إن حقيقة أنه لا يزال هناك سياح يجري مهاجمتهم في تونس تحكي قصة خاصة بها. منذ أن غدت مهد الربيع العربي في عام 2011، كانت هذه الدولة الصغيرة الواقعة شمال أفريقيا هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بأي شيء يتجه نحو الاستقرار بعد الإطاحة بالدكتاتور زين العابدين بن علي.

وبينما باتت سوريا واليمن وليبيا المجاورة الآن في مراحل مختلفة من الانهيار، وعادت مصر مرة أخرى إلى الحكم العسكري، نظمت تونس بنجاح ليس واحدة فقط وإنما مجموعتين من الانتخابات البرلمانية، وصاغت الدستور، وتحركت ببطء نحو التحول إلى الديمقراطية الصحيحة.

وكما تُظهر هجمات الجمعة على الشاطئ في سوسة، لم يكف السياح عن القدوم إلى تونس على الرغم من الهجوم السابق لتنظيم الدولة الاسلامية (داعش) في مارس الماضي في متحف باردو في البلاد، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل قتل 19 شخصًا.

ومع ذلك، لم تكن عملية إعادة بناء البلاد بعد سنوات من الحكم الحديدي في عهد بن علي عملية واضحة كما كان يبدو الأمر.

عندما ثار التونسيون لأول مرة في يناير 2011 – بعد مشاعر الغضب التي اندلعت إثر مقتل بائع الفاكهة، محمد بوعزيزي، الذي أشعل النار في نفسه بعد حالة من اليأس إزاء الأوضاع المعيشية – بدا وكأن العالم العربي يُظهر أخيرًا وجهًا جديدًا. كانت الحشود الضخمة التي خرجت إلى الشوارع في تونس للتظاهر تميل إلى الغربية، وتتحدث ليس عن الجهاديين أو الاضطهاد الغربي، ولكن عن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تمارس في أوروبا.

كما اتضح فيما بعد، لم تكن الطبقات الوسطى التي تتصفح الفيسبوك هي الطبقات الوحيدة التي اعتبرت سقوط السيد بن علي بمثابة الفرصة للتغيير. هكذا فعلت أيضًا الأحزاب الإسلامية التي نالت دعما قويًّا من أجندتها الإسلامية لنيل أصوات الناخبين.

يتمتع العلمانيون والإسلاميون على حد سواء الآن بنصيب من السلطة في البرلمان. ولكن في حين تعايش كلا الطرفين جنبًا إلى جنب في سلام، لم تكن البلاد بمنأًى عن التطرف الذي تسبب في الكثير من النزاعات لأبناء عمومتهم في الربيع العربي. تم اغتيال السياسيين العلمانيين وتعرضوا لمضايقات، وفي الوقت الذي تعرضت فيه الأحزاب الدينية المتطرفة لحملات قمعية متتالية شملت حظر تلك الأحزاب، فإنها لا تزال تشكل تهديدًا.

كانت جماعة أنصار الشريعة المتشددة تمثل تحديًا مستمرًا للسلطات التونسية الجديدة. بعد تشكيلها في أعقاب سقوط بن علي، سعت تلك الجماعة إلى الدعم في الأحياء الفقيرة في تونس من خلال توفير الخدمات المحلية، ووقف المزيد من عناصرها المتشددة حائلًا أمام محاولات حزب النهضة الإسلامي المعتدل لإشراكها في الحظيرة السياسية.

قبل عامين، كانت أنصار السنة جماعة محظورة أثناء حملة على التطرف بعد مقتل اثنين من القادة السياسيين اليساريين. ولكن الحكومة التي لا تزال تقيم أركان سلطتها بعد سنوات من الدكتاتورية تكافح للقضاء على التطرف كليًّا، لأسباب ليس أقلها الحدود التي يسهل اختراقها مع ليبيا، حيث يتمركز مسلحو داعش في الوقت الراهن.

وفي مرحلة ما بعد الربيع العربي، لا تزال تونس تعاني من ارتفاع معدلات البطالة بشكل مؤلم، وهو نفس الشعور باليأس الذي قاد بوعزيزي إلى التضحية بالنفس وتحفيز الكثير من الرجال التونسيين الشباب على التخلي عن حياتهم من أجل الجهاد.

بشكل ملحوظ، ساهمت الأمة ذات ال 11 مليونًا بالفعل بنصيب كبير في أعداد المقاتلين الجهاديين الذين يشاركون في الصراع في سوريا والعراق أكثر من أي بلد آخر. حسب بعض التقديرات، فإن الأعداد تصل إلى 3000 تونسي من مجموع يقدر بـ 16000 من المقاتلين الأجانب.

فسر البعض ذلك بوصفه علامة على أن تونس اختارت أن تغض الطرف عن متطرفيها، طالما أنهم يسببون المتاعب فقط في الخارج. أحداث المذبحة الأخيرة في شوارع تونس قد تغير ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد