هذه المرة، كنت أتمنى لو أنني كنت مخطئًا، كنت أتمنى لو أن الوثيقة التي نشرتها في أيار (مايو)، وتحتوي على تفاصيل خطة قيس سعيد للاستيلاء على تونس، وتقويض الدستور، وإغلاق البرلمان، كانت ملفقةً.

هكذا استهل الكاتب الصحافي ديفيد هيرست مقاله المنشور في «ميدل إيست آي» وترجمه «عربي 21» وينقله لكم «ساسة بوست»، وفيما يلي الترجمة الكاملة لنص المقال:

حينها سخر البعض مني بسببها، وقيل لي إنه لا يوجد شيء من ذلك، وإن الوثيقة كانت من صنع معارفي من الإسلاميين، والحقيقة إن مصدر الوثيقة كان علمانيًّا، ومن داخل الرئاسة نفسها. لم تكن الوثيقة مجرد رسالةٍ عابرة صدف أن وجدت طريقها دون قصد إلى صندوق البريد الرئاسي، كما زعم قيس سعيد نفسه بعد أربعة أيام، حينما أُجبر على الاعتراف بأنها كانت وثيقة صحيحة.

لقد كانت خطةً راسخةً وضعها أقرب مستشاريه إليه.

مواقع صديقة

منذ شهرين
«ميدل إيست آي»: خطة انقلاب قيس سعيد الدستوري مسربة منذ شهرين.. وهذه تفاصيلها

صرحت الوثيقة التي كشف عنها موقع «ميدل إيست آي» بأنه بعد أن يتم استدراج كلٍّ من رئيس الوزراء هشام مشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي إلى القصر، ويحتجزان داخله، سوف يتم تعيين جنرال، هو خالد اليحياوي، قائمًا بأعمال وزير الداخلية.

وذلك بالضبط هو الذي حصل صباح الإثنين؛ حيث تم تعيين اليحياوي ليقود عملية القمع والقهر التي يتعرض لها الآن السياسيون والإعلاميون في تونس. لم يكتفِ قيس سعيد بالاستيلاء على جميع السلطات، بل وعين نفسه أيضًا في منصب المدعي العام. ويجري توصيف إجراءات سعيد ردَّ فعل على الدمار الذي ألحقته الجائحة بالبلاد. ولكن في الفترة التي تم فيها تسريب الوثيقة، لم يكن الفيروس قد تمكن من تونس وعاث فيها فسادًا.

في إدارة قيس سعيد كان وزير الصحة عبد اللطيف مكي، وهو طبيب، عضوًا في حزب النهضة، وكان قراره توزيع الكمامات على الناس في الشوارع قد حاز إشادةً عالمية، بوصفه نموذجًا كان ينبغي أن يُحتذى في بقية العالم العربي.

لم يكن لانقلاب الأحد أدنى علاقة بالفيروس، بل كان قد خطط له في وقتٍ كان فيه الفيروس تحت السيطرة. أحد أنصار سعيد، سامية عبو، من التيار الديمقراطي، رحبت بتحركات سعيد، وقالت يوم الأحد إن «قرارات الرئيس دستورية وتاريخية، وكان ينبغي على الرئيس اتخاذ تلك القرارات قبل وقتٍ مضى».

انقلاب بكل ما تعني الكلمة من معنى

كانت الوثيقة، التي ختم عليها بعبارة «سري للغاية»، قد وصفت الخطة بأنها «انقلاب دستوري»، إلا أن ما جرى ليلة الأحد تجاوز صفة الدستورية بمراحل.

ينص الدستور على أنه حينما يتم تفعيل الفصل الذي يسمح للرئيس بأن يحوز سلطاتٍ استثنائية، فإنه يتوجب على البرلمان أن يظل في حالة انعقاد، وأنه لا يمكن حله، ولكن في الحقيقة أقدم سعيد على تعليق البرلمان، وحال دون وصول أعضائه إليه. ويتوقف تفعيل الفصل 80 على المحكمة الدستورية، التي حال سعيد دون تمكين البرلمان من تشكيلها، حتى وإن كان بموجب الدستور يختار أربعة فقط من أعضائها الاثني عشر.

عياض بن عاشور واحد من أبرز أستاذة القانون الدستوري في تونس، وكان قد لعب دورًا محوريًّا في صياغة الوثيقة الانتقالية والدستور وقانون الانتخابات، وكان رئيس الكيان الذي أدار الفترة الانتقالية في عام 2011، وهو رجل علماني، وليس من أنصار الإسلاميين، ومع ذلك يرى بن عاشور أن هذا انقلاب «بأتم معنى الكلمة».

وكذلك هو حال نبيل بفون، رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، الذي قال إن الهيئة في حالة من الصدمة. جميع المؤسسات التي أقيمت بعد الإطاحة بالرئيس الراحل زين العابدين بن علي، وكل ما أوجدته ثورة 2011 من أجل وضع تونس على طريق الديمقراطية، أعربت عن معارضتها لإجراءات سعيد، بغض النظر عن ميولها السياسي.

إذن، لا يوجد ما هو دستوري بشأن هذا الانقلاب، هذا انقلاب بكل ما تعنيه الكلمة، ولا يختلف في شيء عن ذلك الذي أطاح بمحمد مرسي في مصر في عام 2013، وكذلك الذي سعى للإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا في عام 2016. لا يوجد ما هو دستوري بشأن هذا الانقلاب. هذا انقلاب بكل ما تعنيه الكلمة.

جميع الأحزاب في تونس تقريبّا تعارضه، من اليسار إلى اليمين، ومن العلماني إلى اليساري؛ النهضة والكرامة وقلب تونس والجمهوري، وحتى التيار الديمقراطي الذي تنتمي إليه عبو. حتى لحظة كتابة هذا المقال، كان حزب واحد فقط، حزب الشعب، هو الذي يؤيد إجراءات سعيد، وليس صعبًا معرفة السبب؛ ففي العالم العربي من يقبض على السلطة بأسرها لا يتنازل عن شيء منها.

لم يُخفِ سعيد رغبته في تغيير النظام السياسي في تونس. كان المشيشي، رئيس الوزراء الذي اصطدم معه، قد عينه سعيد وصادق عليه البرلمان، إلا أن الخلافات بين الرجلين ما لبثت أن ازدادت اتساعًا عندما رفض سعيد التصديق على الوزراء الذين عينهم المشيشي.

لم يكن الصدام بين الرئيس ورئيس الوزراء متعلقًا بخلاف أيديولوجي؛ فلم يكن أيٌّ من الوزراء سياسيًّا، ولم يكن للنهضة يد في اختيار أيٍّ منهم، كان يفترض فيها أن تكون حكومة تكنوقراط.

كان الخلاف حول السلطة التي كان سعيد يريدها بأسرها.

من حالم إلى دكتاتور

في النهاية، كان أستاذًا جامعيًّا متمردًا مثل سعيد لا سياسيًّا هرِمًا من النظام القديم مثل الباجي قايد السبسي الذي ابتليت به التجربة التونسية مع الديمقراطية.

يذكر للسبسي الفضل في أنه قاوم إغراء المال الذي عرضته عليه أبوظبي حتى يتخلص من النهضة.

اختار بدلًا من ذلك فن المساومة السياسية، ونجم عن ذلك تفتت حزبه، لكن تونس ظلت صامدة. مثل هذا الفن محرم في عرف سعيد، وهو الذي جاء من خارج الوسط السياسي، ولا يوجد من ورائه حزب، وإن كانت النهضة قد ساندته بوصفه الخيار الأقل سوءًا من بين جميع المرشحين الرئاسيين، ولكونه من النمط الذي ينمي أفكارًا خاصةً به.

كان نضال مكي طالبًا عنده، وقد وصف سعيد بأنه حالم يسعى نحو تغيير تحولي بوصفه رئيسًا، وكان نضال قد صرح لموقع «ميدل إيست آي» في عام 2019 بما يلي: «توجد لدى السيد سعيد بعض التحفظات بشأن الديمقراطية التمثيلية على الشكل الذي يتم من خلاله تنفيذها وممارستها في تونس؛ فهو ليس ضدها بشكل قطعي، وإنما يود لو أنه يتمكن من تصحيحها من خلال حقن جرعة من الديمقراطية المباشرة».

عربي

منذ سنتين
«المونيتور»: السبسي يرحل تاركًا لتونس إرثًا محل خلاف ومستقبلًا غامضًا

لقد أثبت الرئيس التونسي أنه مصدر عدم الاستقرار السياسي، فقد حكم وهو يتأرجح بين التهديد والترطيب جيئة وذهابًا، فقد زعم في شهر أبريل (نيسان) أنه القائد الأعلى للجيش ولأجهزة الأمن الداخلي في البلاد، بينما يضع الدستور القوات الداخلية تحت إمرة رئيس الوزراء.

وفي شهر يونيو (حزيران)، أعاد وحده كتابة التاريخ التونسي، من خلال التصريح بأن فرنسا ليس لديها ما تعتذر عنه أثناء حكمها الاستعماري للبلاد. وأعلن سعيد أن تونس كانت تحت الحماية الفرنسية وليس الحكم الاستعماري. إذا ما أخذنا بالاعتبار كم من التونسيين الذين تعرضوا للاغتيال أو للاغتصاب تحت الحكم الاستعماري منذ عام 1881، تبدو تصريحاته تلك غاية في العجرفة.

إلا أن كل تلك المواقف العديدة كانت في اتجاه واحد؛ لقد كان لديه دافع واحد من إحباط المحاولات المتكررة لترشيح شخصيات لشغل المناصب في المحكمة الدستورية، على الرغم من أن أربعة منهم يتم تختارهم الرئاسة، وأربعة يختارهم البرلمان، وأربعة يختارهم الجهاز القضائي، وهذا الحافز هو إعاقة تشكل كيان لديه صلاحية الاعتراض على تحركاته ووصفها بعدم الدستورية.

لقد كان لديه دافع واحد من إحباط المحاولات المتكررة لترشيح شخصيات لشغل المناصب في المحكمة الدستورية.. وهذا الحافز هو إعاقة تشكل كيان لديه صلاحية الاعتراض على تحركاته ووصفها بعدم الدستورية.

بوصفه أستاذًا في القانون، كان المرء يتوقع من مثله أن يرسخ مبدأ الفصل بين السلطات، إلا أن سعيدًا لا يعترف بأخطائه، ولا يتحمل المسؤولية عن معاناة التونسيين. إن الفوضى التي تضرب الحكومة هي الفوضى التي يصنعها بيديه، كما أدركت تونس سريعًا حينما عطل البرلمان واعتقل المعارضين السياسيين.

في لحظة تعلن الرئاسة أنها تلقت ألف جرعة من اللقاح من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتنتشر إشاعات بأن عددًا من أعضاء البرلمان ومن المسؤولين قد أخذوا اللقاح، وفي لحظة ثانية تنكر الرئاسة أي علم لها بتلك «الهدية».

الرجل الأخير

على مدى العشرة أعوام الماضية، ما زالت تونس تنتقل من أزمة سياسية إلى أخرى، ولكنه بشكلٍ أو بآخر تمكنت من النجاة، فاستحقت لقب رجل الربيع العربي الأخير الذي ما زال واقفًا.

لم تكن النهضة مثل الإخوان المسلمين في مصر؛ فقد ساومت وتنازلت تطوعًا عن السلطة، وأبرمت صفقاتٍ لشق المعارضة، لكنها في الوقت نفسه لم تتمكن من إحداث التغيير الاقتصادي الذي كان البلد في أمسِّ الحاجة إليه. بالنسبة للإنسان التونسي العادي، وخاصةً بالنسبة للشباب، كانت الأمور تتجه من سيئ إلى أسوأ.

معظم ذلك الوقت لم تكن النهضة مسيطرة، لا على البلد ولا على الحكومة، بل كانت تقاتل من أجل تشكيل المؤسسات مثل البرلمان ومثل المحكمة الدستورية، والتي كانت ستعزز الديمقراطية في تونس.

فيما لو كانت التجربة التونسية مع الديمقراطية فعلًا في نهايتها، فذلك يعني أن التونسيين سيقبلون بحجة الطغاة في سائر أرجاء العالم العربي، ومفادها أنهم ليسوا جاهزين للديمقراطية، وأنهم لا يناسبهم سوى العيش في كنف الطغاة البشعين.

لا أعتقد أن الربيع العربي قد مات، ولا أعتقد أيضًا أن الشعب التونسي على استعداد للعودة إلى حكم الرجل الواحد. وستثبت الأيام القادمة ما إذا كنت، مرةً أخرى، على صواب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد