقاضَى اليوم ما يتراوح بين ألفين إلى 3 آلاف ليرة (1.30 دولار إلى دولارين) مقابل النقل إلى الأماكن المجاورة أو توصيل أي بضائع. أما في حالة الأماكن البعيدة، يمكن أن ترتفع الأسعار، لكنها تظل أرخص مما تتقاضاه أي سيارة أجرة أو عربة شحن أو شاحنة صغيرة نظرًا إلى ارتفاع أسعار الوقود وظروف المعيشة ومصاريف أخرى لازمة للمركبات العادية، مثل تغيير الزيت وقِطع الغيار».

وأوضح: «كل عربة تربح 90 ألف ليرة (60 دولارًا) في اليوم ومتوسط ​​ربح صافٍ 40 ألف ليرة (26.60 دولار). ونعطي كل سائق «توك توك» 30% من قيمة دخله اليومي، وندفع جزءًا للإصلاحات وقِطع الغيار والوقود».

رَواج «التوك التوك»

وقال جهاد ميتا، مؤسس شركة «ميتا موتورز» وأحد وكلاء شركة «بياجيو» الإيطالية في لبنان، لموقع «المونيتور»: «ازداد الطلب على «التوك توك» في الأشهر السبع الماضية، إذ تُستخدَم هذه العربات بوصفها سيارات أجرة محلية في الأحياء، ولتوصيل الطلبات إلى المطاعم».

وأوضح قائلًا: «اعتدتُ استيراد الدراجات النارية الأغلى ثمنًا، لكن في نهاية عام 2020 توقفت عن ذلك وبدأتُ في استيراد «التوك توك» من بياجيو. ويتراوح سعر «التوك توك» بين 2300 و2500 ليرة تُدفع بالعملة الصعبة (الدولار). وعندما يُتداول الدولار بأقل من 12 ألف ليرة، يرتفع الطلب على «التوك توك»؛ وذلك لأن معظم العملاء يدفعون بالعملة المحلية».

وأفاد التقرير أن اللبنانيين يختارون «التوك توك» على نحو متزايد لنقل البضائع أو حتى النقل الشخصي. وينقل الموقع عن شاب في الثلاثينيات من عمره من سكان منطقة سد البوشرية في بيروت ويُدْعي أحمد، والذي يقول: «التوك توك أسرع وبأسعار معقولة، وقد انتشر على نحو كثيف في العامين الماضيين؛ إذ لا يمكنك المرور عبر برج حمود (حي في بيروت) دون رؤية أشخاص يقودون التوك توك».

وتابع: «قبل عام نقلتُ إطارات سيارات من منطقة الدكوانة إلى سن الفيل، وقد كلفني ذلك 20 ألف ليرة (13.30 دولار)، وهو ما كان سيكلِّفني ما لا يقل عن 100 ألف ليرة (66.60 دولار) في حال نقلهم في شاحنة صغيرة»

مقاومة الانهيار الاقتصادي

وألمحت الكاتبة إلى أن كثيرين يرون أن الاستخدام المتزايد لـ«التوك توك» يعكس تدهور الظروف المعيشية في لبنان ونمط حياة جديد للبنانيين، خاصة وأن هذه المركبات تُستخدَم في البلدان المكتظة والفقيرة مثل باكستان وبنجلاديش. وينظر كثيرون نظرة قاتمة إلى الوضع الحالي للبلاد.

Embed from Getty Images

يعتقد جان الطويل، الخبير الاقتصادي، أن «التوك توك» يعكس مرونة اللبنانيين والقدرة على التكيف مع الواقع الجديد ومقاومة الانهيار الاقتصادي. وأوضح الطويل للموقع: «يقاوم اللبنانيون حاليًا، ويحاولون الصمود من خلال إيجاد بدائل لعيش حياة كريمة. وفيما يخص كثيرين، تغير نمط حياتهم على نحو جذري. ولكن هذا لا يعني أن عليهم قبول هذا الوضع الراهن الجديد.

بل على العكس من ذلك، فهم يبتكرون حلولًا للتغلب على هذه المرحلة»، موضحًا أن أكبر مفترق سياسي يتطلعون إليه هو الانتخابات النيابية المقبلة، واختيار سلطة سياسية جديدة ذات كفاءة، ولديها الإرادة لتغيير السياسة التي أدَّت إلى هذا الانهيار.

وتختم الكاتبة بما أجمله الطويل الذي قال: أضحت لبنان دولة فقيرة بغض النظر عن انتشار «التوك توك» في شوارعها من عدمه. وسوف تزداد فقرًا مع إنهاء الدعم للسلع الأساسية، وما يهم الآن هو العمل على بناء اقتصاد إنتاجي جديد بدلًا من الاقتصاد الريعي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد