قالت كلير باركر في تقرير لها في صحيفة «واشنطن بوست» إن الاقتصاد التونسي – الدولة الأكثر إنتاجًا لزيت الزيتون في العالم – يواجه مصاعب شديدة مؤخرًا.

واستهلت باركر مقالها بالقول: «ينتظر محمد سيد أن تنطفئ الأنوار، ليس بسبب نقص الزيت، ولكن بسبب وجود الكثير منه. فقد أدت الأمطار الغزيرة غير المعتادة إلى وفرة محصول الزيتون في جميع أنحاء تونس، مما سبب انخفاضًا في سعر زيت الزيتون، وأثار أزمة في الدولة الأكثر إنتاجًا له في العالم».

تضاعفت أشجار الزيتون في مزرعة سيد بولاية القيروان عن المعتاد بحوالي 30 طنًا متريًا، لكنه يقول إن أرباحه أقل من نصف حصيلة العام الماضي. فأضحى لا يستطيع تغطية تكاليفه أو دفع فاتورة الكهرباء، ويخشى أن تقوم شركة الكهرباء بقطع التيار عنه. قال: «لقد فاض بي الكيل، فكتبت على حائط المزرعة للبيع لأني لم أعد أستطيع تحمل ذلك».

بفضل بساتينها الخالية من المواد الكيميائية إلى حد كبير – تشير باركر – تعد تونس أكبر مصدر لزيت الزيتون العضوي في العالم. وقد حصد زيت الزيتون التونسي ميداليات في المسابقات الدولية بلندن ولوس أنجلوس.

ومع ذلك لا يزال زيت الزيتون التونسي غير معروف بالنسبة للعديد من المستهلكين الأجانب. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنه يتم تصديره بكميات كبيرة، معظمها إلى إيطاليا وإسبانيا، وفقا لوزير التجارة السابق عمر باهي. وهناك يجري خلط زيت الزيتون التونسي ببعض الزيوت المحلية ويباع في متاجر البقالة حول العالم تحت أسماء تجارية إيطالية أو إسبانية.

تضاعف إنتاج تونس من زيت الزيتون خلال عام إلى حوالي 350 ألف طن متري – تكشف باركر – ما حول البلاد إلى ثاني أكبر منتج في العالم بعد إسبانيا. وقد أدى هذا إلى تفاقم هبوط أسعار زيت الزيتون عالميًا.

زيت الزيتون التونسي

أفاد المنتجون التونسيون عن انخفاضات كبيرة في الأسعار، حيث بلغ متوسط الكيلوجرام من زيت الزيتون البكر المنتج حديثًا حوالي 1.50 دولار في يناير (كانون الثاني)، بحسب الرئيس التنفيذي للمكتب الوطني لزيت الزيتون شكري بيوض. وانخفضت أسعار الزيتون الخام بشكل أكثر حدة؛ مما يعني أن صغار المزارعين مثل سيد الذين لا يصنعون الزيت الخاص بهم يتحملون العبء الأكبر.

وقال فوزي الزياني نائب رئيس نقابة المزارعين الوطنية: «إنها كارثة خاصة لصغار المزارعين». إذ يشكل زيت الزيتون نصف الصادرات الزراعية للبلاد. ويعتمد أكثر من 300 ألف مزارع على الزيتون للحصول على بعض الدخل، ويوظف قطاع الزيتون ما يقرب من 10% من القوى العاملة بأكملها، وفقًا لوزير الزراعة.

قدم الفينيقيون الزيتون إلى المنطقة منذ ما يقرب من 3 آلاف سنة. وبالرغم من تعاقب الإمبراطوريات – تؤكد باركر – ظلت شجرة الزيتون سمة مميزة للحياة اليومية والتراث الثقافي. إذ تُضرب به الأمثال، وما زال زيت الزيتون علاجًا منزليًا شائعًا لالتهاب الحلق والجلد الجاف.

قال سليم بن علي، وهو عامل موسمي يبلغ من العمر 22 عامًا: «لا قيمة لتونس بدون أشجار الزيتون»، وهو يقضي كل حصاد في بستانه بصفاقس.

يقول المزارعون: إن الحصاد الجيد يعني توفير المال لحفلات الزفاف أو إصلاح المنازل. لكن هذا العام، إنهم يغرقون في الديون. لا يستطيع البعض تحمل تكاليف زراعة أراضيهم، مما يعرض المحاصيل المستقبلية للخطر. والأزمة لها آثار متتالية، إذ إن المزارعين الذين يعانون من ضغوط شديدة يسعون لرحلات تسوق سنوية للملابس أو الأدوات المنزلية.

بدأت الأزمة الحالية في إسبانيا – تكشف باركر – حيث غطى فائض زيت الزيتون من موسم الحصاد الماضي الضخم السوق قبل بدء هذا الموسم. فانخفضت أسعاره في جميع أنحاء العالم، ونظم المزارعون في جميع أنحاء إسبانيا احتجاجات.

وقد أدى تغير المناخ، الذي يسبب نوبات جفاف شديدة تتخللها مواسم أمطار غزيرة، إلى جعل إنتاج الزيتون في منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​أكثر صعوبة. فأكثر من 90% من أشجار الزيتون في تونس غير مروية؛ مما يجعل تونس معرضة لخطر كبير.

قال عبد المجيد الزار، رئيس الاتحاد التونسي للزراعة والثروة السمكية، إن انخفاض الأسعار أثر بشدة على المناطق الفقيرة من البلاد. في مزرعة عادل جاموي خارج القيروان، تناثر الزيتون الأسود الذابل على الأرض تحت الأشجار التي لا يستطيع تحمل حصادها.

في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حاصر المزارعون الغاضبون وزارة الزراعة في تونس، مطالبين باستقالة وزير الزراعة وبتثبيت الأسعار بواسطة الحكومة.

وردت الحكومة بشراء بعض الفائض ودعم تكاليف النقل للمصدرين. وفي يناير – تنوه باركر – وافقت الحكومة على خطة طوارئ لتخزين 100 ألف طن من زيت الزيتون ودفع علاوة للمنتجين والمصدرين. وفي الوقت نفسه حث البنك المركزي البنوك على مواصلة تقديم الائتمان للمتضررين. انخرط المسؤولون التونسيون في دبلوماسية زيت الزيتون، ودعوا الدبلوماسيين الأجانب في تونس إلى الترويج له في بلدانهم.

وقال بوبكر كراي، رئيس ديوان وزير الزراعة السابق: «لقد اتخذت الدولة جميع التدابير اللازمة». وأضاف أن الحكومة تشجع الري وقد أعدت صندوقًا لمساعدة المزارعين الذين يواجهون خسائر بسبب تغير المناخ.

في العقود الأخيرة استثمرت الحكومات المتعاقبة في توسيع قطاع زيت الزيتون لتنمية المناطق الفقيرة وتقليص العجز التجاري وضخ العملات الأجنبية في الاقتصاد التونسي المتعثر. وضاعفت الحكومة في السنوات الأخيرة الحوافز للمنتجين لتعبئة زيوت الزيتون الخاصة بهم – مما يزيد من قيمتها – وروجت لهم في الخارج.

البيئة

منذ 9 شهور
«الجارديان»: «مزارع النخيل عطشى».. تغير المناخ يهدد إنتاج التمور في تونس 

لقد جعل الحصاد الهائل هذا الموسم البحث عن أسواق جديدة أكثر إلحاحًا – تواصل باركر حديثها. يحتفظ الاتحاد الأوروبي بحصة سنوية تبلغ 56 ألف و700 طن لواردات زيت الزيتون المعفاة من الرسوم الجمركية من تونس، بصرف النظر عن الكمية التي يشتريها المستوردون الأوروبيون ويعيدون تصديرها.

لقد طلبت تونس من الاتحاد الأوروبي زيادة الحصة. وقال المسؤولون الأوروبيون إنهم منفتحون لمناقشة هذا فقط كجزء من محادثات تجارية أوسع. عندما زاد الاتحاد الأوروبي حصته مؤقتا في عام 2015، واجه رد فعل عنيف من المنتجين والسياسيين الإيطاليين.

لذا فإن تونس تتطلع إلى آسيا وأفريقيا والولايات المتحدة بدلًا عن ذلك. تزود تونس الآن الولايات المتحدة بما يتراوح بين 5 و15% من زيت الزيتون المستورد، وفقًا لوزارة التجارة الأمريكية.

الآن تستعد تونس إلى عام آخر من الخسائر – تقول باركر – وهذه المرة بسبب قلة الأمطار. ويقول المزارعون في صفاقس والقيروان إن الجفاف الذي حدث مؤخرًا ينذر بحصاد سيئ في الموسم المقبل. في الشهر الماضي دعا وزير الشؤون الدينية التونسي الأئمة في جميع أنحاء البلاد لأداء صلاة الاستسقاء.

وقال بيوض: «مصير تونس مرتبط بمصير زيت الزيتون. ليس لدينا خيار آخر».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد