نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا استهلته كلير باركر بالإشارة إلى الرسالة التي أراد راشد الغنوشي، زعيم الحزب الإسلامي الرئيسي في تونس ورئيس البرلمان، أن يؤكد عليها مؤخرًا، ومفادها: أن حزبًا ديمقراطيًا اجتماعيًا، يتخذ من الإسلام مرجعية له، لم يزل من الممكن أن يكون له مكان في تونس والعالم العربي.

الربيع العربي

منذ 4 شهور
راشد الغنوشي: نجاح الثورة التونسية يحتاج إلى أكثر من 10 سنوات

وكان الآلاف من أنصاره قد توافدوا على وسط العاصمة التونسية في 27 فبراير (شباط)، بأعدادٍ وصفها بعض المراقبين بأنها من أكبر المظاهرات التي احتشدت خلال العقد الماضي. جاء الرجال، والنساء، والأطفال، الذين يدعمون حزبه، النهضة، على متن حافلاتٍ من جميع أنحاء البلاد، وهم يتوشحون الأعلام التونسية، ويهتفون «وحدة وطنية!»، ويرددون شعارات مؤيدة للغنوشي.

قبلها بيوم، قال الغنوشي في مقابلةٍ من داخل منزله في تونس العاصمة: «أردنا أن نبعث برسالةٍ مفادها: أن الثورة ما زالت موجودة وقوية وفاعلة، حتى يعرف الجميع حجمها».

وكان حزب النهضة قد دعا رسميًا إلى الاحتشاد في مسيرةٍ لدعم الوحدة الوطنية وحكومة رئيس الوزراء المستقلة هشام المشيشي التي يلفت التقرير إلى أنها مثقلة بالمشكلات. ولدى سؤال الغنوشي عما إذا كان يهدف أيضًا إلى إبراز قوة حزبه، أجاب: «بالطبع».

«الديمقراطية التوافقية» هي الحل

في منطقةٍ سحقت حكوماتها الاستبدادية الحركات الإسلامية أو استوعبتها، سعى حزب النهضة إلى تقديم نفسه نموذجًا للتوافق بين الإسلام والديمقراطية. وبالفعل ظل الحزب هو القوة السياسية الأكثر مرونة وتأثيرًا في تونس على مدى العقد الماضي، منذ الربيع العربي. 

ولكن الآن، في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية التي تثقل كاهل تونس، وتراجع شعبية «النهضة» في استطلاعات الرأي، يبذل الحزب قصارى جهده للحفاظ على موطئ قدم لنفسه في المشهد. 

Embed from Getty Images

ويقود الغنوشي، البالغ من العمر 79 عامًا، الحركة منذ أربعة عقود؛ إذ شارك في تأسيس النهضة في عام 1981، بوصفها مجموعة إسلامية لا عنفيّة تدافع عن المشاركة في العملية الديمقراطية. ثم أمضى عدة سنوات في السجن خلال حقبة الثمانينات، في عهد الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة، قبل أن يفر إلى لندن، حيث عاش في المنفى لأكثر من 20 عامًا.

بعد الثورة عاد الغنوشي إلى تونس ليستقبل استقبال الأبطال. لكنه اختار عدم الترشح لمنصب وطني، وبدلًا عن ذلك اضطلع بدور «وسيط السلطة»؛ إذ قاد صعود حزبه إلى صدارة المشهد، وجهوده لصياغة دستور تونس الجديد، وتحالفاته مع الأحزاب العلمانية، سعيًا لتحقيق «ديمقراطية توافقية» يكون الإسلاميون لاعبًا رئيسيًا فيها. 

وأضاف الغنوشي يوم الأحد، وهو جالس في مكتبٍ داخل منزله المليء بنسخ من القرآن الكريم وكتب مثل «الدين والدولة في السياق الإسلامي الحديث»: «لقد استقرّ في قناعتنا ضرورة التعاون مع العلمانيين لمواجهة أي نوع من الأصولية، سواء كانت تتخذ من الإسلام أو العلمانية مرجعًا لها». 

الهروب من مصير «إخوان مصر»

وشدد الغنوشي على أن حزبه يقدم نموذجًا للآخرين في المنطقة، وأن التنازلات التي قدمها لإنجاح الديمقراطية في تونس – ومن أجل بقائه السياسي، في جوهر الأمر – أفسحت أمامه الفرصة للهروب من مصير الإخوان المسلمين في مصر، الذين وصلوا إلى السلطة بعد الربيع العربي، لكن الانقلاب العسكري سرعان ما سحقهم في عام 2013.

وخوفًا من أن يَلقَى حزب النهضة مثل هذا المصير، نأى بنفسه عن الجماعات الإسلامية الأخرى، بل عن تسمية «الإسلاميين» نفسها. ففي عام 2016 أعاد الحزب توصيف هويته باعتباره ذا مرجعية «إسلامية ديمقراطية»، ومنع الدعاة من الترشح للمناصب السياسية. ويرى الغنوشي الآن أن مصطلح «إسلامي» تسمية تفتقر إلى الدقة، ولا تترتب عليه منفعة كبيرة. 

وأردف قائلًا: «إن هذا المصطلح يضع الجميع في سلة واحدة، سواء هؤلاء الذين يرفضون العنف، أو أولئك المرتبطين بالإرهاب. ولذلك فإن هذا المصطلح غير ذي نفعٍ، بل يؤدي فقط إلى تعكير صفو الأجواء».

تراجع شعبية «النهضة» والغنوشي

تضاءلت شعبية الحزب بمرور الوقت؛ ففي عام 2019، حصل على 52 مقعدًا في البرلمان المؤلف من 217 مقعدًا، مقارنة مع 89 مقعدًا حصل عليها في عام 2011. وبعد أن فاز الغنوشي بمقعد في عام 2019، وانتُخب بسهولة رئيسًا للبرلمان، خيَّم الجدل على فترة ولايته، التي شهدت احتدام حدة الخلافات السياسية، داخل البرلمان شديد الانقسام، حول تشكيل الحكومة.

Embed from Getty Images

والمشيشي، المدعوم من النهضة وحزبين متحالفين، هو ثالث رئيس حكومة مرشح منذ انتخابات 2019، ويخوض الآن نزاعًا دستوريًا غير مسبوق مع الرئيس التونسي قيس سعيد، يهدد بانهيار الحكومة.

في غضون ذلك، يواجه حزب النهضة انتقادات متزايدة من جميع الجهات؛ إذ اجتاحت تونس موجة من الاحتجاجات في يناير (كانون الثاني)، عبّر خلالها التونسيون عن غضبهم من القمع البوليسي والصعوبات الاقتصادية والبرلمان. وتواترت الشعارات المناهضة للنهضة والغنوشي، وتزايدت دعوات حل البرلمان و«إسقاط النظام». وبينما أدانت جماعات حقوقية قسوة الشرطة في مواجهة الاحتجاجات، لم يعرب حزب النهضة عن انزعاجه كثيرًا.

وقال الغنوشي عن الاحتجاجات «هناك بعض المظالم الحقيقية، لكنني أعتقد أن بعض الأحزاب السياسية الراديكالية توظف هذه المظالم في خدمة مصالحها. إذا قيَّمت تجربتنا في سياق دول الربيع العربي الأخرى؛ ستجد أنها تجربة نموذجية للتحول الديمقراطي».

ومع ذلك، أقر الغنوشي بأن حزبه يتحمل بعض اللوم عن الفشل في معالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. وقال: «نحن نتحمل قدرًا من المسؤولية يتناسب مع حجمنا في الحكومة. ومما لاشك فيه أن خبرتنا في الحكم كانت متواضعة. وليس هناك شك أيضًا في أننا تعلمنا الكثير من تجربتنا».

عربي

منذ 4 شهور
معركة ثلاثية في تونس.. ما الذي يحدث بين الحكومة والرئاسة والبرلمان؟

ويلفت التقرير إلى تراجع شعبية الغنوشي تراجعًا حادًا، مع اقتراب نهاية مسيرته المهنية التي استمرت أربعة عقود في عالم السياسة؛ إذ تبلغ نسبة تأييده الآن 8%. وتفاقمت الانقسامات داخل حزب النهضة حول قيادته حتى خرجت إلى الرأي العام في فصل الخريف، عندما وقع 100 من القادة على رسالة مفتوحة تحثه على عدم الترشح لولاية أخرى.

كما أن منصب الغنوشي في البرلمان في مهب الريح أيضا؛ إذ وقع 103 شخصًا على اقتراحٍ لسحب الثقة منه، حتى الأسبوع الماضي، حسبما صرح أحد النواب لوسائل إعلام تونسية. وقال الغنوشي إنه لا يتوقع تمرير الاقتراح، «لكن إذا حدث ذلك، فلن تكون نهاية العالم».

هل يلقي بايدن طوق النجاة لاقتصاد تونس؟

وأدى الاضطراب السياسي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية العميقة في تونس، وأثار مخاوف المستثمرين، كما دمرت تداعيات فيروس كورونا الاقتصاد التونسي المتعثر بالفعل، والذي انكمش بنسبة تقدر بنحو 8.2% في عام 2020، وفقًا لصندوق النقد الدولي.

وعلى أمل أن تلقي إدارة بايدن بطوق الإنقاذ، أقدم الغنوشي على مفاتحة الولايات المتحدة في المسألة عدة مرات على مدى الأسابيع الأخيرة، من بينها خلال لقائه مع السفير الأمريكي دونالد بلوم، وعبر مقاله المنشور في صحيفة «يو إس إيه توداي».

وقال: «إن نجاح الديمقراطية في تونس لا يفيد تونس فقط، ولكنه يفيد العالم أيضًا؛ لأنه يقدم مثالًا على إمكانية التوافق بين الإسلام والديمقراطية، وهذه أفضل طريقة لمحاربة التفسيرات المتطرفة والعنيفة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد