صحيحٌ أنه قد مضى عقدٌ كامل على ثورات الربيع العربي وانطلاق شرارة الثورة التونسية، إلا أن الحياة بالنسبة لأولئك الذين نزلوا إلى الشوارع في تونس لم تزل تجسيدًا للمعاناة.

نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا، أعدَّه المراسل الدولي بورزو داراغي، الذي يُغطي شؤون الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وجنوب آسيا، وأوروبا، سلَّط فيه الضوء على الذكرى العاشرة لانطلاق شرارة الثورة في تونس، ومن ثم ثورات الربيع العربي في الشرق الأوسط برمته.

هل تبدَّد الأمل؟

في مستهل تقريره، أشار الكاتب إلى الشعلة الأولى التي أدَّت إلى اندلاع ثورات الربيع العربي، عندما أضرم شاب تونسي يُدْعى محمد البوعزيزي – وهو بائع متجول كان يعيش في مدينة سيدي بوزيد التونسية المنعزلة – النار في نفسه في يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010، وانطلقت شرارة الانتفاضة التي امتدَّت إلى جميع أنحاء البلاد، وألهَمَت فيما بعد عددًا من دول الشرق الأوسط.

Embed from Getty Images

يقول الكاتب: في ذلك الوقت، كانت الشعوب العربية يحدوها أمل التغيير ورؤية حقبة جديدة من الرخاء والحرية. لكن بعد مرور 10 سنوات يبدو أن تلك اللحظة المذهلة من البهجة والشعور بالانطلاق والتحرر تلاشت ليحل محلها استيقاظ الشعوب على حقيقة واضحة. إذ تكافح (تونس) الدولة الصغيرة لكي تشق طريقها، على الرغم من التحديات التي تواجهها مثل الركود الاقتصادي والفساد المستشري، بالإضافة إلى الاستقطاب السياسي والثقافي الشديد.

تصف سمَر، المقيمة في مدينة سيدي بوزيد، والتي تبلغ من العمر 32 عامًا، وكانت طالبة إبَّان ثورة تونس، الأوضاع في بلادها قائلةً: «يقولون إننا ننعم حاليًا بحرية التعبير. ربما يكون هذا جيدًا بالنسبة لأناس غيرنا، لكنه ليس كذلك بالنسبة لنا ولا للفقراء. إذ لا تُوفر حرية التعبير لنا ما يكفي من الطعام».

تكريس الحريات وانتقال سلس للسلطة

وأوضح الكاتب أن الأوضاع في تونس، الدولة التي تقع في شمال أفريقيا، ويبلغ عدد سكانها 11.5 مليون نسمة، تغيَّرت تمامًا خلال العقد الماضي منذ تسبب انتحار البوعزيزي؛ بسبب شعوره باليأس والإحباط، في اندلاع موجة احتجاجات عارمة في البلاد دامت لمدة 25 يومًا، وأدَّت في نهاية المطاف إلى الإطاحة بالديكتاتور القديم زين العابدين بن علي. بعد ذلك أجرت تونس عدَّة انتخابات. وغيَّرت شكل الحكومة برمته لمنح البرلمان مزيدًا من الصلاحيات والسلطات، إلى جانب أنها وضعت دستورًا جديدًا يُكرِّس للحريات المدنية، وحقوق المرأة، ويُقلِّص من سلطة القوات المسلحة. 

وتابع الكاتب قائلًا: لقد عانت تونس من موجات مستمرة من الهجمات الإرهابية والاغتيالات. وانضم حوالي 6 آلاف تونسي إلى «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وقد يكون هذا العدد الأعلى في العالم مِن الذين جنَّدهم تنظيم «داعش» من دولة واحدة. وعلى الرغم من ذلك، تمكَّنت تونس من نقل السلطة من حكومة يقودها إسلاميون إلى حكومة يقودها علمانيون، وبعد ذلك عُقِدت تسويات بين الفصيلين، وهو الأمر الذي قلما نشهده في عديد من دول العالم.

وبعد وفاة محمد الباجي قائد السبسي، أول رئيس منتخب ديموقراطيَّا في 2014 بعد ثلاث سنوات على الثورة في تونس، وهو لم يزل في منصب الرئاسة، استطاعت تونس ترتيب عملية خلافة سلسة في السلطة لكي يشعر التونسيون بالارتياح ولإرسال رسائل طمأنة لأصدقاء تونس حول العالم.

اختلافٌ جوهري

وفي هذا الصدد، يقول يوسف الشريف، المحلل السياسي المقيم في تونس، «لقد كان المجتمع التونسي لا يهتم بالسياسة إلى حد كبير، وكان التونسيون يهتمون أكثر بمناقشة أمور كرة القدم والفنون أو مسائل الحياة اليومية، لكن لم يكن يتطرق أحد منهم إلى أمور السياسة. أما الآن فيدلي كل شخص في الشارع برأيه في شؤون السياسة، سواء عبر «فيسبوك» أو في الميادين العامة. وهذا هو الاختلاف الجوهري، إنه التغيير الشامل، إنه التغيير الجوهري».

Embed from Getty Images

وأبرز الكاتب الموازنة التي طرحها الروائي التونسي يامن المناعي، خلال حوار أجراه مؤخرًا مع معهد الشرق الأوسط حول كتابه «الركام الساخن – The Ardent Swarm»، بين الأسطورة والحقيقة حول الحياة في تونس المباركة في عهد بن علي، الذي وافته المنية العام الماضي في منفاه بالسعودية. إذ قال: «تكونت صورة لتونس على مدار سنوات طويلة أنها دولة سياحية يأتيها الناس لقضاء عطلاتهم. واعتقد هؤلاء الزوار أننا كنا سعداء. لكن بالنسبة لمعظم التونسيين، كانت تونس أشبه بسجن كبير. ولم يكن لدينا حتى الحق في الحلم».

وفي هذا الوقت شاع الفساد في كل أرجاء تونس. فإذا كنت ترغب في إنشاء أي عمل تجاري خاص بك، كان لزامًا عليك دفع حصة من أموالك للمقربين من النظام. وانتشرت الرشاوى بين الناس. ولم يكن يُسمح للفنانين بالتعبير عن آرائهم. وفُرِضت رقابة على كتب المدارس للتخلص من أية إشارة ترمز إلى تطلعات الحرية والتحرر، والتي كانت سببًا في حصول تونس على استقلالها عن فرنسا. قال المناعي: «ظللنا نغط في نوم عميق لسنوات وسنوات».

استرجاع اللحظات الأولى من الثورة التونسية

ويروي الكاتب قائلًا: في اليوم الذي أضرم فيه البوعزيزي النار في نفسه بعدما أغلق أحد ضباط الشرطة التونسية كشك بيع الفاكهة الخاص به، لم تتطرق الأخبار المحلية إلى الحادث إلا قليلًا. لكن سرعان ما تحول الغضب من المصير الذي لاقاه الشاب إلى مظاهرات محلية. ولم تذكر التقارير الإخبارية الدولية أنباء الاحتجاجات الجماهيرية وأعمال الشغب في مدينة سيدي بوزيد إلا بعد يومين من اندلاعها، وكان ذلك على استحياء، ولم تعترف بها الحكومة التونسية.

لكن في الوقت نفسه استخدم التونسيون المثابرون الهواتف الذكية الحديثة لنشر مقاطع الفيديوهات الخاصة بالاحتجاجات، وهي الوسيلة التي تكررت في الانتفاضات اللاحقة التي اجتاحت منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وانطلقت احتجاجات الشباب في المناطق النائية، مثل مدينتي سيدي بوزيد والقصرين، وانتشرت في المدن الساحلية مثل مدينة صفاقس؛ معقل الحركة العمالية، والعاصمة تونس؛ مركز الحياة الثقافية.

ولفت الكاتب إلى أنه مع لحظة الإعلان عن وفاة البوعزيزي متأثرًا بجراحه في المستشفى في يوم 4 يناير (كانون الثاني)، بدا واضحًا أن هناك أمرًا غير عادي يحدث في تونس. وأظهرت سرعة انهيار النظام التونسي الطبيعة الواهية لحكم بن علي. وهرب رئيس تونس آنذاك ووزير الداخلية السابق وعائلته إلى المملكة العربية السعودية في 14 يناير بعدما طالبه الجيش بمغادرة البلاد. وفي غضون أيام، وصَلَ راشد الغنوشي، الزعيم المنفي لحزب النهضة ذي التوجه الإسلامي، إلى تونس.

مكاسب الثورة ولكن!

وفي حواره مع صحيفة الإندبندنت، يقول السيد الغنوشي: «لقد تركتْ الثورة في نفسي آثارًا عميقة جدًّا. فلولاها ما كنتُ أعيش في بلادي اليوم. إن الثورة تمثل كل شيء بالنسبة لي ولحياتي، وهي كذلك بالنسبة لأجيال من التونسيين الذين ناضلوا من أجل الحرية. وكانت التغييرات التي حدثت بعد ذلك بالغة الأهمية. إذ انتقلت تونس من كونها واحدة من أكثر الدول جمودًا في العالم إلى واحدة من أكثر الدول ديناميكية وحركة. وانتشرت الاحتجاجات في العاصمة وغيرها من المدن. وتصارع الإسلاميون، والعلمانيون، واليساريون، بعضهم ضد البعض».

Embed from Getty Images

وأخذ الكاتب يُعدد مكاسب الثورة التونسية قائلًا: شهدت تونس بعد الثورة تأسيس مئات الصحف الجديدة، إلى جانب إنشاء الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. وبرزت تونس بوصفها مركزًا للتغيير السياسي والإصلاح في المنطقة العربية، حيث نقلت مراكز الأبحاث الفكرية ومنظمات ترويج الديمقراطية من الخارج مقراتها إلى تونس.

ومع ذلك – يستدرك الكاتب – وبعد مرور 10 سنوات، لم يطرأ أي تغيير على الانقسامات الحادة المتشابكة داخل المجتمع التونسي، إذ لم تزل العصبيات والتحيزات القديمة باقية، وظلت مدن تونس الساحلية تتميز بالثراء والسمعة العالمية. أما المدن الداخلية فظلت فقيرة ومنعزلة. وينظر كلٌ من الجانبين إلى بعضهما البعض بريبة وتعصب.

حركة شعبوية مريبة ومطالبة بالعودة إلى السلطوية

صحيحٌ أن الإسلاميين يلتزمون بخطاب موحد تحت قبة البرلمان التونسي وأمام وسائل الإعلام الدولية، لكنهم – بحسب الكاتب – يواصلون عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنتديات المحلية تغذية التطرف لدى بعض أنصارهم المتطلعين للحكم الإسلامي. بينما يصف العلمانيون والليبراليون المُعتدُّون بأنفسهم الإسلاميين ومؤيديهم بأنهم خِرَاف جهلة. ويرى يوسف الشريف أن «اليسار التونسي، والبرجوازية العلمانية، والليبرالية لم يتطوروا مطلقًا. ولم يزل هذا الفصيل العلماني الليبرالي يحمل نفس العقلية التي كان عليها قبل أربع أو 10 سنوات».

عام

منذ سنتين
سمية الغنوشي: الإسلام الديمقراطي في مواجهة الإسلام التسلطي

وألمح الكاتب إلى أن تونس تشهد أيضًا ظهورَ قوًى جديدة يمكن أن تُشكِّل خطرًا على البلاد وتوجد بين أوساط العلمانيين: وهي حركة شعبوية تدعمها الإمارات العربية المتحدة على الأرجح، ومنحتها منبرًا على وسائل الإعلام الخليجية للترويج لفكرة أن الثورة كانت سقطة، ولابد عن العودة إلى حكم الرجل القوي الذي يتجلى في الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأنه كان أفضل من النظام الديمقراطي الفوضوي.

وصنَّف الشريف هؤلاء قائلًا: «إنهم ينتمون إلى الجناح اليميني التونسي الذي يقول إن الربيع العربي كان مؤامرة كبرى. وقد ينتهي الأمر بأن يصوت كثيرٌ من التونسيين العلمانيين لمثل هذه الحركات الشعبوية المؤيدة للسلطوية حتى وإن كانوا يعتقدون أن الديمقراطية أفضل من الديكتاتورية».

إهانة شعلة الثورة: البوعزيزي

ويُشير الكاتب إلى أن التونسيين، حتى في مدينة سيدي بوزيد، أصابهم الإحباط الشديد بسبب ارتفاع النفقات وتراجع القوة الاقتصادية لدرجة أنهم يندمون على اليوم الذي أشعل فيه البوعزيزي النار في نفسه.

يقول محمد علي، بقَّال في سيدي بوزيد ويبلغ من العمر 41 عامًا، «لقد كان شخصًا واحدًا يشعر باليأس. أما الآن فالشعب كله يشعر باليأس. لكننا إذا أضرمنا النار في بعضنا البعض، في الوقت الحالي، فلن يتغير شيء بلا شك، ولن يُحرِّك أحدٌ ساكنًا. بل إن بعضهم يُسيئون إلى البوعزيزي عندما يرون مدى ارتفاع الأسعار، ويقولون إنه السبب. وفي حقيقة الأمر، لم يتغير شيء فيما عدا ارتفاع الأسعار». وأضاف البقَّال أنه على الرغم من أنه لم يحب بن علي أبدًا، إلا أن الحياة كانت في ظل حكمه أفضل من الوضع الحالي، قائلًا: «كان بمقدورنا إدارة الأمور اليومية».

تراجع اقتصاد تونس

ورصد الكاتب الخسائر الكثيرة التي تكبَّدها الاقتصاد التونسي خلال السنوات العشر الماضية، وذلك بالتزامن مع خوف المستثمرين الدوليين من عدم الاستقرار السياسي في البلاد. إذ ذكر البنك الدولي أن جائحة فيروس كورونا المستجد تسببت في إلحاق ضرر أكثر مما كان متوقعًا في تونس، إلى جانب انكماش اقتصاد البلاد بنسبة مذهلة بلغت 21% وارتفاع معدل بطالة الشباب إلى قرابة 20% في الربع الثاني من عام 2020. كما انخفضت عائدات السياحة بنسبة 47% وانخفضت الصادرات بنسبة 27% حتى منتصف العام الجاري. وارتفع الدين الحكومي، وهو ما أدَّى إلى تقليص الإنفاق العام المحتمل.

وفي الوقت الراهن تعقد تونس محادثات مع صندوق النقد الدولي للحصول على مزيد من المساعدات المالية، فضلًا عن المناقشات التي تجريها البلاد مع بنوك التنمية التي تقودها الصين.

Embed from Getty Images

وفي ختام تقريره استشهد الكاتب بعددٍ من تصريحات راشد الغنوشي التي قال فيها: «إن الثورة حققت هدفها الأول بتحقيق الحرية السياسية للشعب التونسي. إذ يُحتفى بتونس على نطاق واسع بوصفها النجاح الوحيد للربيع العربي بالتحوُّل إلى الديمقراطية، والذي يُعد من بين أسرع التحوُّلات على مستوى العالم في التاريخ الحديث. لكن النجاح الاقتصادي لم يزل بعيد المنال».

وأضاف قائلًا: «حُرِم جيلُ محمد البوعزيزي من الحرية وعاش في ظل ديكتاتورية وهو ما أتاح لقوات الشرطة أن تحرمه من أحد الأمور الأساسية مثل عربة الخضار التي وفَّرت له لقمة العيش. إن التحدي الذي يُواجهنا الآن يتمثل في هذا الجيل الذي جاء بعد البوعزيزي، ولم يحيَ في ظل الديكتاتورية وفتح أعينه على الحرية التي ننعم بها. إن هذا الجيل لا يفتقر حاليًا إلى عدم القدرة على التعبير عن آرائهم أو الانضمام إلى العملية السياسية، بل تنقصه رؤية ازدهار اقتصاد بلاده والحصول على فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة. وإذا لم يتحقق هذا الأمر اليوم فإن هذا يُنذر بتقويض الإنجازات التي حققتها تونس».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد