قلق يتزايد بمرور الوقت بين الناشطين في تونس تجاه استفحال ظاهرة الإنشاءات العشوائية وأثارها على الشواطئ التونسية التي تواجه تهديدات أخرى عديدة. الصحافية ليليا بليز نشرت تقريرًا في صحيفة «لوموند» الفرنسية تناولت فيه المخاطر المحيطة بالشواطئ التونسية.

استهلت الكاتبة تقريرها بالحديث مع الصياد «محمد جمعة» من قاربه، وفي الخلفية تتجلى روعة الجبل المحيط بمياه شاطئ «رأس سيدي علي المكي» الفيروزية في شمال تونس.

وعلى غرار لافتة «هوليوود» في لوس أنجلوس تظهر لافتة «لوفينا» على الجزيرة المطلة على الخليج التونسي، حيث يضع «محمد» أراجيح شبكية وأكواخ وكراسي للاسترخاء، قائلًا إنه «قبل ستة أشهر كان لا يزال هناك مساحات من الرمال على الشاطئ، ولكن مياه البحر امتدت لدرجة أنه اضطُر حاليًا إلى وضع الكراسي والأكواخ على الصخور». 

التقرير رجع بالذاكرة إلى الوراء قليلًا، وأشار إلى نشأة «محمد» في قرية مجاورة تسمى «غرب الملح»، وبعد أن أتم دراسته كان عليه الاختيار بين أن يصبح مزارعًا أو صيادًا، أو السفر إلى الخارج؛ فاختار السفر إلى كندا، ولكنه عاد أخيرًا إلى مسقط رأسه، واستثمر مع أشقائه ما يعادل 15 ألف يورو في افتتاح مطعم على الساحل قبل إنشاء جزيرة «لوفينا».

ويقدم «محمد» عرضًا يشمل دخول شاطئ خاص، وتوفير الانتقالات وموقف للسيارات ووجبة الغداء مقابل 60 دينارًا (ما يعادل 19 يورو) يوميًا.

Embed from Getty Images

انتشار الشواطئ الخاصة

مبادرة «محمد» بإقامة شاطئ خاص لا تعتبر الأولى من نوعها. ففي السنوات الأخيرة، انتشرت الشواطئ الخاصة تزامنًا مع مبادرة إحياء السياحة الداخلية وجذب التونسيين للقيام برحلات بحرية، بعيدًا عن الشواطئ العامة المزدحمة في كثير من الأحيان رغم عدم قانونية تلك الشواطئ.

وتابع «محمد» قائلًا: «أعمل بتصريح عمل مؤقت يتيح لي نقل الأشخاص على متن قاربي، ومع ذلك تتراكم علىّ الغرامات من السلطات المعنية».

وأضاف أنه «لا أمانع من وجود إشراف على عملنا والتفاهم حول طريقة دفع الرسوم، ولكن المشكلة تكمن في مواجهة أشخاص مسئولين يقولون لنا فقط «هذا ممنوع»، دون أي نقاش أو توضيح. ومع ذلك فإننا لا نؤثر سلبًا على البيئة، ونعمل على تلبية الطلب المتزايد للسائحين».

شواطئ البحر.. بين التطوير والتآكل

تآكل السواحل التونسية باتت من الخطورة بحيث تستدعي القلق والمخاوف لدى الكثيرين، حيث تمتد هذه السواحل لمسافة 1600 كيلومتر تقريبًا وسط ارتفاع منسوب مياه البحر. وأخذت هذه الظاهرة في الصعود بعهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، بالتزامن مع ظهور صناعة السياحة وانتشار الوحدات الفندقية غير القانونية عبر أنشطة مقاولي العقارات عديمي الضمير.

Embed from Getty Images

بعد ذلك قامت الحكومة بتمهيد 80 شاطئًا عامًا. ومنذ بداية الثورة أضيفت منشآت غير قانونية إلى العديد منها، كما خُصخص العديد من الشواطئ إلى جانب قائمة طويلة أخرى من الجرائم في هذا الشأن.

والنتيجة كما تبدو للعيان أنه يجري تحسين وتطوير شواطئ البحر، وانتشار لكثير من الشواطئ السياحية الخاصة التي يتم دفع رسوم دخول إليها. بينما تبدو واضحة أيضًا ظاهرة عجز المسؤولين الحكوميين عن تنظيم وإدارة الشواطئ العامة. 

ويرى التقرير أن المبادرات الخاصاة الموجودة في جزيرة «لوفينا» وغيرها تتيح فرص عمل لمئات العاطلين عن العمل؛ مما يجعل من الصعب على السلطات التدخل والتصدي لتلك المبادرات.

ويوظف «محمد جمعة» عشرات الشباب مقابل 60 دينارًا في اليوم، أي أكثر من أجر العمل بمواقع البناء على سبيل المثال، في بلد يعاني من البطالة التي ارتفع معدلها إلى 15٪. حيث تمتلئ جزيرة «لوفينا» بالوافدين كل عطلة نهاية أسبوع تقريبًا.

اختفاء الشواطئ الرملية

التقرير أشار إلى أن مقاولي صناعة السياحة يستولون على الشواطئ العامة في المدن الساحلية الأخرى. مثلما هو الحال في «مدينة الحمامات» التي اشتكى سكانها لسنوات من أن التآكل الساحلي وتضييق مساحة الشواطئ العامة لا يلقى أي اهتمام أو عناية من المسئولين.

ولا يوجد في هذه المدينة سوى ثمانية شواطئ عامة على طول 17 كيلومترًا، ويجب علينا المرور عبر الوديان أو الممتلكات الخاصة للوصول إلى الشاطئ. 

وانتقد «الطبيب سالم السهلي»، عضو رابطة التثقيف البيئي بمدينة الحمامات ظاهرة تشييد «الفنادق دون مراعاة لتراجع مساحات الكثبان الرملية التي لم تعد موجودة على كثير من الشواطئ بسبب التآكل». 

وشدد «السهلي» على أن المشكلة تكمن أيضًا في غياب التعاون بين البلديات والسلطات قائلًا: «غالبًا ما تتخذ قرارات استغلال الساحل في تونس بامتيازات خاصة لبعض الأشخاص، كما لا تحترم تلك المنشآت أي قواعد أو التزامات. وحتى الآن لا توجد سلطة محلية حقيقية مختصة بهذه القضية، ولا يعاني الزوار أو السائحون وحدهم، ولكن البيئة تعاني أيضًا».

Embed from Getty Images

35 حارسًا فقط لمراقبة 600 كم من الشواطئ

الصحافية التونسية أشارت في تقريرها إلى أنه في عام 2017، نشر المكتب العام لمراجعة الحسابات تقريرًا دامغًا عن إدارة المجال البحري العام بين عامي 2010 و2015، والذي أكد افتقار السلطات إلى الحزم في التعامل مع الانتهاكات المشار إليها. ووفقًا لوكالة الحماية والتنمية الساحلية فإن إعداد التقارير والمحاضر، منذ ما يقرب من 100 عام لم يكن أمرًا كافيًا للقضاء على هذه المخالفات.

كما استنكر «محمد بن جدو» المدير العام لوكالة الحماية والتنمية الساحلية هذه الظوهر بقوله: «يجب الأخذ في الاعتبار عدم وجود عقوبات حقيقية للمخالفات، وتنفيذ أوامر الهدم. مع الأخذ في الاعتبار وجود نقص في الموارد، فلدينا 159 موظفًا، من بينهم 35 من حراس الشواطئ، لمراقبة 600 كيلومتر من الشواطئ». 

وأضاف «بن جدو» أن الوكالة حققت بعض النجاحات، لا سيما في حماية جزر قوريا على الساحل الشرقي، إلا أن صلاحياتها تبقى محدودة في مواجهة العديد من الجرائم، ومن الصعب إدارة مهمتنا البيئية التي أصبحت ذات أهمية متزايدة في مواجهة تآكل الشواطئ، وفي الوقت نفسه السيطرة على زيادة المنشآت الفوضوية والرغبة السياحية للاستغلال التجاري للشواطئ، كما نطالب ونشجع على استدامة الشواطئ واستخدامها».

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن السلطات المختصة تلقي باللوم على بعضها البعض، فاللامركزية المأمولة من انتخابات البلدية لعام 2018 يبدو أنها غير كافية، ولا تستطيع البلديات وحدها فرض السيطرة الكاملة. ورُغم ذلك رأينا رئيس بلدية مدينة المرسى شمالي تونس، «سليم مهيرزي» قد نفّذ مؤخرًا أمرًا بهدم حانة بُنيت على أحد الشواطئ بطريقة غير قانونية. 

استحدثت «شرطة للبيئة».. هل تعود تونس «خضراء» كما كانت؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد